دراسة جموع التّكسير مهمّة صرفيّا؛ لأنّها توصل إلى معرفة أصول الأسماء مثلها مثل التّصغير يردّ الأشياء إلى أصولها (٥)، لذلك قال صاحب الكتاب (٦): «فالتّصغير والجمع من واد واحد».
وجموع التّكسير نوعان: أحدهما: جموع القلّة، والآخر: جموع الكثرة. وجمع القلّة يدلّ حقيقة على ثلاثة فما فوقها إلى العشرة، وجمع الكثرة يدلّ على ما فوق العشرة إلى غير نهاية. وأبنية جموع القلّة أربعة يجمعها قول ابن مالك (٧):
«أفعلة أفعل ثمّ فعله ثمّت أفعال جموع قلّه»
وأبنية جموع الكثرة ثلاثة وعشرون بناء.
_________________
(١) درج الدرر ١٣٩.
(٢) درج الدرر ٢٧٤.
(٣) درج الدرر ٣٠٧.
(٤) درج الدرر ٣٧٤.
(٥) ينظر: ألفاظ الأصوات في اللغة العربية ١٠٤.
(٦) الكتاب ٣/ ٤١٧.
(٧) شرح ابن عقيل ٤/ ١١٤.
[ ١ / ٧٢ ]
وقد وردت أبنية جموع التّكسير في مواضع كثيرة من الكتاب، منها:
في أثناء كلامه على (اليتامى) في قوله تعالى: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى﴾ [البقرة:٨٣] قال: ﴿وَالْيَتامى:﴾ جمع يتيم ك (ندامى) جمع نديم، وقيل: إنّه مقلوب ك (الخطايا). وقد يجمع اليتيم أيتاما كاليمين والأيمان، والشّريف والأشراف» (١).
فالأول على غير قياس، والثاني على القول إنّ الخطايا جمع خطيئة على (فعائل)، وهو قول البصريين بخلاف الكوفيين الذين يرون أنّه على (فعالى) (٢)، أي أنّ اليتيم جمع على (يتايم)، ثمّ حدث فيه قلب فصار (يتامي)، ثمّ قلبت الكسرة فتحة للخفّة فصار (يتامي)، وقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصار (يتامى). وواضح أنّ نقله القول الثّاني بصيغة: «قيل» يوحي بتضعيفه. والقولان في جمع يتيم جمع كثرة، سواء على وزن (فعالى) أو (فعائل). أما القول الأخير فهو في القلّة، أي: جمع يتيم على وزن (أفعال).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩] قال: «أصحاب جمع صحاب، وصحاب جمع صحب، مثل ركاب وركب، ثمّ صحب جمع صاحب، ويحتمل أنّ الأصحاب جمع قلّة» (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة:١٢٨] قال: ﴿مَناسِكَنا:﴾ إمّا هي جمع (منسك) بالفتح، وهو المصدر، أو جمع (منسك) بالكسر، وهو موضع النّسك» (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ﴾ [البقرة:١٥٤] قال: ﴿أَمُوتُ:﴾ جمع مائت، كأصحاب جمع صاحب. وقيل: جمع مويت، كأشراف وشريف. و﴿أَحْياءٌ:﴾ جمع حيّ، وحيّ على وزن (فعيل) في الأصل» (٥).
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة:٢٣٩] قال عن (رجالا):
«جمع راجل، كتاجر وتجار وصاحب وصحاب»، ثمّ قال: ﴿أَوْ رُكْبانًا:﴾ جمع راكب، كفارس وفرسان» (٦).
_________________
(١) درج الدرر ٩٦.
(٢) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف ٢/ ٨٠٥ (مسألة ١١٦).
(٣) درج الدرر ١٤٠.
(٤) درج الدرر ١٥١.
(٥) درج الدرر ١٧٣.
(٦) درج الدرر ٢٤٨.
[ ١ / ٧٣ ]