اختلف علماؤنا المتقدّمون في الاستشهاد بالحديث النّبويّ الشّريف، وعدّه مصدرا من مصادر الاحتجاج في قضايا النّحو والصّرف، فمنهم من أيّد الاحتجاج به؛ لأنّه أفصح كلام بعد التّنزيل العزيز، ومنهم من رأى أنّ معظم الحديث مرويّ بالمعنى دون اللّفظ، وأنّ معظم رواته أعاجم، وأنّه منقول بروايات مختلفة، فذهب إلى معارضة الاحتجاج به، وتوسّط فريق آخر بين التّأييد والمعارضة فرأى جواز الاحتجاج بالأحاديث التي عني بنقل ألفاظها. وقد فصّل عبد القادر البغداديّ القول في هذه المسألة (٣)، وأولاها المعاصرون عناية كبيرة في البحث والتّمحيص (٤).
ولم تكن عناية المؤلّف كبيرة في الاستشهاد بالحديث النّبويّ الشّريف لمسائل النّحو واللّغة، على عكس ما فعله في الاستشهاد به في التّفسير والأحكام الفقهيّة. وهذه أمثلة على استشهاده بالحديث في ما له صلة باللّغة:
في كلامه على قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة:٢٥] قال: «والوصف بالطّهر أبلغ من الوصف بالحسن؛ لأنّ الحسن ربّما يتضمّن خبثا»، واستشهد بقول النّبيّ ﷺ:
«إيّاكم وخضراء الدّمن» (٥).
وفي قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة:٣٧] تكلّم على معنى (تلقّى) في اللّغة، واستدلّ على مجيئه بمعنى الاستقبال بحديث شريف، فقال: «تلقّى: أخذ وأصاب، وفي
_________________
(١) درج الدرر ١٩٥.
(٢) درج الدرر ٥٣٧.
(٣) ينظر: خزانة الأدب ١/ ٩ - ١٥.
(٤) ينظر: في أصول النحو ٤٩ - ٥٠، والحديث النبوي وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية ٣٨١، وموقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف ٣٦٧.
(٥) درج الدرر ٢٨.
[ ١ / ٥١ ]
اللغة قريب من الاستقبال، نهى ﷺ عن تلقّي الركبان، أي: عن استقبالهم» (١).
وفي حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة:٥١] قال:
«وحقيقة الوعد أن يكون للشيء، فإذا كان على الشيء فهو مجاز»، ثمّ استشهد بدعاء نسبه إلى النّبيّ ﷺ وهو قوله: «(يا من إذا وعد وفى وإذا توعّد عفا)» (٢).
ولمّا تكلّم على معاني (الأكل) الحقيقيّة والمجازيّة في أثناء حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها﴾ [البقرة:٥٨] قال: «و(الأكل) حقيقة: التّلقّف والاستراط، ويستعمل في الإنفاق مثل: أكل الدراهم والدنانير، ويستعمل في الاستيلاء»، واستشهد للمعنى الأخير بقوله ﷺ: «(أمرت بقرية تأكل القرى)» (٣).