(٥٤١) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩].
قال الماوردي: فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان أحدهما: أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد ليكون ذلك نوعًا من العقوبة لهم. [٦/ ٣٣٥]
(٥٤٢) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره والتفويض لحكمه ولو قال فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه وذلك مستحيل فالتقدير إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك وإن تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء. [٦/ ٣٤٩]
(٥٤٣) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦].
والقرن: الأمة من الناس والجمع القرون قال الشاعر:
إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم … وخلفت في قرن فأنت غريب
فالقرن: كل عَالَم في عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن بعضهم
[ ٢٨٠ ]
إلى بعض وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني -يعني أصحابي- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» هذا أصح ما قيل فيه. وقيل المعنى: من أهل قرن فحذف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فالقرن على هذا مدة من الزمان قيل ستون عامًا وقيل سبعون وقيل ثمانون وقيل: مائة وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة واحتجوا بأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن بسر: «تعيش قرنًا»، فعاش مائة سنة ذكره النحاس. وأصل القرن الشيء الطالع كَقَرِنِ مَالَهُ قَرْن من الحيوان. [٦/ ٣٦٠]
(٥٤٤) من قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
أي: قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين المستسخرين المكذبين: سافروا في الأرض فانظروا واستخبروا لتعرفوا ما حل بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب وهذا السفر مندوب إليه إذا كان على سبيل الاعتبار بآثار من خلا من الأمم وأهل الديار والعاقبة آخر الأمر والمكذبون هنا من كذّب الحق وأهله لا من كذّب بالباطل. [٧/ ٣٦٣]
(٥٤٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣].
﴿سَكَنَ﴾: معناه هدأ واستقر والمراد ما سكن وما تحرك فحذف لعلم السامع. وقيل: خص الساكن بالذكر؛ لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة وقيل المعنى: ما خلق فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها فإنه
[ ٢٨١ ]
يجري عليه الليل والنهار وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال. [٦/ ٣٦٥]
(٥٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧].
روى ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فقال لي: «يا غلام -أو يا بني- ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى فقال: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه واعمل لله بالشكر واليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا» أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب الفصل والوصل وهو حديث صحيح وقد خرجه الترمذي وهذا أتم. [٦/ ٣٦٦]
(٥٤٧) من قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ أي والقرآن شاهد بنبوتي ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يا أهل مكة ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي ومن بلغه القرآن فحذف الهاء لطول الكلام وقيل: ومن بلغ الحلم ودل هذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد وتبليغ
[ ٢٨٢ ]
القرآن والسنة مأمور بهما كما أمر النبي ﷺ بتبليغهما فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وفي «صحيح البخاري» عن عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». [٦/ ٣٦٧]
(٥٤٨) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق وارتفعت الدواعي ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. [٧/ ٣٦٩].
(٥٤٩) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥].
مجادلتهم قولهم: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله عن ابن عباس. [٦/ ٣٧١]
(٥٥٠) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١].
وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ولكنه يدل على كثرة التحسر ومثله يا للعجب ويا للرخا وليسا بمنادين في الحقيقة ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء قال سيبويه: كأنه قال: يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك؛ وكذلك قولك: يا حسرتي أي يا حسرتا تعالي فهذا وقتك
[ ٢٨٣ ]
وكذلك ما لا يصح نداؤه يجري هذا المجرى فهذا أبلغ من قولك تعجبت ومنه قول الشاعر:
فيا عجبًا من رحلها المتحمل
وقيل: هو تنبيه للناس على عظيم ما يحمل بهم من الحسرة أي يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة فوقع النداء على غير المنادى حقيقة كقولك: لا أرينك هاهنا فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة. [٦/ ٣٧٨].
(٥٥١) من قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢].
أي: لقصر مدتها كما قال أحدهم:
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم … وما خير عيش لا يكون بدائم
تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة … فأفنيتها هل أنت إلا كحالم
وقال آخر:
فاعمل على مهل فإنك ميت … واكدح لنفسك أيها الإنسان
فكأنَّ ما قد كان لم يك إذ مضى … وكأن ما هو كائن قد كانا
وقيل: المعنى: متاع الحياة الدنيا لعب ولهو أي الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له فهو بمنزلة اللعب واللهو، ونظر سليمان بن عبدالملك في المرآة فقال: أنا الملك الشاب فقالت له جارية له:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب … كان في الناس غير أنك فاني
[٦/ ٣٧٩]
[ ٢٨٤ ]
(٥٥٢) ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة فإن حقيقة اللعب مالا ينتفع به واللهو ما يلتهى به وما كان مرادًا للآخرة خارج عنهما، وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب ﵁ فقال علي: الدنيا دار صِدق لمن صَدَقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها وقال محمود الوراق:
لا تُتْبِعِ الدنيا وأيامها … ذمًا وإن دارت بك الدائرة
مِنْ شرف الدنيا ومِنْ فضلها … أنَّ بها تستدرك الآخرة
[٦/ ٣٨٠]
(٥٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
قال سفيان بن عيينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو كالأسد ومنهم يشره كالخنزير ومنهم من يعوي كالكلب ومنهم من يزهو كالطاووس فهذا معنى المماثلة واستحسن الخطابي هذا وقال: فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك. [٦/ ٣٨٤]
(٥٥٤) من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
أي: في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث وقيل: أي: في القرآن أي ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن إما دلالة مبينة شروحه وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊ أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
[ ٢٨٥ ]
الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلًا وإما تأصيلًا وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. [٦/ ٣٨٥]
(٥٥٥) من قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢]
ومعنى ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ بالمصائب في الأموال ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ في الأبدان وهذا قول الأكثر وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. [٦/ ٣٨٨]
(٥٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خيرٌ له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه. [٦/ ٣٩٠]
(٥٥٧) من قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢].
وخص الغداة والعشي بالذكر لأن الشغل غالب فيهما على الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلًا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. [٦/ ٣٩٥]
[ ٢٨٦ ]
(٥٥٨) من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢].
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم أي جزاؤهم ورزقهم على الله وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره.
﴿مِنْ﴾ الأولى للتبعيض والثانية زائدة للتوكيد وكذا ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل فإن فعلت كنت ظالمًا. وحاشاه من وقوع ذلك منه وإنما هذا بيان للأحكام ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام وهذا مثل قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله. [٦/ ٣٩٦]
(٥٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨].
ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يُعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه. [٧/ ١٥]
(٥٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: ٦٨].
واختلفوا بعد جواز النسيان عليه -أي النبي ﷺ هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا؟ فذهب إلى الأول فيما
[ ٢٨٧ ]
ذكره القاضي عياض- عامة العلماء والأئمة النظار كما هو ظاهر القرآن والأحاديث لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء. [٧/ ١٧]
(٥٦١) من قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠].
وجاء اللعب مقدمًا في أربعة مواضع وقد نظمت:
إذا أتى لعب ولهو … وكم من موضع هو في القرآن
فحرف في الحديد وفي القتال … وفي الأنعام منها موضعان
[٧/ ١٨]
(٥٦٢) يقال إنه لم يدرك النبي ﷺ أربعة ولاءً أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبدالرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبدالرحمن، والله أعلم. [٧/ ٢١].
(٥٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: منفردين كما خلقتم. وقيل: عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلًا بهما ليس معهم شيء. وقال العلماء: يحشر العبد غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم وُلد؛ فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه وهذا معنى قوله: غرلا أي غير مختونين أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان. [٧/ ٤٠].
[ ٢٨٨ ]
(٥٦٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥].
عَدَّ من عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شيء منه آلهتهم. والفلق: الشق؛ أي يشق النواة الميتة فيخرج منها ورقًا أخضر وكذلك الحبة ويخرج من الورق الأخضر نواة ميتة وحبة وهذا معنى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي عن الحسن وقتادة. وقال ابن عباس والضحاك معنى فالق: خالق وقال مجاهد: عنى بالفلق الشق الذي في الحب وفي النوى والنوى جمع نواة ويجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ. [٧/ ٤١].
(٥٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦].
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانًا اقض عني الدين واغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك». [٧/ ٤٢]
(٥٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨].
وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم والمستودع ما كان في الصلب … قال سعيد بن جبير قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا. فقال: إن الله ﷿ يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه. [٧/ ٤٤].
[ ٢٨٩ ]
(٥٦٧) من قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩].
﴿وَيَنْعِهِ﴾ … والمعنى ونضجه ينع وأينع إذا نضج وأدرك ..
قلت: وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المعلى بن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا طلعت الثريا صباحًا رفعت العاهة عن أهل البلد» والثريا النجم لا خلاف في ذلك وطلوعها لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار وهو شهر مايه.
وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. [٧/ ٤٧]
(٥٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٠].
﴿وَخَرَقُوا﴾ قراءة نافع بالتشديد على التكثير لأن المشركين ادعوا أن لله بنات وهم الملائكة وسموهم جِنّا لاجتنناهم والنصارى ادعت المسيح ابن الله واليهود قالت عزير ابن الله فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى تعالى الله عما يقولون.
وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل وسئل الحسن البصري عن معنى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ بالتشديد فقال: إنما هو ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتخفيف كلمة عربية كان
[ ٢٩٠ ]
الرجل إذا كذب في النادي قيل خرقها ورب الكعبة. وقال أهل اللغة: معنى: خرقوا اختلقوا وافتعلوا ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتشديد على التكثير. قال مجاهد وقتادة وابن زيد وابن جريج: خرقوا: كذبوا. ويقال إن معنى خرق واخترق واختلق سواء أي أحدث. [٧/ ٤٩]
(٥٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر في مَنعة وخِيف أن يسب الإسلام أو النبي ﵇ أو الله ﷿ فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب ﴿الَّذِينَ﴾ على معتقد الكفرة فيها. [٧/ ٥٦]
(٥٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
.. وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر هل تعوذت من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم هم شر من شياطين الجن» وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا. [٧/ ٦١]
[ ٢٩١ ]
(٥٧١) من قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
الحَكَم أبلغ من الحاكم إذ لا يستحق التسمية بِحَكَم إلا من يحكم بالحق لأنها صفة تعظيم في مدح والحاكم صفة جارية على الفعل فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق. [٧/ ٦٣]
(٥٧٢) من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].
للعلماء فيه أقول كثيرة … وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملًا بالبدن مما نهى الله عنه وباطنه ما عُقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى وهي المرتبة لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. [٧/ ٦٦]
(٥٧٣) لبعض شعراء البصرة:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله لأهله … فأجسامهم قبل القبور قبور
وإنَّ امرأً لم يحي بالعلم ميت … فليس له حتى النشور نشور
[٧/ ٧٠]
(٥٧٤) من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
أي: يوسعه له ويوفقه ويزين عنده ثوابه ويقال: شرح شق وأصله التوسعة وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك وشرحت الأمر بينته وأوضحته. [٧/ ٧٢]
[ ٢٩٢ ]
(٥٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمر بإغواء الجن إياهم وقيل: كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر وفي التنزيل: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] فهذا استمتاع الإنس بالجن وأما استمتاع الجن فما كانوا يُلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون، ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين. [٧/ ٧٥]
(٥٧٦) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].
المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدًا ومعنى ﴿نُوَلِّي﴾ على هذا نجعل وليًا.
قال ابن زيد: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس، وعنه أيضًا: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله، وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظُلمه سلط الله عليه ظالمًا آخر ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو
[ ٢٩٣ ]
يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبًا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم. [٧/ ٧٦]
(٥٧٧) من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
الزعم الكذب. قال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا. وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠].
وقد روي أن رجلًا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها. [٧/ ٨٠]
(٥٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]
﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي كذبهم وافتراءهم أي يعذبهم على ذلك وانتصب وصفهم بنزع الخافض أي بوصفهم وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعرف فساد قوله
[ ٢٩٤ ]
ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبي ﷺ وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم ليعرفوا فساد عقولهم. [٧/ ٨٥]
(٥٧٩) من قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
بناءان جاءا بصفة افعل، أحدهما: مباح كقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، والثاني: واجب وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. [٧/ ٨٧]
(٥٨٠) من قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣].
والمعنى: قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذَكَرٍ حرام وإن كان حَرَّمَ الإناث فكل أنثى حرام وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين يعني من الضأن والمعز فكل مولود حرام ذكرًا كان أو أنثى وكلها مولود فكلها إذًا حرام لوجود العلة فيها فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه. [٧/ ١٠٢]
(٥٨١) من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
أعلم الله ﷿ في هذه الآية بما حرم والمعنى قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا إلا هذه الأشياء لا ما تحرمونه بشهوتكم والآية مكية ولم
[ ٢٩٥ ]
يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك وحرم رسول الله ﷺ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. [٧/ ١٠٢]
(٥٨٢) روى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان ﵁ أشرف على أصحابه فقال: علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمدًا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحدًا فأقيد نفسي به ولا ارتددت منذ أسلمت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون. [٧/ ١٢٠]
(٥٨٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد قاله ابن عطية قلت: وهو الصحيح ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس. أن رجلًا قال لابن مسعود: «ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا
[ ٢٩٦ ]