لا بدّ من التنبيه منذ البداية على أنّ ما سيأتي ذكره من مآخذ على الكتاب لا يقلّل بأيّ حال من الأحوال من الجهد الذي بذله المؤلف، فلا يغضّ من شأنه هفوة هنا، أو زلّة هناك؛ لأنّ أيّ عمل بهذا الحجم الذي تصدّى له لا بدّ من أن يكون فيه ما يقال، وهذا شأن كلّ عمل بشري. ومن المهمّ القول أيضا إنّ بعض تلك الهفوات قد لا يتحمّل وزرها المؤلف؛ لأنّها ربّما كانت من عمل النّسّاخ.
ويمكن إجمال هذه المآخذ بالآتي:
١ - خلوّ الكتاب من مقدّمة تبيّن اسم الكتاب، وسبب تأليفه، والمنهج الذي اتّبعه مؤلّفه.
_________________
(١) درج الدرر ٥٦٤.
(٢) درج الدرر ٥٨٠.
(٣) درج الدرر ٦٥١.
(٤) درج الدرر ٧٠٨.
(٥) درج الدرر ٧١٩.
[ ١ / ٤٣ ]
٢ - ربّما ناقض قوله، فعند حديثه عن قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:٣٤] ذكر الخلاف في الاستثناء هل هو متّصل أو منقطع، وبيّن أنّ ذلك مترتّب على الخلاف في كون إبليس من الملائكة أو من الجنّ، وعقّب على ذلك بقوله: «ويجوز تناسل الممسوخ عند أكثر النّاس» (١)، ولكنّه عند ما تكلّم على قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] ناقض ذلك فقال: «والأمّة الممسوخة لا تتناسل عند أكثرهم؛ لأنّهم لم يعيشوا فوق ثلاث» (٢).
٣ - ربّما كرّر قوله، مناقضا ميله إلى الاختصار، كما فعل في بيانه أنّ العلم «رؤية تنفي الجهالة»، فذكر ذلك في حديثه عن ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] (٣)، وكرّره عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا﴾ [البقرة:٦٥] (٤).
٤ - رغم عنايته بالأحاديث النّبويّة الشّريفة التي ضمّنها كتابه، وتحرّيه الصّحيح منها نقل حديثا موضوعا في أثناء كلامه على توجيه قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، وهو قوله: (من عرف نفسه فقد عرف ربّه) (٥). ونقل حديثا عن النّبيّ ﷺ، ذكر فيه أنّه أمر بهدم الآطام في المدينة، والذي وجدته في المصادر عكس ما رواه (٦).
٥ - عزا بيتا من الشّعر إلى الإمام الشّافعيّ والمصادر تعزوه إلى غيره (٧)، ووهم في عزو بيت آخر إلى حسّان (٨) مخالفا موضعين سابقين من كتابه عزاه في أولهما إلى جرير، وهو الصّواب (٩).
_________________
(١) درج الدرر ٣٨.
(٢) درج الدرر ٧٨.
(٣) درج الدرر ٣٢.
(٤) درج الدرر ٧٧.
(٥) درج الدرر ١٥٤.
(٦) ينظر: درج الدرر ٦١٩.
(٧) ينظر: درج الدرر ٥٨٠.
(٨) ينظر: درج الدرر ٢٧١.
(٩) ينظر: درج الدرر ٣٣.
[ ١ / ٤٤ ]