يعدّ الشّعر العربيّ الموثوق بروايته من المنابع الأصيلة التي أمدّت النّحو العربيّ بمادّة غنيّة أفادته في بناء أصوله وتقعيد قواعده. وقد عني علماؤنا القدامى بالبحث عن مادّته وجمعها لتكون من مصادرهم الأصيلة في الاحتجاج لمسائل النّحو واللّغة.
وفي (درج الدّرر) أشعار كثيرة لشعراء جاهليّين ومخضرمين وإسلاميّين وأمويّين استشهد بها المؤلّف، وعزا قسما منها إلى قائليها، وترك قسما آخر منها بلا عزو. وفي ما يأتي أمثلة من الشّواهد الشّعريّة التي وردت في الكتاب:
عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] بيّن أنّ المراد به أنّه «يجازيهم على استهزائهم» (٤)، ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
وحين تكلم على قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] قال:
«وإنّما ارتفع (أشدّ) عطفا على الخبر وهو الكاف، ويجوز أن تكون كاف التشبيه في محلّ الإعراب» (٥)، واستشهد بقول الأعشى:
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل
ثم قال مستدلا به: «فأخبر عن الكاف، والإخبار عن الاسم لا غير دلّ على أنّه يقبل
_________________
(١) درج الدرر ٤٢.
(٢) درج الدرر ٥٨.
(٣) درج الدرر ٦٦.
(٤) درج الدرر ١٥.
(٥) درج الدرر ٨٧.
[ ١ / ٥٢ ]
الإعراب في التقدير» (١).
وفي حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة:١٧٧] ذكر أكثر من توجيه لإعراب الآية منها أن يكون التّوجيه: «ولكنّ ذا البرّ من آمن بالله» (٢)، واستشهد له بقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت فإنّما هي إقبال وإدبار
يعني أنّها تريد: فإنّما هي ذات إقبال وإدبار.
وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف:٥٠] قال: «وإنّما استعمل الإفاضة على الجميع وإن كان فيه ما لا يتصوّر إفاضته على سبيل الإتباع، كقوله: ﴿أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ [البقرة:٢٤٦]» (٣)، واستشهد ببيت من الشّعر عزاه إلى الشّافعيّ وهو:
إذا ما الغانيات برزن يوما وزجّجن الحواجب والعيونا
وفي كلامه على معاني (الإلّ) في قوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً﴾ [التّوبة:٨] ذكر أنّ منها «الإلّ: القرابة» (٤)، واستشهد لهذا المعنى بقول حسّان:
لعمرك إنّ إلّك من قريش كإلّ السّقب من رأل النّعام