هو إقامة حرف مكان حرف مع الإبقاء على سائر أحرف الكلمة (١). وذهب بعضهم إلى أنّ من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض وأنّه «كثير مشهور قد ألّف فيه العلماء» (٢). والإبدال «قد يكون لغة من اللغات، وقد يكون إبدالا قياسيّا في عامّة لغات العرب» (٣). وحروف الإبدال «اثنا عشر حرفا يجمعها قولك: طال يوم أنجدته» (٤).
ومن أمثلة الإبدال التي ذكرها المؤلّف في كتابه ما جاء في أثناء كلامه على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة:٧٢] إذ قال: ﴿فَادّارَأْتُمْ:﴾ تدافعتم. صيّرت التاء دالا وأدغمت في الدال، فصارت المدغمة ساكنة، فابتدئ بها بهمزة الوصل، نظيره: ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة:٣٨] و﴿تَسائَلُونَ﴾ (٥) [النّساء:١]» (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] ذكر أنّ «(هات): أداة للسّؤال كما أنّ هاء وهاك أداة للإعطاء»، ثمّ بيّن أنّ أصل هذه الأداة فعل، وأنّ هاءها مبدلة من همزة، فقال: «والأصل فيه فعل، أي: آت، فقلبت الهمزة هاء كما في هراق، ثمّ جعل من حيّز الحروف فمنع الصّرف إلا على جهة الأمر» (٧).
وبعد أن بيّن معنى (الاصطفاء) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، قال:
«وهو على وزن الافتعال، وإنّما جعلت التّاء فيه طاء لموافقتها الصّاد في الإطباق» (٨). فبيّن سبب الإبدال وهو موافقة الطّاء الصّاد.
وفي قوله تعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة:١٧٠] قال:
_________________
(١) ينظر: شرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٩٧.
(٢) الصاحبي ٣٣٣.
(٣) دراسات في اللغة والنحو ٥٨.
(٤) المزهر ١/ ٣٦٦.
(٥) بتشديد السين.
(٦) درج الدرر ٨٥.
(٧) درج الدرر ١٣٤.
(٨) درج الدرر ١٥٤.
[ ١ / ٦٩ ]
«و(الآباء): جمع أب، والهمزة التي هي فاء الفعل مبدلة لاجتماع الهمزتين» (١). أي أنّ أصله (أأباء) على وزن (أفعال) فأبدلت الهمزة الثّانية، وهي فاء الكلمة، ألفا للتّسهيل.
وربّما أورد المثال من غير تفصيل، كما فعل في أثناء كلامه على قوله تعالى:
﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] فذكر معاني (دلاهما)، ومنها: «وقيل: جرّأهما، من الدّلّ والدّالّة، فصيّرت إحدى اللامات ياء» (٢)، أي أنّ أصله دلّلهما، فأبدلت لامه ياء لاجتماع ثلاث لامات، كتظنّيت في تظنّنت فصار: دلّيهما، ثمّ قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها (٣).
وكذلك فعل في قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤] إذ قال عن (ستّة): «أصله:
سدسة» (٤)، وواضح أنّه يعني أنّ التّاء مبدلة من الدّال والسين، وهو ما ذكره صاحب الكتاب (٥).