الثاني: للصلاة.
وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال:
١ - التنفل بالليل. قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر الناس وهو الذي فيه المدح.
٢ - صلاة العشاء.
٣ - التنفل بين المغرب والعشاء.
٤ - صلاة الرجل العشاء والصبح في جماعة.
قلت: وهذا قول حسن وهو يجمع الأقوال بالمعنى وذلك أن منتظر العشاء إلى أن يصليها في صلاة وذكر لله جل وعز. [١٤/ ٩١]
(١٠٥١) من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
كان ﷺ لا يصلي على ميت عليه دَيْن، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» فهذا تفسير الولاية المذكورة بتفسير النبي ﷺ.
وقال ابن عطية: قال بعض العلماء العارفين: هو أولى بهم من أنفسهم، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله ﵊: «أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش» قلت: هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها. وقيل: أولى
[ ٤٩٦ ]
بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي ﷺ أولى، وقيل: أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم، أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه. [١٤/ ١١١]
(١٠٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠].
أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم … ويقال: إن الرئة تنفتح عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة والأظهر أنه أراد اضطراب القلب وضربانه، أي كأنه لشدة اضطرابه بلغ الحنجرة. [١٤/ ١٣٠]
(١٠٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩].
قال قتادة: معناه: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانًا ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: هذا قول حسن، لأن بعده: أشحة على الخير، وقيل المعنى: بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم، وقال القتبي: آذوكم بالكلام الشديد. [١٤/ ١٣٧]
(١٠٥٤) من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
الأسوة: القدوة، والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدى به في جميع
[ ٤٩٧ ]
أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شج وجهه وكسرت رباعيته وقُتل عمه حمزة وجاع بطنه، ولم يلف إلا صابرًا محتسبًا وشاكرًا راضيًا …
واختلف في هذه الأسوة بالرسول ﷺ هل هي على الإيجاب أم الاستحباب على قولين، ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، والاستحباب في أمور الدنيا. [١٣٨/ ١٤]
(١٠٥٥) من قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
قال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته. [١٤/ ١٥٦]
(١٠٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
أي لا تُلِنَّ القول، أمرهن الله أن يكون قولهن جزلًا، وكلامهن فصلًا ولا يكون على وجه يُظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه، مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا. [١٤/ ١٥٧]
(١٠٥٧) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
قال ابن عباس: أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في
[ ٤٩٨ ]
القول من غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام، وعلى الجملة: فالقول المعروف هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. [١٤/ ١٥٨]
(١٠٥٨) من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
روي أن عمارًا قال لعائشة ﵂: إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان ما زلت قوالًا بالحق، فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. [١٤/ ١٥٩]
(١٠٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
معنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يَرِدْ دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة. فأمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفًا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه من فعل الجاهلية الأولى. [١٤/ ١٥٩]
(١٠٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
حقيقة التبرج: إظهار ما سِتْره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه بَرَج، إذا كانت متفرقة. [١٤/ ١٥٩]
(١٠٦١) قال ابن العربي: لقد دخلت نيفًا على ألف قرية، فما رأيت نساءً أصون عيالًا ولا أعف نساءً من نساء نابلس التي رمي بها الخليل ﵇
[ ٤٩٩ ]
بالنار، فإني أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارًا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلأ المسجد منهن فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه. [١٤/ ١٦٠]
(١٠٦٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
اختلف أهل العلم في أهل البيت، من هم؟
والذي يظهر من الآية ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣] أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأن رسول الله ﷺ وعليًا وحسنًا وحسينًا كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام والله أعلم. [١٤/ ١٦٢]
(١٠٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
قال ابن العربي: في هذه الآية مسألة بديعة، وهي أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن وتعليم ما علمه من الدين، فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق، سقط عنه الفرض، وكان على من سمعه أن
[ ٥٠٠ ]
يبلغه إلى غيره، ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان عليه إذا عَلَّم أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم: نزل كذا ولا كان كذا، ولهذا قلنا يجوز العمل بخبر بُسرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر لأنها روت ما سمعت وبلغت ما وعت، ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال كما قال أبو حنيفة على أنه قد نُقل عن سعد بن أبي وقاص وعمر. [١٤/ ١٦٣]
(١٠٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الآية.
لفظ الذكر يحتمل ثلاثة معانٍ:
١ - اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت تُتْلى فيها آيات الله والحكمة.
٢ - اذكرن آيات الله واقدرن قدرها وفكرن فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى، ومن كان هذا حاله ينبغي أن تحسن أفعاله.
٣ - بمعنى: احفظن واقرأن وألزمنه الألسنة، فكأنه يقول: احفظن أوامر الله تعالى ونواهيه وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله فأمر الله ﷾ أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وما يرين من أفعال النبي ﷺ ويسمعن من أقواله حتى يُبلغن ذلك إلى الناس فيعملوا ويقتدوا. وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين. [١٤/ ١٦٣]
[ ٥٠١ ]
(١٠٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
لفظ ما كان، وما ينبغي، ونحوهما معناها الحظر والمنع، فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] وربما كان العلم بامتناعه شرعًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآية، وربما كان في المندوبات كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل ونحو هذا. [١٤/ ١٦٥]
(١٠٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله ﷺ فقد ضل، وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليون من أن صيغة: افعل للوجوب في أصل وضعها لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله ﷺ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية ثم علق على المعصية بذلك الضلال فلزم حمل الأمر على الوجوب والله أعلم. [١٤/ ١٦٦]
[ ٥٠٢ ]
(١٠٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
روي عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها فلما تشكى زيد للنبي ﷺ خُلق زينب وأنها لا تطيعه وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب والوصية: اتق الله وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأمره بالطلاق لِما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له بأن قال: (أمسك) مع علمه بأنه يُطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية أي في كل حال.
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي بكر ابن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. [١٤/ ١٦٨]
(١٠٦٨) فأما ما روي أن النبي ﷺ هَوِيَ زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المُجَّان لفظ عَشِقَ، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي
[ ٥٠٣ ]
ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته، وقال النحاس: قال بعض العلماء ليس هذا من النبي ﷺ خطيئة، ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه. وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس. [١٤/ ١٦٩]
(١٠٦٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وروى الإمام جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي ﷺ: (وطرًا زوجتكها).
ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق ولا شيء مما يكون شرطًا في حقوقنا ومشروعًا لنا، وهذا من خصوصياته ﷺ التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي ﷺ وتقول: «زوجكن آباؤكن وزوجني الله تعالى» أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ تقول: «إن الله ﷿ أنكحني من السماء». [١٤/ ١٧٠]
(١٠٧٠) قال الإمام السهيلي: كان يقال زيد بن محمد حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فقال: أنا زيد بن حارثة وحرم عليه أن يقول زيد بن محمد، فلما نُزع هذا الشرف وهذا الفخر وعلم الله وحشته من ذلك شَرَّفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدًا من أصحاب النبي ﷺ وهي أنه
[ ٥٠٤ ]
سماه في القرآن فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعني من زينب.
وَمَنْ ذَكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنًا يتلى في المحاريب نوه به غاية التنويه فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد ﷺ له ألا ترى إلى قول أُبي بن كعب ﵁ حين قال له النبي ﷺ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا فبكى وقال: أو ذُكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أُخبر أن الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنًا يتلى مخلدًا لا يبيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرأووا القرآن وأهل الجنة كذلك أبدًا لا يزال على ألسنة المؤمنين كما لم يزل مذكورًا على الخصوص عند رب العالمين». [١٤/ ١٧١]
(١٠٧١) قال الشعبي: كانت زينب تقول لرسول الله ﷺ: «إني لأَدِلُّ عليكَ بثلاث، ما من نساءك امرأة تَدِلُّ بهن، إن جَدي وجدَّك واحد، وإن الله أنكحك إياي من السماء، وإن السفير في ذلك جبريل». [١٤/ ١٧٢]
(١٠٧٢) في كلام بعضهم: ثلاثة تُضْني: رسول بطيء وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر لها من يجيء. [١٤/ ١٧٨]
(١٠٧٣) لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء وهو من آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإيتان. [١٤/ ١٨٠]
[ ٥٠٥ ]
تعقيب: في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] المراد بالنكاح الوطء، وهذا هو الموضع الوحيد الذي يراد بالنكاح فيه الوطء وهو عدم جواز رجوع البائن من الأول حتى تنكح آخر ويطأها ويطلقها.
(١٠٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ذكر الله ﵎ العم فردًا، والعمات جمعًا، وكذلك قال: ﴿خَالِكَ﴾ ﴿خَالَاتِكَ﴾ والحكمة في ذلك أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة، وهذا عرف لغوي فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال وهذا دقيق فتأملوه. قاله ابن العربي. [١٤/ ١٨٤]
(١٠٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
روي عن ابن عباس أنه قال: لم تكن عند رسول الله ﷺ امرأة إلا بعقد نكاح أو مِلك يمين، فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد. وقال قوم: كانت عنده موهوبة. قلت: والذي في الصحيحين يقوي هذا القول ويعضده، روى مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، وأقول: أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فقلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» وروى البخاري عن عائشة أنها قالت:
[ ٥٠٦ ]
كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ فدل هذا على أنهن كن غير واحدة. والله تعالى أعلم.
(١٠٧٦) من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
يدل على أن الكافرة لا تحل له، قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه، قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر، فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو ﷺ لجلالته على المؤمنات، وإذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحرى ألا تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر. [١٤/ ١٨٦]
(١٠٧٧) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال، أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية، وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه وأتم لعصمته. [١٤/ ٢٠٢]
(١٠٧٨) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قال ابن العربي: من هذه الروايات - أي في صفة الصلاة عليه
[ ٥٠٧ ]
ﷺ صحيح، ومنها سقيم، وأصحها ما رواه مالك فاعتمدوه عن أبي مسعود الأنصاري: «أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم».
ورواية غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى، وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع دينارًا معيبًا وإنما يختارون السالم الطيب، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي ﷺ إلا ما صح عن النبي ﷺ سنده؛ لئلا يدخل في حيز الكذب على رسول الله ﷺ، فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين. [١٤/ ٢٠٨].
(١٠٧٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨].
أطلق إيذاء الله ورسوله ﷺ، وقيّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛
[ ٥٠٨ ]