محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جوادّ وعن يساره جوادّ وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ثم قرأ ابن مسعود أن ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية» وقال عبد الله بن مسعود: «تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق» أخرجه الدارمي. [٧/ ١٢٤]
(٥٨٤) من قوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [الأعراف: ٤].
﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا ومنه البيت لأنه يبات فيه يقال بات يبيت بيتًا وبياتًا ﴿قَائِلُونَ (٤)﴾ من القائلة وهي القيلولة وهي نوم نصف النهار وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم والمعنى: جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلًا أو نهارًا. [٧/ ٤٦]
(٥٨٥) من قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله ﷿ للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الإسراء: ٦١]، وهذا بيّن. [٧/ ١٥٢]
(٥٨٦) من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢].
قالت الحكماء: أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين وإن كانا
[ ٢٩٧ ]
في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة:
أحدها: أن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة والحلم والحياء وذلك هو الداعي لآدم ﵇ بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع والاضطراب وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء قاله القفال.
الثاني: أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارًا وأن في النار ترابًا.
الثالث: أن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لأعدائه وليس التراب سببًا للعذاب.
الرابع: أن الطين مستغن عن النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. [٧/ ١٥٣]
(٥٨٧) من قوله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٣].
أي من الأذلين ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل. [٧/ ١٥٥]
(٥٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠].
في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال وقد سئل ابن
[ ٢٩٨ ]
عباس: «أي الصدقة أفضل؟ فقال: «الماء ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]» وروى أبو داود أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: «الماء»، وفي رواية: «فحفر بئرًا فقال هذه لأم سعد». وعن أنس قال: «قال سعد يا رسول الله إن أم سعد كانت تحب الصدقة أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء». وفي رواية أن النبي ﷺ أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء. فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب فكيف بمن سقى رجلًا مؤمنًا موحدًا وأحياه. [٧/ ١٩٢]
(٥٨٩) من قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٣]
أي فلم ينتفعوا بها وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها وقيل خسروا النعم وحظ أنفسهم منها. [٧/ ١٩٥]
(٥٩٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤].
ذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ولتظهر قدرته للملائكة شيئًا بعد شيء وهذا عند من يقول خلق الملائكة قبل خلق
[ ٢٩٩ ]
السموات والأرض وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلًا وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب لأن لكل شي عنده أجلًا. [٧/ ١٩٥]
(٥٩١) من قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
الاعتداء في الدعاء على وجوه منها الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو هذا من الشطط ومنها أن يدعو طالبًا معصية وغير ذلك ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله ﵇ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء. [٧/ ٢٠٢]
(٥٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨].
قيل: معناه التشبيه: شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب والبليد بالذي خبث وقيل: هذا مثل للقلوب فقلب يقبل الوعظ والذكرى وقلب فاسق ينبو عن ذلك وقال قتادة: مثل للمؤمن يعمل محتسبًا متطوعًا والمنافق غير محتسب.
قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء».
قال مجاهد: يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث. [٧/ ٢٠٦] بتصرف
[ ٣٠٠ ]
(٥٩٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥].
﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثروا عن ابن عباس وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم.
وعفا: من الأضداد. عفا: كثر، وعفا: درس.
أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا. [٧/ ٢٢٥]
(٥٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
قال علماؤنا: دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا وحكم به للأمم وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات … وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العبّاد وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله وترقب المنية ولقاء الله ففيه إعذار بعد إعذار، الأول بالنبي ﵇ والثاني بالشيب وذلك عند كمال الأربعين قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر ﷿ أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها قال مالك: أدركت أهل العلم
[ ٣٠١ ]
ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.
ودلت الآية أيضًا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ لأن الليالي أوائل الشهور وبها كانت الصحابة ﵃ تخبر عن الأيام حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمسًا مع رسول الله ﷺ والعجم تخالف في ذلك فتحسب بالأيام لأن معولها على الشمس قال ابن العربي: وحساب الشمس للمنافع وحساب القمر للمناسك ولهذا قال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. [٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥] بتصرف
(٥٩٥) من قوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤].
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ إشارة إلى القناعة أي اقنع بما أعطيتك ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ أي: من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك يقال دابة شكور إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعطى من العلف والشاكر معرض للمزيد كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. [٧/ ٢٤٨]
(٥٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
ومعنى ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيين
[ ٣٠٢ ]
الحلال والحرام وقيل هو لفظ يذكر تفخيمًا ولا يراد به التعميم تقول دخلت السوق فاشتريت كل شيء وعند فلان كل شيء ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقد تقدم.
﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] أي لكل شيء أمروا به من الأحكام فإنه لم يكن عندهم اجتهاد وإنما خص بذلك أمة محمد ﷺ. [٧/ ٢٤٩]
(٥٩٧) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
أي: لا تُسرهم. والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا وهي محرمة نُهي عنها، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ منها ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء» أخرجه البخاري وغيره.
وقال الشاعر:
إذا ما الدهر جر على أناس … كلا كله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشامتون كما لقينا
[٧/ ٢٥٧]
(٥٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
أي: بلحيته وذؤابته … وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربعة تأويلات: -ونذكر الأول منها فقط- الأول: أن ذلك كان متعارفًا عندهم كما
[ ٣٠٣ ]
كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكرامًا وتعظيمًا فلم يكن ذلك على طريق الإذلال. [٧/ ٢٥٥].
(٥٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
عموم أي لا نهاية لها أي من دخل فيها لم تعجز عنه وقيل: وسعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.
قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون. فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية فخرجت الآية عن العموم والحمد لله روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كتبها الله ﷿ لهذه الأمة. [٧/ ٢٦١]
(٦٠٠) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥].
قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق وهو الظاهر من الضمائر في الآية.
فرقة عصت وصادت وكانوا نحوًا من سبعين ألفًا.
وفرقة نهت واعتزلت وكانوا اثني عشر ألفًا.
[ ٣٠٤ ]
وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون قومًا -تريد العاصية- الله مهلكهم أو معذبهم -على غلبة الظن- وما عُهد من فعل الله حينئذٍ بالأمم العاصية فقالت الناهية. موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون بالكاف.
ثم اختلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي قاله ابن عباس وقال أيضًا: ما أدري ما فعل بهم وهو الظاهر من الآية. وقال عكرمة: قلت لابن عباس لما قال: ما أدري ما فعل بهم. ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لم تعظون قومًا الله مهلكهم فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة. وهذا مذهب الحسن ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ …﴾ الآية [البقرة: ٦٥]. [٧/ ٢٧٠]
(٦٠١) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
قرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ بالتخفيف من أمسك يمسك والقراءة الأولى (بالتشديد) أولى لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يُمدحون فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك. [٧/ ٢٧٥]
[ ٣٠٥ ]
(٦٠٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
قال الطرطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيرًا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول وهذا القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة وهو الصحيح في الباب وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار والصحيح ما ذكرناه. [٧/ ٢٧٨]
(٦٠٣) من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
أي: اطلبوا منه بأسمائه فَيُطْلَبُ بكل اسم ما يليق به تقول: يا رحيم ارحمني يا حكيم احكم لي يا رازق ارزقني يا هادي اهدني يا فتاح افتح لي يا تواب تب علي وهكذا فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني يا عزيز احكم لي يا لطيف ارزقني وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت يا الله فهو متضمن لكل اسم ولا تقول: يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير قال ابن العربي وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين. [٧/ ٢٨٧]
(٦٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢].
الاستدراج: الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة والدَرْجُ لف الشيء. قال
[ ٣٠٦ ]
الضحاك كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة وقيل لذي النون: ما أقصى ما يُخْدَعُ به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات لذلك قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢] نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر وأنشدوا:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر
[٧/ ٢٨٩]
(٦٠٥) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لم يحل الله النظر إلا على صورة لا ميل للنفس إليها ولاحظ للهوى فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة ولا يقارنها لذة ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيًا ولا إمامًا ولا مؤذنًا كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة فمن قال: أنا أجد من الصور المستحسنة عبرًا كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين. [٧/ ٢٩٢]
(٦٠٦) وقال بعض الحكماء: كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقًا إلى كونه خلقًا سويًا يعان
[ ٣٠٧ ]
بالأغذية ويربى بالرفق ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى ويبلغ الأشد وإذا هو قد قال: أنا وأنا ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا وسيعود مقبورًا فيا ويحه إنه كان محسورًا.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] إلى قوله: ﴿تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] فينظر أنه عبد مربوب مكلف مُخَوفٌ بالعذاب إن قَصَّر مرتجيًا بالثواب إن ائتمر فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه ولا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ولا يتكبر على أحد من عباد الله فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار.
وقال ابن العربي: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكيمة التي جمعت هذه الأوصاف العلميه:
كيف يزهو من رجيعُه … أبد الدهر ضجيعُه
فهو منه وإليه … وأخوه ورضيعه
وهو يدعوه إلى الحُشِّ … بِصُغْرٍ فَيُطِيعُه
[٧/ ٢٩٢]
(٦٠٧) من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
معطوف على ما قبله ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:
[ ٣٠٨ ]
١٨٥]- أي وفيما خلق الله من الأشياء ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت. [٧/ ٢٩٣]
(٦٠٨) من قوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
خفي علمها على أهل السموات والأرض وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد وقيل: كبر مجيئها على أهل السموات والأرض. وقيل: عظم وصفها على أهل السموات والأرض وقيل: لا تطيقها السموات والأرض لعظمها لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب وقيل: ثقلت المسألة عنها. [٧/ ٢٩٤] بتصرف
(٦٠٩) من قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حَملٌ بالفتح وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حِمل بالكسر. [٧/ ٢٩٥].
(٦١٠) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وقال قوم إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم ﵇ وهو الذي يعول عليه فقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني الذكر والأنثى الكافرين ويعني به الجنسان ودل على هذا ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: ١٩٠] ولم يقل يشركان وهذا قول حسن …
ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض روى ابن القاسم
[ ٣٠٩ ]
ويحيى عن مالك قال: أول الحمل يُسر وسرور وآخره مرض من الأمراض وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وهذه الحالة مشاهدة في الحُمّال ولأجل عِظم الأمر وشِدة الخطب جُعل موتها شهادة كما ورد في الحديث. [٧/ ٢٩٧]
(٦١١) وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل فقال ابن القاسم: حكمه حكم الصحيح وقال ابن وهب وأشهب حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر قال القاضي أبو محمد: وقولهما أقيس لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل قال ابن العربي: وابن القاسم لم يركب البحر ولا رأى دودًا على عود ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل، والتفويض، فليركب البحر. [٧/ ٢٩٩]
(٦١٢) من قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم
[ ٣١٠ ]
والإعراض عن أهل الظلم والتنزه عن منازعة السفهاء ومساواة الأغبياء وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. [٧/ ٣٠١]
(٦١٣) من قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط وقد جمعها رسول الله ﷺ لجابر بن سليم، قال جابر بن سليم أبو جري: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة، فطلبت رسول الله ﷺ فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله ﷺ فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام»، فقلت: إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال: «ادن -ثلاثًا-»، فدنوت فقال: «أعد علي فأعدت عليه»، فقال: «اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئًا، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإن الله جاعل لك أجرًا وعليه وزرًا ولا تسبن شيئًا مما خولك الله تعالى»، قال أبو جري: «فوالذي نفسي بيده ما سببت بعده شاة ولا بعيرًا». [٧/ ٣٠١]
(٦١٤)
مكارم الأخلاق في ثلاثة … من كملت فيه فذلك الفتى
إعطاء من تحرمه ووصل من … تقطعه والعفو عمن اعتدى
[ ٣١١ ]
وقال الشاعر:
كل الأمور تزول عنك وتنقضي … إلا الثناء فإنه لك باقي
ولو أنني خيرت كل فضيلة … ما اخترت غير مكارم الأخلاق
[٧/ ٣٠٢]
(٦١٥) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
النَّغْزُ والنزغ والهمز والوسوسة سواء وأصل النزغ الفساد يقال نزغ أي: أفسد. ومنه قوله تعالى: ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] أي أفسد وقيل النزغ الإغواء والإغراء والمعنى متقارب. [٧/ ٣٠٥].
(٦١٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١].
المعنى: إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله ﷿ وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية. [٧/ ٣٠٦].
(٦١٧) قال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي فأعجبني سمته وحسن روائه فأثار مني الحسد ما يجنه صدري لأبيه من البغض فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال: نعم فبالغت في شتمه وشتم أبيه فنظر إليّ نظرة عاطف رؤوف ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] فقرأ إلى قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] ثم قال:
[ ٣١٢ ]