تتأثّر اللّغات بعضها ببعض، والعربيّة كغيرها أثّرت في اللغات المجاورة لها، وتأثّرت بها.
وأهمّ ناحية يظهر فيها هذا التّأثير هي تبادل المفردات بين اللّغات. والألفاظ التي أخذتها العربيّة من غيرها هي ما يسمّى بالمعرّب (٤).
وقد اختلف علماؤنا الأوائل في وجود المعرّب في القرآن الكريم وعدمه، فأجازه قسم منهم، وأنكره آخرون حتى قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «من زعم أنّ في القرآن لسانا سوى العربيّة، فقد أعظم على الله القول» (٥).
_________________
(١) درج الدرر ٧٥.
(٢) درج الدرر ١٤٧.
(٣) درج الدرر ٦٧٤.
(٤) ينظر: فصول في فقه العربية ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٥) المعرب ٥٢.
[ ١ / ٦٦ ]
وقد وردت في (درج الدرر) ألفاظ كثيرة ذكر المؤلّف أنّ أصلها من لغات أخرى، وهذا يعني أنّ المؤلّف لا ينكر وجود المعرّب في القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك:
في قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة:٤٠] ذكر أنّ (إسرائيل) من أصل غير عربي، فقال: «وسمّي إسرائيل؛ لأنّه كان أساسا للأسباط ومن بعدهم إلى عيسى ﵇، و(إسرو) بالعبرانيّة هو الأساس، و(إيل) اسم الله»، ثمّ قال: «ثمّ لم يكن في لغة العرب ضمّة مشبعة معجمة منحوّا فيها نحو الألف، كما قالوا مكان (إشموئيل): إسماعيل» (١).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة:٦٢] قال: «اليهود: جمع يهوديّ، مثل: عربيّ وعجميّ»، ثمّ قال: «وقيل: اسم عجميّ معرّب، فلمّا عرّب جعل كأنّه اشتقّ من هاد يهود» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٣] ذكر أكثر من قول عن أصل (التّوراة)، منها أنّها من أصل عبري، فقال: «وقيل: إنّه باللغة العبريّة: توروه، وهو الأدب والمتأدّب» (٣).
وحين نقل الأقوال المختلفة في معنى (الجبت) في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ [النّساء:٥١] ذكر منها أنّه «السّحر بلغة الحبشة، يعني: مشتركة بينهم وبين بعض العرب» (٤).
وفي كلامه على المراد ب (عدن) في قوله تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التّوبة:٧٢] قال: «وسأل ابن عبّاس كعبا عن العدن فقال: هي الكروم والأعناب بالعبرانيّة» (٥).