(٣٢٨) للعلماء في تسمية (البقرة وآل عمران) بالزهراوين ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما النيرتان مأخوذ من الزهر والزهرة فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما أي من معانيهما وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة وهو القول الثاني.
الثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين» «﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] والتي في آل عمران ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]» أخرجه ابن ماجه أيضًا. والغمام السحاب الملتف، وهو الغياية إذا كانت قريبًا من الرأس وهي الظلة أيضًا والمعنى: أن قارئهما في ظل ثوابهما. [٤/ ٧]
(٣٢٩) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يعني: من حُسن وقُبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذكر عن إبراهيم بن أدهم: أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء فلا أتفرغ لرواية الحديث. فقيل له: وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها: أني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال: هؤلاء في الجنة
[ ١٧٤ ]
ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت. والثاني: حيث صُوِّرتُ في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام. يا رب شقي هو أم سعيد. فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت، والثالث: حين يقبض ملك الموت روحي، فيقول: يا رب مع الكفر أم مع الإيمان، فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع: حيث يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩] فلا أدري في أي الفريقين أكون. [٤/ ١٢]
(٣٣٠) من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة فقال جابر بن عبدالله وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: «المحكمات من آي القرآن ما عُرف تأويله وفُهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه».
قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.
قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. [٤/ ١٣].
(٣٣١) ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وأن ما بعده استئناف
[ ١٧٥ ]
كلام آخر وهو قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة. [٤/ ١٩]
(٣٣٢) فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فكيف لم يجعله كله واضحًا؟ قيل له: الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن يظهر فضل العلماء لأنه لو كان واضحًا لم يظهر فضل بعضهم على بعض، وهكذا يفعل من يصنف تصنيفًا يجعل بعضه واضحًا وبعضه مشكلًا ويترك للجثوة (^١) موضعًا لأن ما هان وجوده قل بهاؤه والله أعلم. [٤/ ٢٢].
(٣٣٣) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
أي: ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ قلوبنا.
وقيل: هو منقطع مما قبل وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت، وهي أهل الزيغ وفي الموطأ عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب؛ فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن، وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا …﴾ الآية [آل عمران: ٨] قال العلماء: قراءته بهذه
_________________
(١) الجماعة.
[ ١٧٦ ]
الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم وفي كل صلاة أيضًا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم، وروى الترمذي من حديث شهر بن حوشب قال قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك قالت: «كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»! فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: «يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ»، فتلا معاذ: «﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]». قال: «حديث حسن». [٤/ ٢٢ - ٢٣]
(٣٣٤) من قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣].
اختلف من المخاطب بها فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار. ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة وبكل احتمال منها قد قال قوم وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع. [٤/ ٢٧]
(٣٣٥) من قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤].
بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال
[ ١٧٧ ]
قال رسول الله ﷺ: «ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء» أخرجه البخاري ومسلم.
ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء ويقال: في النساء فتنتان وفي الأولاد فتنة واحدة فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. [٤/ ٣٠]
(٣٣٦) ومن أحسن ما قيل:
النار آخر دينار نطقت به … والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن كان ذا ورع … معذب القلب بين الهم والنار
[٤/ ٣٣]
(٣٣٧) في «سنن ابن ماجه» عن عروة البارقي يرفعه قال: «الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» … وفيه عن أم هانئ أن النبي ﷺ قال لها: «اتخذي غنمًا فإن فيها بركة». [٤/ ٣٦].
(٣٣٨) وفي حديث عبدالله: «احرثوا هذا القرآن» أي: فتشوه.
قال ابن الأعرابي: الحرث التفتيش. قال المحقق في الحاشية: «ورد عن ابن مسعود موقوفًا أخرجه الطبراني في الكبير ولفظه: «من أراد العلم فليثور بالقرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين». [٤/ ٣٧]
[ ١٧٨ ]
(٣٣٩) وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سِكةً -وهي الحديدة التي تحرث بها الأرض- وشيئًا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل» قيل: إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم: الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات وذلك لما خشي النبي ﷺ على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم. الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة ألا ترى أن عمر قال: تمعدووا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل فأمرهم بملازمة الخيل ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها. [٤/ ٣٨]
(٣٤٠) قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق- السواد والقرى- فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول فأما النساء والبنون ففتنة للجميع. [٤/ ٣٨]
[ ١٧٩ ]
(٣٤١) قال ﷺ: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء» أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن عفان. وسئل سهل بن عبدالله: بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: «بتشاغله بما أمر به». [٤/ ٣٩]
(٣٤٢) وقال لقمان لابنه: يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم. [٤/ ٤٣]
(٣٤٣) من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء وقال في شرف العلم لنبيه ﷺ: «وقل رب زدني علمًا» فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يسأل المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم، وقال ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء». [٤/ ٤٤]
(٣٤٤) من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
كرر لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم وقال جعفر الصادق: «الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم يعني قولوا: لا إله إلا الله العزيز الحكيم». [٤/ ٤٧]
[ ١٨٠ ]
(٣٤٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ٢١].
دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبًا في الأمم المتقدمة وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة … وليس من شرط الناهي أن يكون عدلًا عند أهل السنة خلافًا للمبتدعة حيث تقول لا يغيره إلا عدل وهذا ساقط فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس فإن تشبثوا بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣] ونحوه قيل لهم: إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى. [٤/ ٥٠ - ٥١]
(٣٤٦) أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك قال: والأحاديث عن النبي ﷺ في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا ولكنها مقيدة بالاستطاعة قال
[ ١٨١ ]
الحسن: إنما يُكَلَّمُ مؤمن يرجى أو جاهل يُعَلَّم فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال اتقني اتقني فما لك وله. وقال ابن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرًا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. [٤/ ٥١]
(٣٤٧) وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم وعالم على سبيل الهدى ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى. [٤/ ٥٣]
(٣٤٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣].
﴿وَنُوحًا﴾ … وهو شيخ المرسلين وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇ بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم. [٤/ ٦٤].
وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء بقضهم وقضيضهم من نسلهم. [٤/ ٦٥]
(٣٤٩) من قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥].
قيل: إن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد وكانوا أهل بيت من الله بمكان وأنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يزق فرخا أي: -يطعمه بمنقاره- فتحركت نفسها لذلك ودعت ربها أن يهب لها ولدًا
[ ١٨٢ ]
ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررًا أي عتيقًا خالصًا لله تعالى خادمًا للكنيسة حَبيسًا عليها مفرغا لعبادة الله تعالى وكان ذلك جائزًا في شريعتهم وكان على أولادهم أن يطيعوهم فلما وضعت مريم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، يعني: أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة قيل لما يصيبها من الحيض والأذى وقيل لا تصلح لمخالطة الرجال وكانت ترجو أن يكون ذكرًا فلذلك حررت. [٤/ ٦٨]
(٣٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦].
هو على قراءة من قرأ وضعتُ بضم التاء من جملة كلامها فالكلام متصل وهي قراءة أبي بكر وابن عامر وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى عليه شيء ولم تقله على طريق الإخبار؛ لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في نفس المؤمن وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور: ﴿وَضَعَتْ﴾ هو من كلام الله ﷿ قُدم وتقديره أن يكون مؤخرًا بعد ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦]، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قاله المهدوي. [٤/ ١٩]
(٣٥١) من قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨].
.. فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية
[ ١٨٣ ]
ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما أولاه وأخراه ألا ترى قول زكريا: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦] وقال: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، وقال: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، ودعا رسول الله ﷺ لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه» خرجه البخاري ومسلم وحسبك. [٤/ ٧٥]
(٣٥٢) قال قتادة: سمي بيحيى؛ لأن الله أحياه بالإيمان والنبوة، وقال بعضهم سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهدى. وقال مقاتل: «اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى وقيل لأنه أحيا به رحم أمه». [٤/ ٧٧]
(٣٥٣) من قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
يعني: عيسى في قول أكثر المفسرين وسمي عيسى كلمة؛ لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٤٧] فكان من غير أب- وقيل غير ذلك- والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. [٤/ ٧٧]
(٣٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩].
السيد: الذي يسود قومه ويُنتهى إلى قوله … ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدًا كما يجوز أن يسمى عزيزًا أو كريمًا وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال لبني قريظة: «قوموا إلى سيدكم» وفي البخاري ومسلم
[ ١٨٤ ]
أن النبي ﷺ قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» وكذلك كان. [٤/ ٧٧]
(٣٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩].
هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. وهذا أصح الأقوال لوجهين:
أحدهما: أنه مدح وثناء عليه والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب.
الثاني: أن فعولًا في اللغة من صيغ الفاعلية كما قال:
ضروب بنصل السيف سُوْقٌ سمانها … إذا عَدِمُوا زادًا فإنك عاقر
فالمعنى: أنه يحصر نفسه عن الشهوات. ولعل هذا كان شرعه. [٤/ ٧٩]
(٣٥٦) من قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].
الرمز في اللغة: الإيماء بالشفتين وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين وأصله الحركة وقيل طلب تلك الآية زيادة طمأنينة، المعنى تتم النعمة بأن تجعل لي آية وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة فقيل له: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ أي تمتنع عن الكلام ثلاث ليال … وفي هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنة وآكد الإشارات ما حكم به النبي ﷺ من أمر
[ ١٨٥ ]
السوداء حين قال لها: «أين الله؟»، فأشارت برأسها إلى السماء فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة»؛ فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجي به من النار وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة وهو قول عامة الفقهاء. [٤/ ٨١ - ٨٢] بتصرف
(٣٥٧) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].
قال محمد بن كعب القرظي: لو رُخِّصَ لأحدٍ في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله ﷿: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله ﷿: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥].
(٣٥٨) من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران: ٤٢]
كرر الاصطفاء؛ لأن معنى الأول الاصطفاء لعبادته ومعنى الثاني لولادة عيسى. [٤/ ٨٢]
(٣٥٩) وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدًا من النساء وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة فليس هذا لأحد من النساء ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [التحريم: ١٢]، ولم تسأل آية عندما
[ ١٨٦ ]
بُشرت كما سأل زكريا ﷺ الآية ولذلك سماها الله في تنزيله صديقة: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢]؛ فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقنوت.
وإنما بُشِّر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امرأته فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، فسأل آية وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [مريم: ٢١]، فاقتصرت على ذلك وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنه هذا الأمر ومن لامرأةٍ في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب؟! [٤/ ٨٥]
(٣٦٠) من قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة قال أبو عبيد: «وقد عمل بالقرعة، ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد ﷺ». قال ابن المنذر: «واستعمال القرعة كالإجماع من
[ ١٨٧ ]
أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء فلا معنى لقول من ردها، وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات (باب القرعة في المشكلات وقول الله ﷿: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]». [٤/ ٨٧ - ٨٨]
(٣٦١) وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها: أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه. [٤/ ٨٨]
(٣٦٢) من قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
واختلف في المسيح ابن مريم مماذا أخذ فقيل: لأنه مسح الأرض أي ذهب فيها فلم يستكن بكن. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء فكأنه سمي مسيحًا لذلك … وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة كانت الأنبياء تمسح به طيب الرائحة فإذا مسح به علم أنه نبي وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين. وقيل: لأن الجَمَال مَسَحَهُ أي أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه مُسح بالطهر من الذنوب.
وقال أبو الهيثم: «المسيح ضد المسيخ يقال: مسحه الله أي خلقه حسنا مباركًا ومسخه أي خلقه خلقًا ملعونًا قبيحًا».
وقال ابن الأعرابي: «المسيح الصديق والمسيخ الأعور وبه سمي الدجال».
[ ١٨٨ ]
وقال أبو عبيد: «المسيح أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى». [٤/ ٩٠]
(٣٦٣) من قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس. [٤/ ١٠١٠]
(٣٦٤) من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١].
هذه الآية من أعلام نبوة محمد ﷺ؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارًا فإن محمدًا نبي مرسل ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا كل عام ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك بدلًا من الإسلام. [٥/ ١٠٤١]
(٣٦٥) من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [آل عمران: ٦٥].
قال الزجاج: «هذه الآية أبين حجة على اليهود والنصارى إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما اسم لوِاحِدٍ من الأديان واسم الإسلام
[ ١٨٩ ]
في كل كتاب ويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى أيضًا ألف سنة ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [آل عمران: ٦٥] دحوض حجتكم وبطلان قولكم، والله أعلم». [٤/ ١٠٨]
(٣٦٦) من قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦].
في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له والحظر على من لا تحقيق عنده.
وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن فقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وروى عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود فقال رسول الله ﷺ: «هل لك من إبل؟»، قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟»، قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟»، قال: نعم. قال: «فمن أين ذلك؟»، قال: لعل عرقًا نزعه؛ فقال رسول الله ﷺ: «وهذا الغلام لعل عرقًا نزعه»، وهذا حقيقة الجدال، ونهاية تبيين الاستدلال من رسول الله ﷺ. [٤/ ١٠٨]
(٣٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافًا لمن ذهب
[ ١٩٠ ]
إلى ذلك لأن فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولًا فطريق العدالة والشهادة ليس يجزى فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة ألا ترى قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فكيف يُعَدَّل من يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا بغير حرج عليه ولو كان ذلك كافيًا في تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين. [٤/ ١١٦]
(٣٦٨) قال رجل لابن عباس: إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول: ليس علينا في ذلك بأس فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم. [٤/ ١١٧]
(٣٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الربانيون واحدهم رباني منسوب إلى الرب والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور روي معناه عن ابن عباس.
فمعنى الرباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم. [٤/ ١٢٠]
[ ١٩١ ]
(٣٧٠) من قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].
عن مجاهد عن ابن عباس قال: «إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسًا (^١)؛ فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إلى آخر الآية». [٤/ ١٢٥]
(٣٧١) من قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ [آل عمران: ٨٦].
يقال: ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالمًا لا يهديه الله وقد رأينا كثيرًا من المرتدين قد أسلموا وهداهم الله وكثيرًا من الظالمين تابوا عن الظلم قيل له معناه: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يقبلون على الإسلام فأما إذا أسلموا وتابوا فقد وفقهم الله لذلك والله تعالى أعلم. [٤/ ١٢٧]
(٣٧٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١].
وفي البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا
_________________
(١) أي جموح تمنع ظهورها.
[ ١٩٢ ]
أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك» لفظ البخاري. وقال مسلم بدل: «قد كنت؟ كذبت قد سئلت». [٤/ ١٢]
(٣٧٣) من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله فقال رسول الله ﷺ: «اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبي بن كعب»، وفي «الموطأ»: «وكانت أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب»، وذكر الحديث ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك ألا ترى أبا طلحة حين سمع ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] … الآية لم يحتج أن يقف حتى يَرِدَ البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك؛ فإنهم يحبون أشياء كثيرة، وكذلك فعل زيد بن حارثة: عمد مما يحب إلى فرس يقال له سبل وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه فجاء بها إلى النبي ﷺ فقال: هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد: اقبضه فكأن زيدًا وجد من ذلك في نفسه، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله قد قبلها منك» ذكره أسد بن موسى.
وأعتق ابن عمر نافعًا مولاه وكان أعطاه فيه عبدالله بن جعفر ألف دينار.
[ ١٩٣ ]
قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأول قول الله ﷿: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتح مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص فدعا بها عمر فأعجبته، فقال إن الله ﷿ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فأعتقها عمر ﵁. وروي عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خثيم قالت: كان إذا جاءه السائل يقول لي يا فلانة أعطي السائل سُكرًا فإن الربيع يحب السكر.
قال سفيان: يتأول قوله ﷿: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يشتري أعدالا من سكر ويتصدق بها فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها! فقال لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب. وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ولا تدركوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون.
وقال عطاء: «لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء تأملون العيش وتخشون الفقر». [٤/ ١٢٩ - ١٣٠].
(٣٧٤) من قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣].
قال ابن عباس: لما أصاب يعقوب ﵇ عرق النسا وصف الأطباء
[ ١٩٤ ]
له أن يجتنب لحوم الإبل فحرمها على نفسه فقالت اليهود: إنما نحرم على أنفسنا لحوم الإبل لأن يعقوب حرمها وأنزل الله تحريمها في التوراة فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٩٣]. قال الضحاك: فكذبهم الله ورد عليهم فقال: يا محمد ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]، فلم يأتوا فقال ﷿: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ [آل عمران: ٩٤]. قال الزجاج: في هذه الآية أعظم دلالة لنبوة محمد نبينا ﷺ أخبرهم أنه ليس في كتابهم وأمرهم أن يأتوا بالتوراة فأبوا؟ يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي. [٤/ ١٣٢]
(٣٧٥) ترجم ابن ماجه في «سننه»: «دواء عرق النسا» … أنه سمع أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء». وأخرجه الثعلبي في «تفسيره» أيضًا من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ في عرق النسا: «تؤخذ ألية كبش عربي لا صغير ولا كبير فتقطع صغارًا فتخرج إهالته فتقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ثلثا». قال أنس: «فوصفته لأكثر من مائة فبرأ بإذن الله تعالى». قال شعبة: «حدثني شيخ في زمن الحجاج بن يوسف في عرق النسا: أقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينك بنار أو لأحلقنك بموس قال شعبة: قد جربته تقوله: وتمسح على ذلك الموضع». [٤/ ١٣٣]
[ ١٩٥ ]
(٣٧٦) وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان ﵇ كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: «إن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة سأل الله ﷿ حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله ﷿ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله ﷿ حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه». [٤/ ١٣٤]
(٣٧٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
بكة: مشتقة من البك وهو الازدحام تباك القوم ازدحموا وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم والبك دق العنق وقيل سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم قال عبدالله بن الزبير: لم يقصدها جبار بسوء إلا وقصه الله ﷿، وأما مكة فقيل: إنها سميت بذلك لقلة مائها، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة من قولهم: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه. ومكَّ الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه وقيل سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه وتنقصه. [٤/ ١٣٥]
(٣٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
قال الحسن: «الحج المبرور هو أن يرجع زاهدًا في الدينار راغبًا في الآخرة».
[ ١٩٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام في قوله ولله لام الإيجاب والإلزام ثم أكده بقوله تعالى: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب فإذا قال العربي: «لفلان علي كذا»؛ فقد وكده وأوجبه فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيمًا لحرمته ولا خلاف في فريضته وهو أحد قواعد الإسلام وليس يجب إلا مرة في العمر، وقال بعض الناس: يجب في كل خمسة أعوام مرة ورووا في ذلك حديثًا أسندوه إلى النبي ﷺ والحديث باطل لا يصح، والإجماع صاد في وجوههم.
قلت: ذكر عبدالرزاق قال: حدثنا سفيان الثوري عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: يقول الرب جل وعز: «إن عبدًا أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم». مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي من أولاد المحدثين روى عنه غير واحد منهم من قال: في كل خمسة أعوام ومنهم من قال: عن العلاء بن يونس بن خباب عن أبي سعيد في غير ذلك من الاختلاف. قال المحقق في الحاشية: «الراجح وقفه». [٤/ ١٣٩]
(٣٧٩) من قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١].
وقال قتادة: في هذه الآية علمان بينان كتاب الله ونبي الله؟ فأما نبي
[ ١٩٧ ]
الله فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهرهم رحمة منه ونعمة فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. [٤/ ١٥٣]
(٣٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة ورحم الله ابن المبارك، حيث قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا … منه بعروته الوثقى لمن دانا
وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافًا إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون. [٤/ ١٥٦]
(٣٨١) من قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
أي: صرتم بنعمة الإسلام إخوانًا في الدين وكل ما في القرآن ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ معناه: صرتم كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]، أي: صار غائرًا.
والإخوان جمع أخ وسمي أخًا لأنه يتوخى مذهب أخيه أي: يقصده. [٤/ ١٦١].
[ ١٩٨ ]
(٣٨٢) من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
روي أن عمر بن عبدالعزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبدالله أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله ﷺ: «خير الناس قرني» بقوله: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله» قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين ويكثر فيه الفسق والهرج ويُذل المؤمن ويُعز الفاجر ويعود الدين غريبًا كما بدأ غريبًا ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر فيستوي حينئذٍ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية ومن تدبر آثار هذا الباب بان له الصواب والله يؤتي فضله من يشاء. [٤/ ١٧٠]
(٣٨٣) من قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١].
فالآية وعد من الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلا إيذاء بالبهت والتحريف وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. [٤/ ١٧١]
[ ١٩٩ ]
(٣٨٤) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].
والبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر وبطن فلان يبطن بطونا وبطانة إذا كان خاصًا به
قال الشاعر:
أولئك خلصاني نعم وبطانتي … وهم عيبتي من دون كل قريب
نهى الله ﷿ المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء أخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم … ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، يقول: فسادًا يعني لا يتركون الجهد في فسادكم يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة.
روي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميًا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية وقدم أبو موسى الأشعري على عمر ﵄ بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتابٌ فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد فقال لم! أجنب هو؟ قال: إنه نصراني؛ فانتهره عمر وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ولا تأمنهم وقد خونهم الله.
[ ٢٠٠ ]
وعن عمر ﵁ قال: لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر ﵁: إن ههنا رجلًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال لا آخذ بطانة من دون المؤمنين فلا يجوز استكتاب أهل الذمة ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.
قلت -القرطبي-: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة والأغبياء من الولاة والأمراء. [٤/ ١٧٥ - ١٧٦]
(٣٨٥) من قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨].
يعني: ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم … وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه فهم فوق المتستر الذي تبدوا البغضاء في عينيه. [٤/ ١٧٧]
(٣٨٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾: أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين ﴿وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم. [٤/ ١٨٠]
[ ٢٠١ ]
(٣٨٧) وفي هذه الغزاة -أي غزوة أحد- قُتل حمزة ﵁ عم رسول الله ﷺ قتله وحشي وكان وحشي مملوكًا لجبير بن مطعم.
وقال عبدالله بن رواحة يبكي حمزة ﵁:
بكت عيني وحق لها بُكاها … وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا … أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعًا … هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت … وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان … مخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبرًا … فكل فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم … بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عني لؤيًا … فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا … وقائعنا بها يشفى الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر … غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعًا … عليه الطير حائمة تجول
وعتبة وابنه خرا جميعًا … وشيبة عضه السيف الصقيل
ومتركنا أمية مجلعبًا … وفي حيزومه لدن نبيل
وهام بني ربيعة سائلوها … ففي أسيافنا منهم فلول
[ ٢٠٢ ]
ألا يا هند لا تبدي شماتًا … بحمزة إن عزكم ذليل
ألا يا هند فابكي لا تملي … فأنت الواله العبرى الهبول
[٤/ ١٨٤]
(٣٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢].
التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لابد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب؛ فإنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل فيه وبمشيئته ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم ثم المتوكلون على حالين:
الأول: حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر.
الثاني: حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحيانًا غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية والبراهين القطعية والأذواق الحالية فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين ويلحقه بدرجات العارفين. [٤/ ١٨٦]
[ ٢٠٣ ]
(٣٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
﴿أَذِلَّةٌ﴾: معناها قليلون وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلًا وكان عددهم -أي المشركون- ما بين التسعمائة إلى الألف و﴿أَذِلَّةٌ﴾ جمع ذليل. واسم الذل في هذا الموضع مستعار ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذلتهم وأنهم يُغلبون والنصر العون فنصرهم الله يوم بدر وقتل فيه صناديد المشركين وعلى ذلك اليوم ابتني الإسلام وكان أول قتال قاتله النبي ﷺ. [٤/ ١٨٦]
(٣٩٠) قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له: إن غزوات رسول الله ﷺ سبع وعشرون غزوة وسراياه ست وخمسون وفي رواية ست وأربعون والتي قاتل فيها رسول الله ﷺ بدر وأحد والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة والفتح وحنين والطائف قال ابن سعد: هذا الذي اجتمع لنا عليه وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي وادي القرى منصرفه من خيبر وفي الغابة. [٤/ ١٨٧].
(٣٩١) من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٤].
وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين، ولأن الله
[ ٢٠٤ ]
تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة، فكل عسكر صبر واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم.
وقال ابن عباس ومجاهد: «لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو مددًا».
وقال بعضهم: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت والأول أكثر قال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. [٤/ ١٩٠]
(٣٩٢) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠].
هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بين أثناء قصة أحد قال ابن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئًا مرويًا. قلت: قال مجاهد كانوا يبيعون البيع إلى أجل فإذا حل الأجل زادوا في الثمن على أن يؤخروا فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾. قلت: وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، والحرب يؤذن بالقتل فكأنه يقول إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم فأمرهم بترك الربا لأنه كان معمولًا به عندهم، والله أعلم. [٤/ ١٢٨]
[ ٢٠٥ ]
(٣٩٣) ذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ما يُنزع الإيمان من العبد عند الموت، ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئًا أسرع نزعًا للإيمان من ظلم العباد. [٤/ ١٩٩]
(٣٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
ونبه تعالى بالعرض على الطول لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض. قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأتقن من البطائن وتقول العرب بلاد عريضة وفلاة عريضة أي واسعة».
وقال الشاعر:
كأن بلاد الله وهي عريضة … على الخائف المطلوب كِفَّةُ حابل
والكفة: ما يصاد به الظباء يجعل كالطوق.
وقال قوم: الكلام جاء على مقطع العرب من الاستعارة فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السموات والأرض، كما تقول للرجل: هذا بحر ولشخص كبير من الحيوان هذا جبل ولم تقصد الآية تحديد العرض ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه.
[ ٢٠٦ ]
وعامة العلماء على أن الجنة مخلوقة موجودة لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وهو نص حديث الإسراء وغيره في الصحيحين وغيرهما. [٤/ ٢٠١]
(٣٩٥) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ هذا من صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه و﴿السَّرَّاءِ﴾ اليُسر و﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ العُسر. قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل. [٤/ ٢٠٢]
(٣٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
كظم الغيظ رده في الجوف يقال: كظم غيظه أي سكت عليه، ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه.
والغيظ أصل الغضب وكثيرًا ما يتلازمان لكن فُرقان ما بينهما أن الغيظ لا يظهر على الجوارح بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما ولا بد.
(٣٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشورى: ٣٧]، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث وذلك من
[ ٢٠٧ ]
أعظم العبادة وجهاد النفس؛ فقال ﷺ: «ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرًا من جرعة غيظ في الله».
قال العرجي:
وإذا غضبت فكن وقورًا كاظمًا … للغيظ تُبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفًا تصبر ساعة … يرضى بها عنك الإله وترفع
وقال عروة بن الزبير في العفو:
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا … حتى يُذَلُّو وإن عَزوا لأقوام
ويُشتموا فترى الألوان مشرقة … لا عفو ذل ولكن عفو إكرام
[٢/ ٢٠٤].
(٣٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].
قال سري السقطي: الإحسان أن تحسن وقت الإمكان فليس كل وقت يمكنك الإحسان.
قال الشاعر:
بادر بالخير إذا ما كنت مقتدرًا … فليس في كل وقت أنت مقتدر
وقال أبو العباس الجماني فأحسن:
ليس في كل ساعة وأوان … تتهيأ صنائع الإحسان
وإذا أمكنت فبادر إليها … حذرًا من تعذر الإمكان
[٤/ ٢٠٥]
[ ٢٠٨ ]
(٣٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر استغفارًا من رسول الله ﷺ وقال مكحول: ما رأيت أكثر استغفارًا من أبي هريرة وكان مكحول كثير الاستغفار.
قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان فأما من قال بلسانه: استغفر الله، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرته لاحقة بالكبائر وروي عن الحسن أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
قلت: هذا يقوله في زمانه فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع، والسبحة في يده زاعمًا أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. [٤/ ٢٠٧]
(٤٠٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥].
الإصرار: هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه ومنه صَرُّ الدنانير أي الربط عليها وقال قتادة: الإصرار: الثبوت على المعاصي.
قال سهل بن عبد الله: الجاهل ميت والناسي نائم والعاصي سكران
[ ٢٠٩ ]
والمصر هالك والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول أتوب غدًا وهذا دعوى النفس كيف يتوب غدًا وغدًا لا يملكه! وقال غير سهل: الإصرار: هو أن ينوي ألا يتوب فإذا نوى التوبة النصوح خرج عن الإصرار وقول سهل أحسن. [٤/ ٢٠٨]
(٤٠١) قال ﷺ: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه». أخرجاه في «الصحيحين».
قال بعضهم:
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف … بما جنى من الذنوب واقترف
وقال آخر:
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه … إن الجحود جحود الذنب ذنبان
[٤/ ٣١٠]
(٤٠٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] حجة واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: إن الإنسان يؤاخذ بما وطَّن عليه بضميره وعزم عليه بقلبه من المعصية.
قلت: وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وقال: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]، فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم … وفي البخاري «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا:
[ ٢١٠ ]
يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»؛ فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السلاح وَأَنصُّ من هذا ما خرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وصححه مرفوعًا: «إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل أعطاه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا؛ فهذا بأخبث المنازل ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا فهو الذي يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء»، وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهم الإنسان به وإن وطن عليه لا يؤاخذ به ولا حجة له في قوله ﷺ: «من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة» لأن معنى «فلم يعملها» فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا ومعنى «فإن عملها» أي: أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا والله أعلم. [٤/ ٢١١ - ٢١٢] بتصرف
(٤٠٣) من قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبيائه لأنه
[ ٢١١ ]
قال لموسى ﵇: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي. قال للمؤمنين: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. [٢/ ٢١٤]
(٤٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله ﷿ دينه ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون وقيل: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر، والدولة: الكرة
قال الشاعر:
فيوم لنا ويوم علينا … ويوم نُساء ويوم نُسر
[٤/ ٤١٢]
(٤٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
أي: يكرمكم بالشهادة أي ليقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم وقيل لهذا قيل شهيد.
وقيل: سمي شهيدًا؛ لأنه مشهود له بالجنة وقيل سمي شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة وهذا هو الصحيح. [٤/ ٢١٤ - ٢١٥]
[ ٢١٢ ]
(٤٠٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت النبي ﷺ: .. فظهرت عنده شجاعته وعلمه قال الناس: لم يمت رسول الله ﷺ واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح الحديث؛ كذا في البخاري. [٤/ ٢١٨]
(٤٠٧) لم أُخر دفن رسول الله ﷺ؟
الجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: ما ذكرناه من عدم اتفاقهم على موته.
الثاني: لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه قال قوم في البقيع وقال آخرون في المسجد وقال قوم: يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم حتى قال العالم الأكبر -أبو بكر الصديق ﵁ سمعته يقول: «ما دفن نبي إلا حيث يموت» ذكره ابن ماجه والموطأ وغيرهما.
الثالث: أنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت الحال واستقرت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر ثم بايعوه من الغد بيعة أخرى عن ملأ منهم ورضا؛ فكشف الله به الكربة من أهل الردة وقام به الدين
[ ٢١٣ ]
والحمد لله رب العالمين، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي ﷺ فنظروا في دفنه وغسلوه وكفنوه، والله أعلم. [٤/ ٢٢٠]
(٤٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥].
هذا حض على الجهاد وإعلام أن الموت لابد منه وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له لأن معنى ﴿مُؤَجَّلًا﴾ إلى أجل ومعنى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضاء الله وقدره. [٤/ ٢٢٢]
(٤٠٩) من قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
ومعنى الآية: تشجيع المؤمنين والأمر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير أو كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتد أممهم والربيون الجماعات الكثيرة. [٤/ ٢٢٥]
(٤١٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ يعني: الصغائر.
﴿وَإِسْرَافَنَا﴾ يعني: الكبائر. والإسراف: الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد، وفي «صحيح مسلم» عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري
[ ٢١٤ ]
وما أنت أعلم به مني …» وذكر الحديث، فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه ولا يقول أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار لنبيه ﷺ وأوليائه وعلمهم كيف يدعون. [٤/ ٢٢٦]
(٤١١) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ معناه تقتلونهم وتستأصلونهم.
قال الشاعر:
حسسناهم بالسيف حسًا فأصبحت فأصبحت … بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وأصله من الحِسّ الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حَسه أذهب حِسَّه بالقتل. [٤/ ٢٣٠]
(٤١٢) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم ﵃ ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهزام ثم بين سبب التنازع فقال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني الغنيمة.
قال ابن مسعود: «ما شعرنا أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد».
[ ٢١٥ ]
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وهم الذين ثبتوا في مركزهم ولم يخالفوا أمر نبيهم ﷺ مع أميرهم عبد الله بن جبير فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي ﵏ والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت فإن من ثبت فاز بالثواب وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون ولكن لا يكون ما حل بهم عقوبة بل هو سبب المثوبة والله أعلم. [٤/ ٢٣١]
(٤١٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه» ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعني المنافقين معتب بن قشير وأصحابه وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ويقولون الأقاويل ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي: من أمر الخروج وإنما خرجنا كرهًا يدل عليه قوله إخبارًا عنهم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. [٤/ ٢٣٦]
[ ٢١٦ ]
(٤١٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ استدعى زللهم بأن ذكرهم خطايا سلفت منهم فكرهوا الثبوت لئلا يُقتلوا وهو معنى ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، وقيل: استزلهم: حملهم على الزلل.
ثم قيل: كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة فإنما تولوا لهذا وهذا على القول الأول وعلى الثاني: بمعصيتهم النبي ﷺ في تركهم المركز وميلهم إلى الغنيمة وقال الحسن: ﴿مَا كَسَبُوا﴾ قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم.
وعلى الجملة فإن حُمِلَ الأمر على ذنب محقق فقد عفا الله عنه وإن حُمِلَ على انهزام مسوغ فالآية فيمن أبعد في الهزيمة وزاد على القدر المسوغ. [٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨] بتصرف
(٤١٥) من قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
يعني: ظنهم وقولهم: أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا ﴿حَسْرَةً﴾ أي: ندامة ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ والحسرة الاهتمام على فائت لم يُقدر بلوغه.
وقيل: لا تكونوا مثلهم ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ القول: ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل المعنى: لا تصدقوهم ولا تلتفتوا إليهم فكان ذلك حسرة في قلوبهم وقيل: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يوم القيامة لما هم
[ ٢١٧ ]
فيه من الخزي والندامة ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة. [٤/ ٢٤٠]
(٤١٦) من قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومعنى الآية: أنه ﵊ لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه.
والفظ: الغليظ الجافي. وغِلَظُ القلب: عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة.
ومن ذلك قول الشاعر:
يُبكى علينا ولا نبكي على أحد … لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل
والمعنى: يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم. [٤/ ٢٤١]
(٤١٧) من قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال العلماء: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بهذه الأوامر التي هي بتدريجٍ بليغ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم مَالَهُ في خاصته عليهم من تبعة.
فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضًا.
فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور. [٤٠/ ٢٤١]
(٤١٨) من قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
روي عن الحسن البصري والضحاك قالا: «ما أمر الله تعالى نبيه
[ ٢١٨ ]
بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده». [٤/ ٢٤٢]
(٤١٩) ولقد أحسن القائل:
شاور صديقك في الخفي المشكل … واقبل نصيحة ناصح متفضل
فالله قد أوصى بذاك نبيه … في قوله: شاورهم وتوكل
وجاء في «مصنف أبي داوود» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المستشار مؤتمن» قال العلماء: وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالمًا دينا وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. قال الحسن: ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه قاله الخطابي وغيره.
وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا وادًّا في المستشير قال:
وإن باب أمر عليك التوى … فشاور لبيبًا ولا تعصه
وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غاليًا وأنت تأخذه مجانًا وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة وهي أعظم النوازل شورى.
قال البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.
[ ٢١٩ ]
وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخش الله تعالى.
وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم.
والشورى مبنية على اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولًا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلًا عليه إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب وبهذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية. [٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤] بتصرف.
(٤٢٠) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه ﷺ إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم. والعزم: هو الأمر المُرَوَّى المنقح وليس ركوب الرأي دون تروية عزمًا إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب كما قال:
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه … ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه … ولم يرض إلا قاثم السيف صاحبا صاحبا
وقال ابن عطية: … الحزم: جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه والعزم قصد الإمضاء .. فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم. والعرب تقول قد أَحْزِمُ لو أَعْزِم. [٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥] بتصرف
[ ٢٢٠ ]
(٤٢١) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
أي: يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته معذبًا بحمله وثقله ومرعوبًا بصوته وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد … وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر في أن ينصب له لواء عند استه بقدر غدرته وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه ألا ترى إلى قول الشاعر:
أَسُمَيَّ ويحكِ هل سمعتِ بغدرة … رُفع اللواء لنا بها في المجمع
وكانت العرب ترفع للغادر لواء وكذلك يُطاف بالجاني مع جنايته. [٤/ ٢٤٩]
(٤٢٢) ومن الغلول حبس الكتب عن أصحابها ويدخل غيرها في معناها قال الزهري: «إياك وغلول الكتب فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها». [٤/ ٢٥٥]
(٤٢٣) من قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣].
فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة ثم المؤمنون يختلفون أيضًا فبعضهم أرفع درجة من بعض وكذلك الكفار والدرجة الرتبة ومنه الدرج لأنه يُطوى رتبة بعد رتبة والأشهر في منازل جهنم دركات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، فلمن لم يغل
[ ٢٢١ ]
درجات في الجنة ولمن غل دركات في النار. قال أبو عبيدة: «جهنم أدراك أي منازل يقال لكل منزل منها: دَرَك ودَرْك. والدرَك إلى أسفل والدرج إلى أعلى». [٤/ ٢٥٦]
(٤٢٤) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥].
﴿مُصِيبَةٌ﴾ أي: غلبة ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد أي فهزمتوهم يوم بدر ويوم أحد أيضًا في الابتداء وقتلتم فيه قريبًا من عشرين قتلتم منهم في يومين ونالوا منكم في يوم أحد ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، يعني: مخالفة الرماة. وما من قوم أطاعوا نبيهم في حرب إلا نُصروا لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون. [٤/ ٢٥٧] بتصرف
(٤٢٥) من قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧].
واختلف الناس في معنى قوله: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ فقال السدي وابن جريج وغيرهما. كثروا سوادنا وإن لم تقاتلوا معنا فيكون ذلك دفعًا وقمعًا للعدو فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو.
وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبدالله بن أم مكتوم الأعمى
[ ٢٢٢ ]
وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي وروي عنه أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله.
وقال أبو عون الأنصاري: معنى ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ رابطوا وهذا قريب من الأول ولا محالة أن المرابط مدافع لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو.
وذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ إنما هو استدعاء إلى القتال حمية لأنه استدعاهم إلى القتال في سبيل الله وهي أن تكون كلمة الله هي العليا فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة أي: أو قاتلوا دفاعًا عن الحوزة ألا ترى أن قُزمان قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم أحد لما رأى قريشًا قد أرسلت الظهر في زروع قناة أتُرعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ المعنى: إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دفعًا عن أنفسكم وحريمكم. [٤/ ٢٥٩]
(٤٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩].
روى بقي بن مخلد عن جابر قال لقيني رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر ما لي أراك منكسًا مهتمًا»، قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالًا
[ ٢٢٣ ]
وعليه دين، فقال: «ألا أبشرك بما لقي الله ﷿ به أباك؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: «إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحًا وما كلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي تمن أعطك، قال: يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﵎: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي»؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية» أخرجه ابن ماجه في «سننه»، والترمذي في «جامعه»، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٤/ ٢٦١]
(٤٢٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
أخبر الله تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم.
وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون وهذا هو الصحيح من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع. [٤/ ٢٦٢] بتصرف
(٤٢٨) يقال: ما مات فلان أي ذكره حي كما قيل
موت التقي حياة لا فناء لها … قد مات قوم وهم في الناس أحياء
[٤/ ٢٦٢]
[ ٢٢٤ ]
(٤٢٩) العدو إذا صبح قومًا في منزلهم ولم يعلموا به فقتل منهم فهل يكون حكمه حكم قتيل المعترك أو حكم سائر الموتى.
وهذه المسألة نزلت عندنا بقرطبة أعاذها الله.
أغار العدو -قصمه الله- صبيحة الثالث من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجرانهم على غفلة فقتل وأسر وكان من جملة من قُتل والدي ﵀ فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال: غسله وصل عليه فإن أباك لم يقتل في المعترك بين الصفين ثم سألت شيخنا ربيع بن عبدالرحمن بن أحمد بن ربيع بن أُبي فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسله وكفنه وصل عليه ففعلت ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في التبصرة لأبي الحسن اللخمي وغيرها. ولو كان ذلك قبل ذلك ما غسلته وكنت دفنته بدمه في ثيابه. [٤/ ٢٦٤]
(٤٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى إنه يكفر الذنوب كما قال ﷺ: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين كذلك قال لي جبريل ﵇ آنفًا».
قال علماؤنا: ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة
[ ٢٢٥ ]
بالذمم كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من التبعات فإن كل هذا أولى ألا يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنة الثابتة. [٤/ ٢٦٥]
(٤٣١) الدَّين الذي يُحبس به صاحبه عن الجنة -والله أعلم- هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوصِ به أو قدر على الأداء فلم يؤده أو ادّانه في سرف أو سفه ومات ولم يوفّه وأما من أدّان في حق واجب لِفَاقَةٍ وعُسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدي عنه دينه إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين أو من الفيء الراجع على المسلمين قال ﷺ: «من ترك دينًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالًا فلورثته». [٤/ ٢٦٧]
(٤٣٢) من قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤].
قال علماؤنا: لما فوضوا أمورهم إليه واعتمدوا بقلوبهم عليه أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة والفضل وصرف السوء واتباع الرضا فرضاهم عنه ورضي عنهم. [٤/ ٢٧٥]
(٤٣٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يُعَذَّب عليه قال الأستاذ أبو علي الدقاق: دخلت على أبي بكر بن فُورَك
[ ٢٢٦ ]
﵀ عائدًا فلما رآني دمعت عيناه فقلت له: إن الله يعافيك ويشفيك فقال لي: أترى أني أخاف الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت. [٤/ ٢٧٦].
(٤٣٤) روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له لأنه إن كان برًا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وإن كان فاجرًا فقد قال الله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]». [٤/ ٢٧٨].
(٤٣٥) من قوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١].
أي: ونكتب قتلهم الأنبياء أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم.
وَحَسَّنَ رجل عند الشعبي قتل عثمان ﵁ فقال له الشعبي: شَرِكْتَ في دمه فجعل الرضا بالقتل قتلًا ﵁.
قلت: وهذه مسألة عظمى حيث يكون الرضا بالمعصية معصية. [٤/ ٢٨٦]
(٤٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
أي: تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية والمتاع ما يتمتع به وينتفع كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه قاله أكثر المفسرين.
قال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له. وقال قتادة:
[ ٢٢٧ ]
هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع ولقد أحسن من قال:
هي الدار دار الأذى والقذى … ودار الفناء ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها … لمت ولم تقضِ منها الوطر
أيا من يؤمل طول الخلود … وطول الخلود عليه ضرر
إذا أنت شبت وبان الشباب … فلا خير في العيش بعد الكبر
والغَرور بفتح الغين الشيطان يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة.
قال ابن عرفة: الغُرُور ما رأيتَ له ظاهرًا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول والشيطان غَرور لأنه يعمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء، قال: ومن هذا بيع الغرر وهو ما كان له ظاهر بيعٍ يَغر وباطنٌ مجهول. [٤/ ٢٩٥].
(٤٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال الحسن وقتادة: «هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب فمن علم شيئًا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم؛ فإنه هلكة».
وقال محمد بن كعب: «لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا للجاهل أن يسكت على جهله. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه
[ ٢٢٨ ]
الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك قال حدثني. قلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يُعلموا. قال: فحدثني أربعين حديثًا». [٤/ ٢٩٧]
(٤٣٨) وفي «الصحيحين»: عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة وفيه: فقام رسول الله ﷺ فمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران وقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم صلى ثلاث عشرة ركعة. الحديث.
فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات، ثم إقباله على صلاته بعده وهذه السنة هي التي يعتمد عليها فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يومًا وليلة وشهرًا مفكرًا لا يفتر فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر ولا مستمرة على السنن. [٤/ ٣٠٦]
(٤٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
أي: أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم، وقال جعفر الصادق: من حزبه أمر؛ فقال: خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤوا إن شئتم ﴿الَّذِينَ
[ ٢٢٩ ]
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. [٤/ ٣٠٩]
(٤٤٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
في «الموطأ»: عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن: «هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه». رواه الحاكم أبو عبدالله في «صحيحه».
واحتج أبو سلمة بقوله ﵊: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط (ثلاثًا)». رواه مالك.
قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الرباط الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا
[ ٢٣٠ ]