يذكر أن أعرابيا سبّ آخر فأعرض المسبوب عنه؛ فقال له الساب: إياك أعني، فقال له الآخر: وعنك أعرض فقدّما الأهم. [١/ ١٩٠]
(٢٨) من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
﴿اهْدِنَا﴾ دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك.
قال بعض العلماء: فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعًا في هذه السورة نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به وفي الحديث: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». [١/ ١٩١]
(٢٩) سورة البقرة فضلها عظيم وثوابها جسيم ويقال لها فسطاط القرآن. قاله خالد بن معدان. وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها. وتعلمها عمر ﵁ بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة وابنه عبد الله في ثمان سنين.
قال ابن العربي: «سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر وبعث رسول الله ﷺ بعثًا وهم ذوو عدد وقدّم عليهم أحدثهم سنًا لحفظه سورة البقرة». وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا سورة البقرة فإن
[ ٢٢ ]
أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» قال معاوية بلغني أن البطلة: السحرة. وروي أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» وروى الدارمي عن عبد الله قال: «ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط» وقال: «إن لكل شيء سنامًا وإن سنام القرآن سورة البقرة وإن لكل شيء لُبابًا وإن لباب القرآن المفصل» وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل شيء سنامًا وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام». قال أبو حاتم البستي قوله ﷺ: «لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام»: «أراد: مردة الشياطين». وروى الدارمي في مسنده عن الشعبي قال: قال عبدالله: «من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يُصبح أربعًا من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاثًا خواتيمها أولها «لله ما في السموات» وعن الشعبي عنه: «لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يُقرآن على مجنون إلا أفاق» وقال المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبدالله: «لم ينس القرآن». وقال إسحاق بن عيسى: «لم ينس ما قد حفظ» … وفي كتاب الاستيعاب لابن عبدالبر «وكان لبيد بن ربيعة من شعراء الجاهلية أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في
[ ٢٣ ]
الإسلام وسأله عمر في خلافته من شعره واستنشده فقرأ سورة البقرة فقال: إنما سألتك عن شعرك فقال: ما كنت لأقول بيتًا من الشعر بعد إذا علمني الله البقرة وآل عمران». [١/ ١٩٧ - ١٩٩] بتصرف
(٣٠) من قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
سأل عمر بن الخطاب ﵁ أُبيًا عن التقوى فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت قال: فذاك التقوى وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:
خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى
التقوى فيها جماع الخير كله وهي وصية الله في الأولين والآخرين وهي خير ما يستفيده الإنسان كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حُفظ عنك شيء فقال:
يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا
وروى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله». [١/ ٢٠٨]
[ ٢٤ ]
(٣١) وروى حجاج بن حجاج الأحول ويلقب بِزِقِّ العسل قال سمعت قتادة يقول: «يا بن آدم إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة ولكن المؤمن هو المتحامل والمؤمن هو المتقوِّي والمؤمن هو المتشدد وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله الليل والنهار والله ما يزال المؤمن يقول: ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية». [١٢/ ٢٠٨]
(٣٢) من قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣].
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله ﷿ ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله». قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة: وأيُّ رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. [١/ ٢٢٦]
(٣٣) قيل: الإيمان بالغيب حظ القلب وإقام الصلاة حظ البدن ومما رزقناهم ينفقون حظ المال وهذا ظاهر. [١/ ٢٢٦]
(٣٤) من قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحَمَيَّة والإنكار. [١/ ٢٣٢]
[ ٢٥ ]
(٣٥) الختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه- مفهوم مخاطباته والفكر في آياته وعلى السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دُعوا إلى وحدانيته وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. [١/ ٢٣٣]
(٣٦) من قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح والقلب للإنسان وغيره، وخالص كل شيء وأشرفه قلبه فالقلب موضع الفكر وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبًا إذا رددته على بداءته وقلبت الإناء: رددته على وجهه ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل:
ما سمي القلب إلا من تقلبه … فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويل
ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه تفريقًا بينه وبين أصله روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة» ولهذا المعنى كان ﵊ يقول: «اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك»، فإذا كان النبي ﷺ يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به. [١/ ٢٣٤]
[ ٢٦ ]
(٣٧) قال الشاعر:
نهارك هائم وليلك نائم … كذلك في الدنيا تعيش البهائم
[١/ ٢٥٦]
(٣٨) قال الشاعر:
وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعة … والواحد اثنين لما هدني الكبر
[١/ ٢٧١]
(٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥].
أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم وقال عكرمة يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات. وقال ابن عباس: هذا على وجه التعجب وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها. وقال قتادة: «خيارًا لا رذل». [١/ ٢٨٢]
(٤٠) القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] وقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] يعني في الموضعين (قلبك) وقد يعبر عنه عن الفعل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [سورة ق: ٣٧] أي عقل لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين والفؤاد محل القلب والصدر محل الفؤاد والله أعلم. [١/ ٢٣٦]
[ ٢٧ ]
(٤١) قال ابن عباس ﵄: «نسي آدم عهد الله فسمي إنسانًا». وقال ﵊: «نسي آدم فنسيت ذريته»، وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وعلى هذا فالهمزة زائدة قال الشاعر:
لا تنسين تلك العهود فإنما … سميت إنسانًا لأنك ناسي
وقيل: سمي إنسانًا لأنسه بحواء.
وقيل: لأنسه بربه فالهمزة أصلية.
قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه … ولا القلب إلا أنه يتقلب
[١/ ٢٣٩]
(٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١].
والمعنى في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. [١/ ٢٤٨]
(٤٣) قال بعضهم:
إذا ما علا المرء رام العلا … ويقنع بالدون من كان دونا
[١/ ٢٧٥]
(٤٤) الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ﷿ فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان. [١/ ٢٨٧]
(٤٥) من قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧].
واختلف ما الشيء الذي أَمَر بوصله؟ فقيل: صلة الأرحام وقيل: أمر أن
[ ٢٨ ]
يوصل القول بالعمل فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم وقيل: الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل هذا قول الجمهور. [١/ ٢٨٨]
(٤٦) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد. [١/ ٢٩٣]
(٤٧) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوف الإقلال من سوء الظن بالله لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم وقال في تنزيله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعًا لعذره وحجة عليه ليكون له عبدًا كما خلقه عبدًا فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩] وقال: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠] وقال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي يا بن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيءٌ الليل والنهار» وقال رسول الله ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان
[ ٢٩ ]
فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفًا». وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضًا وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله فمن استنار صدره وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته وانقطعت مشيئته لنفسه فهذا يُعطي من يُسره وعُسره ولا يخاف إقلالًا وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أَعطى اليوم وله غدًا مشيئته في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله ﷺ: «انفحي أو أنضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك» وروى النسائي عن عائشة قالت: «دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله ﷺ فأمرتُ له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله ﷺ: أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك قلت نعم قال مهلا يا عائشة: لا تحصي فيحصي الله ﷿ عليك». [١/ ٢٩٣ - ٢٩٤]
(٤٨) ذكر عبدالرزاق عن عمر بن حبيب بن عمرو بن المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال: «جاء رجل إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فسأله: مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل: فمم خلق هؤلاء! قال: لا أدري قال: ثم أتى الرجل عبدالله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو قال: فأتى الرجل عبدالله بن عباس
[ ٣٠ ]
فسأله فقال: مم خلق الخلق؟ قال من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بن عباس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي ﷺ قال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه أي من خلقه وإبداعه واختراعه خلق الماء أولًا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلًا لما خلق بعد فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه سبحانه جل وعز». [١/ ٢٩٨ - ٢٩٩]
(٤٩) روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن الخبيث والطيب». قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح».
أديم: جمع أَدَم.
قال الشاعر:
الناس أخياف وشتى في الشيم … وكلهم يجمعهم وجه الأدم
[١/ ٣٢٢]
(٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
في البخاري من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون
[ ٣١ ]
يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء» الحديث.
قال ابن خويز منداد: «في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفًا وأن الله تعالى علمها آدم ﵇ جملة وتفصيلًا». وكذلك قال ابن عباس: «علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب». [١/ ٣٢٣]
(٥١) من قوله قال: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
الواجب على من سُئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري؛ اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضِلون ويُضلون … وقال الصديق للجدة: «ارجعي حتى أسأل الناس». وكان علي يقول: «وأبردها على الكبد» ثلاث مرات، قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين! قال: «أن يُسأل الرجل عما لا يعلم»، فيقول: الله أعلم. وسأل ابن عمر رجل عن مسألة فقال: «لا علم لي بها»، فلما أدبر الرجل قال ابن عمر: «نِعْمَ ما قال ابن عمر، سُئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به». ذكره الدارمي في مسنده.
وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهيّة قال: «كنت جالسًا عند القاسم بن عبيدالله ويحيى بن سعيد فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يُسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا
[ ٣٢ ]
يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج، فقال له القاسم: وعمّ ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هُدى: ابن أبي بكر وعمر، قال يقول: أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ من غير ثقة فسكت فما أجابه، وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلًا في أيديهم فإذا سُئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري.
وذكر الهيثم بن جميل قال: «شهدت مالك بن أنس سُئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري». [١/ ٣٢٦ - ٣٢٧]
(٥٢) روى يونس بن عبدالأعلى قال سمعت ابن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول: «ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف».
قلت: هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عمّ فينا الفساد وكثر فيه الطَّغَام! وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى.
وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال: «لما رحلت إلى المشرق ونزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يومًا حديث النبي ﷺ: «أنه قدم عليه قوم من مضر من
[ ٣٣ ]
مجتابي النمار» فقال: «إنما هو مجتابي الثمار»، فقلت: إنما مجتابي النمار هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق؛ فقال لي: «بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا ثم قال لي قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان في المسجد- فإن له بمثل هذا علمًا فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال: إنما هو مجتابي النمار» كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد: وأخذ بأنفه رغم أنفي للحق رغم أنفي للحق وانصرف. وقال يزيد بن الوليد بن عبدالملك فأحسن».
إذا ما تحدثت في مجلس … تناهى حديثي إلى ما علمت
ولم أعد علمي إلى غيره … وكان إذا ما تناهى سكت
[١/ ٣٢٨]
(٥٣) وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [سورة ص: ٧٦]، ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١]، ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ [الحجر: ٣٣] فكفره الله بذلك. فكل من سفه شيئًا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ كان حكُمه حكَمه وهذا ما لا خلاف فيه. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: «بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر حسد إبليس آدم وشح آدم في أكله من الشجرة».
[ ٣٤ ]
وقال قتادة: حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناريٌّ وهذا طيني وكان بدء الذنوب الكبر ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه. [١/ ٣٣٨]
(٥٤) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالًا على ولايته خلافًا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا: إن ذلك يدل على أنه وليّ إذ لو لم يكن وليًا ما أظهر الله على يديه ما أظهر ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا وإذا لم يُعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى مَنْ عَلم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان عُلم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله. [١/ ٣٣٩]
(٥٥) قال ابن مسعود وابن عباس: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشًا فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها فلما انتبه رآها فقال من أنت؟! قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] قال العلماء ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع وفي صحيح مسلم عن أبي
[ ٣٥ ]
هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المرأة خلقت من ضلع- في رواية- وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه- لن يستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها».
وقال الشاعر:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها … ألا إن تقويم الضلوع إنكسارها
أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى … أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
[١/ ٣٤٣]
(٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦].
قرأ الجماعة ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ بغير ألف من الزلة وهي الخطيئة، أي: استزلهما وأوقعهما فيها.
وقرأ حمزة ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ بألف من التنحية أي نحاهما، يقال: أزلته فزال. قال ابن كيسان: «فأزالهما من الزوال أي حرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية».
قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه: أزللته فزل ودل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]. والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان
[ ٣٦ ]
إنما قدرته على إدخاله في الزلل؛ فيكون ذلك سببًا إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه. [١/ ٣٥٢]
(٥٧) الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله لقوله: «اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل» فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ولأن نوع الحيات غالبه الضرر فيستصحب ذلك فيه ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس والنفرة عنه.
ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله ﵊: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام» وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها قالوا ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أولا، قاله ابن نافع، وقال مالك: «نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد وهو الصحيح» … وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يُحَرَّج عليه وينذر … قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارًا ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام وقيل: يكفي ثلاث مرار … قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول:
[ ٣٧ ]
أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا. [١/ ٣٥٦ - ٣٥٨] بتصرف.
(٥٨) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «من قتل وزعْة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك»، وفي رواية أنه قال: «في أول ضربة سبعون حسنة». [١/ ٣٦٠]
(٥٩) وسجستان أكثر بلاد الله حيات ولولا العربد (^١) الذي يأكلها ويفنى كثيرًا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ذكره أبو الحسن المسعودي. [١/ ٣٦٢]
(٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦].
لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وَقَبِلَ توبته وإنما أهبطه إما تأديبًا وإما تغليظًا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت
_________________
(١) العربد: حية تنفخ ولا تؤذي.
[ ٣٨ ]
الإشارة إليها مع أنه خلق من الأرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾. [١/ ٣٦٢]
(٦١) سئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال: يقول ما قاله أبواه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقال يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]. [١/ ٣٦٦]
(٦٢) من قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧].
إن قيل لم قال ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] و﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] فالجواب أن آدم ﵇ لما خوطب في أول القصة بقوله: ﴿اسْكُنْ﴾ خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضًا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١] وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥] وقيل: إنه دلّ بذكر التوبة عليه أن تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن وقيل: إنه مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] أي التجارة؛
[ ٣٩ ]
لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. [١/ ٣٦٦]
(٦٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨].
فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا وقيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله ﷺ من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا والله أعلم. [١/ ٣٧٠]
(٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١].
اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان في معناها … وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله ﷺ في حديث ابن عباس- حديث الرقية-: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانًا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. [١/ ٣٧٤ - ٣٧٥] بتصرف
[ ٤٠ ]
(٦٥) روى الدارمي في مسنده … أخبرنا الضحاك بن موسى قال: مر سليمان بن عبدالملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أيامًا فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها قال: فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان قط! قال أبو حازم: قد أوجزتُ وأكثرتُ إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال له سليمان: أوصني قال: سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال: فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلًا وما أرضاها لك فيكف أرضاها لنفسي … فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا لما حدثتُ فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه وإن كانت لِحقٍ في بيت المال فلي فيها نظراء فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة.
قلت: هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضًا ولا على وصيته بدلا
[ ٤١ ]
ولا على نصيحته صفدًا بل بَيَّنَ الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله ﷺ: «لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان»، وفي التنزيل: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. [١/ ٣٧٨ - ٣٨٠] بتصرف
(٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢].
اللبس: الخلط لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بَيِّنَه بمشكله وَحَقَّه بباطله. قال تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩] وفي الأمر لُبْسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي ﵁ للحارث بن حوط: يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله.
وقالت الخنساء:
ترى الجليس يقول الحق تحسبه … رشدًا وهيهات فانظر ما به التبسا
صَدِّق مقالته واحذر عداوته … والبس عليه أمورًا مثل ما لبسا
وقال العجاج:
لما لَبَسن الحق بالتجني … غنين واستبدلن زيدًا مني
[١/ ٣٨٠]
(٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد … وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي.
[ ٤٢ ]
وقيل: أصلها الثناء الجميل؛ ومنه زَكَّى القاضي الشاهد. فكأن من يُخرج الزكاة يُحَصِّل لنفسه الثناء الجميل وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ألا ترى أن النبي ﷺ سمَّى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد قال تعالى: «﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]». [١/ ٣٨٢ - ٣٨٣] بتصرف
(٦٨)
ولا تعاد الضعيف عَلَّك أن … تركع يومًا والدهر قد رفعه
[١/ ٣٨٤]
(٦٩) الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعًا يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا وذلك أدناه. [١/ ٣٨٥]
(٧٠) روى البخاري عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: ما صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ. [١/ ٣٨٨]
(٧١) من قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون
[ ٤٣ ]
بها وبخهم به توبيخًا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية.
وقال منصور الفقيه فأحسن:
إن قومًا يأمرونا … بالذي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم … لم يكونوا يُصرعونا
وقال أبو العتاهية:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابك تسطع
وقال أبو عمرو بن مطر: حضرت مجلس أبي عثمان الحِيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل كان يُعرف بأبي العباس ترى أن تقول في سكوتك شيئًا؟ فأنشأ يقول:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي والطبيب مريض
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.
قال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
وقال مسلم بن عمرو:
ما أقبح التزهيد من واعظ … يزهد الناس ولا يزهد
[ ٤٤ ]
لو كان في تزهيده صادقًا … أضحى وأمسى بيته المسجد
إن رفض الدنيا فما باله … يستمنح الناس ويسترفد
والرزق مقسوم على من ترى … يناله الأبيض والأسود
وقال الحسن لمطرف بن عبدالله: عظ أصحابك، فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل قال يرحمك الله: وأينا يفعل ما يقول! يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء! [١/ ٤١٠ - ٤١١] بتصرف
(٧٢) من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
أي: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم، والعقل: المنع ومنه عقال البعير؛ لأنه يمنع عن الحركة ومنه العقل للدية؛ لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني ومنه اعتقال البطن واللسان، ومنه يقال للحصن: مَعقِل. والعقل: نقيض الجهل. [١/ ٤١٢].
(٧٣) من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] يقال فلان صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة هذا أصح ما قيل قال النحاس: ولا يقال لمن صبر
[ ٤٥ ]
على المصيبة صابر إنما يقال صابر على كذا فإذا قلت صابر مطلقًا فهو على ما ذكرنا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وخص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهًا بذكرها وكان ﵊ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سفر فاسترجع وقال عورة سترها الله ومؤونة كفاها الله وأجر ساقه الله ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
والصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان: الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك.
وقال الشعبي: «قال علي ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد».
قال الطبري: «وصدق علي ﵁ وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به». [١/ ٤١٤ - ٤١٥] بتصرف
(٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
اختلف المتأولون في عود الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ فقيل: على الصلاة
[ ٤٦ ]
وحدها خاصة لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم والصبر هنا الصوم.
وقيل: عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة.
وقيل: إن الصبر لما كان داخلًا في الصلاة أعاد عليهما.
وقيل: على العبادة التي يقتضيها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة.
وقيل: على المصدر وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾.
وقيل: على إجابة محمد ﵊؛ لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه … و﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ معناه: ثقيلة شاقة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ فإنها خفيفة عليهم.
(٧٥) من قوله تعالى: ﴿الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع.
وقال قتادة: «الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة».
قال سفيان الثوري: «سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوري أنت تريد أن تكون إمامًا للناس ولا تعرف الخشوع! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع؛ فقال: أعيمش تريد أن تكون إمامًا للناس ولا تعرف الخشوع! ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك».
ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال: «يا هذا! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب».
[ ٤٧ ]
وقال علي بن أبي طالب: «الخشوع في القلب وأن تُلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في صلاتك». ا. هـ.
فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقًا على نفاق.
قال سهل بن عبدالله: «لا يكون خاشعًا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله ﵎: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]».
قلت: وهذا هو الخشوع المحمود لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقًا متأدّبًا متذللًا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلّفه والتباهي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال لِيُرَوا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان.
روى الحسن أن رجلًا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه وكان عمر ﵁ إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكًا صادقًا وخاشعًا حقًا.
وروى ابن أبي نجيم عن مجاهد قال: «الخاشعون هم المؤمنون حقًا». [١/ ٤١٧ - ٤١٨] بتصرف
(٧٦) إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ﷺ ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف
[ ٤٨ ]
العقاب ويرجو النجاة، وقال ﷺ: «لا ينجو أحد إلا برحمة الله»، فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». [١/ ٤٢٣]
(٧٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٨].
وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأن يُشفع له أو يُنصر أو يُفتدى. [١/ ٤٢٤]
(٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩].
﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾: ألقيناكم على نجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، هذا هو الأصل، ثم سمي كل فائز ناجيًا، فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة.
(٧٩) من قوله تعالى: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٤٦].
﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قومه وأتباعه وأهل دينه وكذلك آل الرسول ﷺ: من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبًا له أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافًا للرافضة حيث قالت: إن آل رسول الله ﷺ فاطمة والحسن والحسين فقط دليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، أي آل دينه إذ لم
[ ٤٩ ]
يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبًا له ولأجل هذا يقال: إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي ﷺ قرابة. [١/ ٤٢٤]
(٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩].
قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنًا ويكون سيئًا وأصله المحنة والله ﷿ يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره. [١/ ٤٢٨]
(٨١) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠].
البحر معروف سمي بذلك لاتساعه ويقال: فرس بحر إذا كان واسع الجري أي كثيره ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في مندوب فرس أبي طلحة «وإن وجدناه لبحرًا». [١/ ٤٢٩]
(٨٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١].
إن قيل: لم خص الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة؛ ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها. [١/ ٤٣٧]
(٨٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢].
العفو: عفو الله ﷿ عن خلقه وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف
[ ٥٠ ]
الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه فالعفو محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك: عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء كثر فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]. [١/ ٤٣٨]
(٨٤) من قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢].
وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قوله: دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه … وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
قال الخطابي: «هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما: أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله ﷿ وترك الشكر له. والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر». [١/ ٤٣٨] بتصرف
(٨٥) من قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا والقتل إماتة الحركة وقتلت الخمر: كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل
[ ٥١ ]
وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال الزهري: لما قيل لهم ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم: كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي. [١/ ٤٤١ - ٤٤٢] بتصرف
(٨٦) وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم- على القول الأول- لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب» أخرجه ابن ماجه في سننه … فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي ﵁ وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة. [١/ ٤٤٢]
(٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧].
اختلف في المن ما هو وتعيينه على أقوال: فقيل: الترنجبين بتشديد الراء وتسكين النون ويقال الطرنجبين وعلى هذا أكثر المفسرين وقيل: صمغة حلوة وقيل عسل وقيل شراب حلو وقيل: خبز الرقاق. وقيل: المن مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قول رسول الله
[ ٥٢ ]
ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين» في رواية له «من المن الذي أنزل الله على موسى» رواه مسلم قال أبو عبيد: إنما شبهها بالمن لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج فهي مِنَّة أي من جنس مَنّ بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف …
لما نص ﵊ على أن «ماء الكمأة شفاء للعين» قال بعض أهل العلم بالطب إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها وذهب أبو هريرة ﵁ إلى استعمالها بحتًا في جميع مرض العين.
﴿وَالسَّلْوَى﴾ اختلف في السلوى فقيل هو السُّماني بعينه وقيل: العسل وقال بعضهم السلوان: دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المُفَرِّح. [١/ ٤٤٦، ٤٤٧] بتصرف
(٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨].
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديل بما يخرج عنه. [١/ ٤٥١]
[ ٥٣ ]
(٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨].
والمحسن من صحح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره. [١/ ٤٥٤].
(٩٠) من قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وذلك أنهم قيل لهم: قولوا حطة فقالوا حنطة … فزادوا حرفًا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر هذا في تغيير كلمة هي عبارة التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود! هذا والقول أنقص من العمل فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل. [١/ ٤٥٥]
(٩١) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
وقد كان تعالى قادرًا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمةً منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد. [١/ ٤٥٩]
(٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ [البقرة: ٦١].
روى ابن ماجه … عن عائشة قالت: «كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ فما استقام لها ذلك حتى أكلت
[ ٥٤ ]
القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة»، وهذا إسناد صحيح. [١/ ٤٦٣].
(٩٣) من قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١].
اختلف في الفوم فقيل هو الثوم وقيل الفوم الحنطة رُوي عن ابن عباس وأكثر المفسرين.
قال الحليمي: «والعدس والزيت طعام الصالحين ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم ﵇ في مدينة لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم، والحنطة من جملة الحبوب وهي الفوم على الصحيح والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة، كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم ﵇ فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين ﵉ فضيلة، وقد روي أن النبي ﷺ: «لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله ﷿». [١/ ٤٦٣ - ٤٦٦] بتصرف
(٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١].
والذلة: الذل والصغار، والمسكنة: الفقر فلا يوجد يهودي وإن كان غنيًا خاليًا من زي الفقر وخضوعه ومهانته. [١/ ٤٦٨]
(٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥].
﴿فِي السَّبْتِ﴾ معناه: في يوم السبت ويحتمل أن يريد في حكم السبت والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال … والسبت
[ ٥٥ ]
مأخوذ من السبت وهو القطع فقيل: إن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها وقيل مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة. [١/ ٤٧٨] بتصرف
(٩٦) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥].
قال قتادة: «صار الشبان قردة والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذي نَهوا، وهلك سائرهم». وسيأتي في الأعراف قول من قال إنهم كانوا ثلاث فرق وهو أصح من قول من قال: «إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين». والله أعلم.
وقال الجمهور: الممسوخ لا يَنْسُل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك؛ والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل لأنهم قد أصابهم السخط والعذاب فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام … قلت: هذا الصحيح من القولين. [١/ ٤٧٩]
(٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦].
قال الخليل: «الوعظ التذكير بالخير فما يرق له القلب».
قال الماوردي: «وخص المتقين وإن كانت موعظة للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين».
قال ابن عطية: «واللفظ يعم كل متق من كل أمة».
وقال الزجاج: «﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ لأمة محمد ﷺ أن ينتهكوا من حُرَمِ الله جل وعز ما نهاهم عنه فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم. [١/ ٤٨٢]
[ ٥٦ ]
(٩٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
قال الماوردي: وإنما أمروا -والله أعلم- بذبح بقرة دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه من تعظيمه وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته. وهذا المعنى علة في ذبح البقرة وليس بعلة في جواب السائل ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حي فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. [١/ ٤٨٣]
(٩٩) وعن ابن مسعود ﵁: «من أراد العلم فليثور القرآن». قال شمر: تثوير القرآن قراءته ومناقشة العلماء به. [١/ ٤٨٤]
(١٠٠) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧].
في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح والأئمة بعده قال ابن خويز منداد: وقد بلغنا أن رجلًا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد الله فقال: جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش؟ فقال له: لا تجهل أيها القاضي! فقال له عبيد الله: وأين وجدت المزاح جهلًا! فتلا عليه هذه الآية؛ فأعرض عنه عبيد الله لأنه رآه جاهلًا لا يعرف المزح من الاستهزاء وليس أحدهما من الآخر بسبيل. [١/ ٤٨٥]
[ ٥٧ ]
(١٠١) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
واللون واحد الألوان وهو هيئة كالسواد والبياض والحمرة. واللون: النوع وفلان متلون. إذا كان لا يثبت على خلق واحد وحال واحد، قال الشاعر:
كل يوم تتلون … غير هذا بك أجمل
ولَوَّن البسر تلوينا: إذا بدا فيه أثر النضج. واللون: الدَّقَل وهو ضرب من النخل. [١/ ٤٨٧]
(١٠٢) من قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩].
قال وهب: كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها ولهذا قال ابن عباس: الصفرة تسر النفس وحَض على لباس النعال الصفر حكاه عنه النقاش.
(١٠٣) وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم نسأل الله العافية. [١/ ٤٩١]
(١٠٤) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤].
القسوة: الصلابة والشدة واليُبس. وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.
روى الترمذي عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي». [١/ ٥٠٠]
[ ٥٨ ]
(١٠٥) من قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤].
﴿أَوْ﴾ قيل: هي بمعنى الواو وقيل هي بمعنى بل وقيل: معناها الإبهام على المخاطب ومنه قول أبي الأسود الدؤلي:
أحب محمدًا حبًا شديدًا … وعباسًا وحمزة أو عليا
فإن يك حبهم رشدًا أصبه … ولست بمخطئ إن كان غيا
ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر وإنما قصد الإبهام وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك شككت! قال: كلا ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ [سبأ: ٢٤]، وقال: أو كان شاكًا من أخبر بهذا! وقيل معناها التخيير أي شبهوها بالحجارة تصيبوا أو بأشد من الحجارة تصيبوا وهذا كقول القائل: جالس الحسن أو ابن سيرين وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو وقيل: بل هي على بابها من الشك ومعناها: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم: أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة؟ وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر وفيهم من قلبه أشد من الحجر فالمعنى: هم فرقتان. [١/ ٥٠١] بتصرف
(١٠٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].
قال مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله نزل بذلك القرآن الكريم ومثله عن ابن جريج. [١/ ٥٠٢]
[ ٥٩ ]
(١٠٧) من قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].
الأماني: جمع أمنية وهي التلاوة ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. وقال كعب بن مالك:
تمنى كتاب الله أول ليله … وآخره لاقى حمام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله آخر ليله … تمني داود الزبور على رسل
والأماني أيضًا الأكاذيب ومنه قول عثمان ﵁: ما تمنيت منذ أسلمت أي ما كذبت- الأماني أيضًا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه … [٢/ ٩]
(١٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨].
﴿وَإِنْ﴾ بمعنى ما النافية ﴿يَظُنُّونَ﴾ يكذبون ويحدثون لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرأون به.
قال أبو بكر بن الأنباري: وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكًا وكذبًا وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أراد إلا يكذبون. [٢/ ١٠] بتصرف
[ ٦٠ ]
(١٠٩) من قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
وقيل فائدة: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيًا له وقال ابن السراج ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم. [٢/ ١٢] بتصرف
(١١٠) من قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].
وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته وإما لكونه حرامًا؛ لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله.
قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم ربعة أسمر فجعلوه آدم سبطًا طويلا. وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي ﷺ الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم فمن ثَمَّ غيروا. [٢/ ١٣]
(١١١) من قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١].
﴿بَلَى﴾ أي: ليس الأمر كما ذكرتم … وهي رد لقولهم: لن تمسنا النار. وقال الكوفيون: أصلها بل التي للإضراب عن الأول زيدت عليها الياء ليحسن الوقف وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام.
[ ٦١ ]
ف (بل) تدل على رد الجحد و(الياء) تدل على الإيجاب لما بعد وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولو قالوا نعم لكفروا. [٢/ ١٥] بتصرف
(١١٢) من قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
أي: وأمرناهم بالوالدين إحسانًا وقرن الله ﷿ في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد لأن النشأة الأولى من عند الله والنشء الثاني -وهو التربية- من جهة الوالدين ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. [٢/ ١٧]
(١١٣) اليتم في بني آدم بفقد الأب. وفي البهائم: بفقد الأم وحكى الماوردي: أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم والأول المعروف وأصله الانفراد يقال صبي يتيم منفرد عن أبيه وبيت يتيم أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر ودرة يتيمة: ليس لها نظير وقيل أصله الإبطاء فسمي به اليتيم لأن البر يبطئ عنه. [٢/ ١٧]
(١١٤) السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد.
وتسمى أيضًا بالسباحة جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. [١/ ١٨]
[ ٦٢ ]
(١١٥) من قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
قال أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به وهذا كله حض على مكارم الأخلاق فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم منه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه لأن الله تعالى قال لموسى وهارون ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد أمرهما الله تعالى باللين معه وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي. [٢/ ٢٠]
(١١٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].
قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم قال ابن خويز منداد تضمنت الآية وجوب فك الأسرى وبذلك وردت الآثار عن النبي ﷺ أنه فك الأسارى وأمر بفكهم وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع ويجب فك الأسارى من بيت المال فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. [٢/ ٢٦]
[ ٦٣ ]
(١١٧) كل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى ﵇. [٢/ ٢٧]
(١١٨) من قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧].
وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه وهذه الآية من ذلك وقد يستعمل في الحق ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر: «فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث «والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». أخرجها مسلم. [٢/ ٢٨]
(١١٩) من قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩].
الاستفتاح الاستنصار. استفتحت استنصرت روى النسائي عن سعد ابن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم». [٢/ ٢٩]
(١٢٠) من قوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٩٠].
بغيًا: معناه حسدًا قاله قتادة والسدي وهو مفعول من أجله وهو على
[ ٦٤ ]
الحقيقة مصدر وهو مأخوذ من قولهم: قد بغى الجرح إذا فسد قاله الأصمعي. وقيل: أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغيًّا. [٢/ ٣١] بتصرف
(١٢١) من قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣].
معنى ﴿وَاسْمَعُوا﴾: أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب. [٢/ ٣٣]
(١٢٢) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]
اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقًا أو يكونوا فعلوا فعلًا قام مقام القول فيكون مجازًا كما قال:
امتلأ الحوض وقال قطني … مهلا رويدًا قد ملأت بطني
[٢/ ٣٣]
(١٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]
وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبًا لها:
تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير
[ ٦٥ ]
تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور
أكاد إذا ذكرت العهد منها … أطير لو أن إنسانًا يطير
[٢/ ٣٣]
(١٢٤) من قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١].
قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به. وقال سفيان بن عيينة أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه فذلك النبذ. [٢/ ٤١]
(١٢٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال محمد بن إسحاق: لما ذكر رسول الله ﷺ سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم: يزعم محمدًا أن ابن داود كان نبيًا! والله ما كان إلا ساحرًا فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرًا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدًا نسبه إلى الكفر ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ثم قال:
[ ٦٦ ]
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] فأثبت كفرهم بتعليم السحر. [٢/ ٤٢، ٤٣] بتصرف
(١٢٦) سمى رسول الله ﷺ الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا فقال: «إن من البيان لسحرا» أخرجه مالك وغيره وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق فعلى هذا يكون قوله ﵇ «إن من البيان لسحرا» … خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة إذ شبهها بالسحر، وقيل: خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان قاله جماعة من أهل العلم والأول أصح والدليل عليه قوله ﵊: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» وقوله: «إن أبغضكم إليَّ الثرثارون المتفيقهون» … أما قوله ﷺ: «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب وتصوير الباطل في صورة الحق وهذا بين والحمد لله. [٢/ ٤٤، ٤٥] بتصرف
(١٢٧) عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ يهوديّ من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم … الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال -لما حُلَّ السحر- «إن الله شفاني» والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض فدل على أن له حقًا وحقيقة فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله
[ ٦٧ ]
على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال: عُلِّمَ السحر في قرية من قرى مصر يقال لها الفَرَما فمن كذب به فهو كافر مكذب لله ورسوله منكر لما علم مشاهدة وعيانا. [٢/ ٤٦]
(١٢٨) قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد قالوا: ولا يبعد من السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة والجري على خيط مستدق والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك ومع ذلك فلا يكون السحر موجبًا لذلك ولا علة لوقوعه ولا سببًا مولدًا ولا يكون الساحر مستقلا به وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر كما يخلق الشبع عن الأكل والري عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار الدهني أن ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في أست الحمار ويخرج من فيه فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب- هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي. [٢/ ٤٦]
[ ٦٨ ]
(١٢٩) قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. [٢/ ٤٩]
(١٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
﴿وَمَا﴾ نفي والواو للعطف على قوله ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وذلك أن اليهود قالوا إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك وفي الكلام تقديم وتأخير التقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهن قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤].
قال الزجاج: وروي عن علي ﵁ أنه قال: أي والذي أنزل على الملكين وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه قال الزجاج: وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلّمان الناس على النهي فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا ولا تحتالوا بكذا
[ ٦٩ ]
لتفرقوا بين المرء وزوجه والذي أنزل عليهما هو النهي كأنه قولا للناس: لا تعملوا كذا ف ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ بمعنى يُعْلِمان كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أي أكرمنا. [٢/ ٥٠ - ٥٣] بتصرف
(١٣١) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤].
قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ: راعنا على جهة الطلب والرغبة- من المراعاة- أي التفت إلينا وكان هذا بلسان اليهود سبًا أي اسمع لا سمعت فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرًا فالآن نسبه جهرًا فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: عليكم لعنة الله لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي ﷺ لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. [٢/ ٥٦]
(١٣٢) التمسك بسد الذرائع وحمايتها دل على هذا الأصل الكتاب والسنة.
والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع أما الكتاب فهذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب في
[ ٧٠ ]
لغتهم فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب … وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة منها حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» أخرجه البخاري ومسلم.
قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله ﷿ عند قبورهم فمضت لهم بذلك أزمان ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد». [٢/ ٥٧]
(١٣٣) من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لفظة ﴿بِخَيْرٍ﴾ هنا صفة تفضيل والمعنى: بأنفع لكم أيها الناس في عاجلٍ: إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت
[ ٧١ ]
أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية، وقال مالك: محكمة مكان منسوخة، وقيل: ليس المراد بأخير التفضيل لأن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] أي فله منها خير أي نفع وأجر لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ويدل على القول الأول قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾. [٢/ ٦٧]
(١٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠].
جاء في الحديث … قال النبي ﷺ: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله»، قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر» … ولقد أحسن القائل:
قدم لنفسك قبل موتك صالحا … واعمل فليس إلى الخلود سبيل
وقال آخر:
قدم لنفسك توبة مرجوة … قبل الممات وقبل حبس الألسن
وقال آخر:
سابق إلى الخير وبادر به … فإنما خلفك ما تعلم
وقدم الخير فكل امرئ … على الذي قدّمه يقدم
وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية:
أسعد بمالك في حياتك إنما … يبقى وراءك مصلح أو مفسد
وإذا تركت لمفسد لم يبقه … وأخو الصلاح قليله يتزيد
[ ٧٢ ]
وإن استطعت فكن لنفسك وارثا … إن المورث نفسه لمسدد
[٢/ ٧٢، ٧٣] بتصرف
(١٣٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
أي يوسع على عباده في دينهم ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم وقيل ﴿وَاسِعٌ﴾ بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] وقال الفراء: الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء دليله قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقيل: واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب وقيل متفضل على العباد وغني عن أعمالهم يقال فلان يسع ما يسئل أي لا يبخل قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي لينفق الغني مما أعطاه الله. [٢/ ٨٢]
(١٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ سئل أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق فقال: كافر قيل: بم كفرته؟ قال: بآيات من كتاب الله ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والقرآن من علم الله. فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر. [٢/ ٩٢]
(١٣٧) من قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
اختلف في معنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ فقيل: يتبعونه حق اتباعه باتباع الأمر
[ ٧٣ ]
والنهي فيحللون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بما تضمنه قاله عكرمة.
وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها. وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ: «كان إذا مرّ بآية رحمة سأل وإذا مر بآية عذاب تعوذ». وقال الحسن: هم الذين يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه وقيل: يقرأونه حق قراءته. قلت: وهذا فيه بعد إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه ويفهمون معانيه فإنه بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق. [٢/ ٩٣]
(١٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ تفسيره بالسيريانية فيما ذكر الماوردي وبالعربية فيما ذكر ابن عطية: أب رحيم قال السهيلي: وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم لرحمته بالأطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارًا إلى يوم القيامة
قلت: ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة وفيه أن النبي ﷺ رأى في الروضة إبراهيم ﵇ وحوله أولاد الناس. [٢/ ٩٤]
[ ٧٤ ]
(١٣٩) اختلف العلماء في المراد بالكلمات في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] على أقوال وأصح من هذا ما ذكره عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر، وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والاختتان ونتف الإبط وغسل (مكان الغائط والبول) بالماء- وعلى هذا القول: فالذي أتم هو إبراهيم وهو ظاهر القرآن وروى مطر عن أبي الجلد أنها عشر أيضا إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم وموضع الاستنجاء الاستحداد. [٢/ ٩٥]
(١٤٠) قال الميموني قال لي أحمد: إن هاهنا رجلًا وُلد له ولد مختون فاغتم لذلك غمًا شديدا فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا. [٢/ ٩٨]
(١٤١) قص الشارب: الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل نفسه قاله مالك. وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وأرى أن يؤدب من حلق شاربه. وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب: هذه بدع وأرى أن يوجع ضربًا من فعله. وقال ابن خويز منداد قال مالك: أرى أن يوجع من حلقه ضربًا كأنه يراه ممثلًا بنفسه وكذلك بنتفه الشعر، وتقصيره عنده أولى من حلقه. [٢/ ١٠٣]
[ ٧٥ ]
(١٤٢) الثريد أزكى الطعام وأكثره بركة وهو طعام العرب وقد شهد له النبي ﷺ بالفضل على سائر الطعام فقال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». [٢/ ١٠٦]
(١٤٣) خرج مسلم عن أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة».
قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر المدة والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة. [٢/ ١٠٧]
(١٤٤) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]
المعنى: جعلناك للناس إمامًا يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون. فجعله الله تعالى إمامًا لأهل طاعته. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ دعاء على جهة الرغباء إلى الله تعالى أي من ذريتي يا رب فاجعل وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيًا وظالمًا لا يستحق الإمامة قال ابن عباس. سأل إبراهيم ﵇ أن يُجعل من ذريته إمام فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي؛ فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. [٢/ ١٠٧]
(١٤٥) والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن
[ ٧٦ ]
بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض. [٢/ ١٠٩]
(١٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
مثابة: أي مرجعًا … قال ورقة بن نوفل في الكعبة:
مثابًا لأفناء القبائل كلها … تخب إليها اليعملات الذوامل
وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرًا قال الشاعر:
جُعِلَ البيت مثابًا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوطر
[٢/ ١١٠]
(١٤٧) لما قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها أو لكونها أعظم حرمة والأول أظهر والله أعلم، وفي التنزيل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. [النور: ٣٦] [٢/ ١١٤]
(١٤٨) واختلفوا أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟
فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والجمهور على أن الصلاة أفضل … والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور والله أعلم. [٢/ ١١٦] بتصرف
[ ٧٧ ]
(١٤٩) روي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده على بناء ابن الزبير لِما جاء عن النبي ﷺ وامتثله ابن الزبير فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس. [٢/ ١٢٤]
(١٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
أي من ذريتنا فاجعل فيقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة و﴿وَمِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ للتبعيض لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين. [٢/ ١٢٦]
(١٥١) من قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
﴿وَأَرِنَا﴾ من رؤية البصر وقيل من رؤية القلب.
قال حطائط بن يعفر:
أريني جوادًا مات هزلًا لأنني … أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا
وقرأ بعض القراء: (أرْنا) بسكون الراء واستدل بقول الشاعر:
أَرْنا إداواة عبد الله نملؤها … من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا
[٢/ ١٢٦، ١٢٧] بتصرف
(١٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ وهم
[ ٧٨ ]
أنبياء معصومون فقالت طائفة طلبا التثبيت والدوام لا أنهما كان لهما ذنب قلت: وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبيّنا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة وقيل: المعنى وتب على الظلمة منا. [٢/ ١٢٩]
(١٥٣) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].
يعني محمدًا ﷺ وفي قراءة أُبي «وابعث في آخرهم رسولًا منهم». وقد روى خالد بن معدان: «أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى». [٢/ ١٢٩]
(١٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]
تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي أي وما يرغب قاله النحاس والمعنى: يزهد فيها وينأى نفسه عنها أي عن الملة وهي الدين والشرع. [٢/ ١٣٠] بتصرف
(١٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قال ابن بحر: معناه: جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعًا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد الله وقدرته.
قلت: وهذا هو معنى قول الزجاج فيفكر في نفسه مِنْ يدين يبطش بهما ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها وأُذن يسمع بها ولسان ينطق به وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ومعدة
[ ٧٩ ]
أعدت لطبخ الغذاء وكبد يصعد إليها صفوه وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويتبرز من أسفل البدن فيستدل بهذا على أن له خالقًا قادرًا حكيمًا وهذا معنى قوله فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. أشار إلى هذا الخطابي ﵀. [٢/ ١٣١]
(١٥٦) روى حجاج: قال سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك وارض عنا. [٢/ ١٣٢]
(١٥٧) من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٢].
أي بالملة وقيل بالكلمة التي هي قوله له: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١] وهو أصوب لأنه أقرب أي قولوا أسلمنا …
وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية وهو أكبر ولده نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع وقيل كان له سنتان وقيل كان له أربع عشرة سنة والأول أصح … وولد له قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة ومات وله ١٣٧ سنة وقيل ١٣٠ سنة وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم ﵉ ٨٩ سنة. وإسحاق أمه سارة ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل. وعاش إسحاق ١٨٠ سنة ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل ﵉. [٢/ ١٣٣] بتصرف
[ ٨٠ ]
(١٥٨) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢].
إيجاز بليغ والمعنى: الزموا الإسلام وداوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود ويتضمن وعظًا وتذكيرا بالموت وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى فإذا أُمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائبًا لازمًا. [٢/ ١٣٤]
(١٥٩) وحكي أن يعقوب حين خُيِّر كما تُخير الأنبياء اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أُوصي بَنيّ وأهلي فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] الآية فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى. [٢/ ١٣١]
(١٦٠) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
سمى الله كل واحد من العم والجد أبًا. وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحاق و(إلهًا) بدل (إلهك) بدل النكرة من المعرفة وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية وقيل (إلهًا) حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن لأن الغرض إثبات حال الوحدانية. [٢/ ١٣٥]
(١٦١) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤].
وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب وإن كان الله
[ ٨١ ]
تعالى أقدره على ذلك إن كان خيرًا فبفضله وإن كان شرًا فبعدله وهذا مذهب أهل السنة والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة فالعبد مكتسب لأفعاله على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلًا وذلك التمكن مناط التكليف. [٢/ ١٣٦]
(١٦٢) من قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]
سمي إبراهيم حنيفًا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام والحنف: الميل وقال قوم. الحنف الاستقامة فسمي دين إبراهيم حنيفًا لاستقامته وسمي المعوج الرجلين أحنف تفاؤلًا بالسلامة كما قيل للديغ سليم وللمهلكة مفازة في قول أكثرهم. [٢/ ١٣٧] بتصرف
(١٦٣) الأسباط: ولد يعقوب ﵇ وهم اثنا عشر ولدًا ولد لكل واحد منهم أمة من الناس واحدهم سبط والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل وسموا الأسباط من السَّبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصله من السَّبَط بالتحريك وهو الشجر أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سَبَطة. قال أبو إسحاق الزجاج: ويبين لك هذا ما حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري … عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوحًا وشعيبًا وهودًا وصالحًا ولوطًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدًا ﷺ ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب والسبط: الجماعة والقبيلة والراجعون إلى أصل واحد. [٢/ ١٣٨]
[ ٨٢ ]
(١٦٤) من قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]
قال الأخفش وغيره: دين الله وهو بدل من (ملة) وقال الكسائي. وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا.
أي صبغة الله أحسن صبغة وهو الإسلام فسمي الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. وقال بعض شعراء ملوك همدان:
وكل أناس لهم صبغة … وصبغة همدان خير الصبغ
صبغنا على ذاك أبناءنا … فأكرم بصبغتنا في الصبغ
[٢/ ١٤٠] بتصرف
(١٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]
أي مخلصون العبادة وفيه معنى التوبيخ أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تَدَّعُون ما نحن أولى به منكم! والإخلاص حقيقته تصفيه الفعل عن ملاحظة المخلوقين قال ﷺ: «إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء» رواه الضحاك بن قيس الفهري قال: قال رسول الله ﷺ فذكره، خرجه الدارقطني.
[ ٨٣ ]
وقال رويم: الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضًا في الدارين ولاحَظًّا من الملكين.
وقال الجنيد: الإخلاص سر بين العبد وبين الله لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. [٢/ ١٤٢]
(١٦٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودًا أو نصارى فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم أي لم يكونوا هودًا ولا نصارى. [٢/ ١٤٣]
(١٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل وأصل هذا أن أحمد الأشياء: أوسطها وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] «عدلا» قال: هذا حديث حسن صحيح وفي التنزيل: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أعدلهم وخيرهم. [٢/ ١٤٩]
(١٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]
والآية جواب لقريش في قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]
[ ٨٤ ]
وكانت قريش تألف الكعبة فأراد الله ﷿ أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. [٢/ ١٥٣]
(١٦٩) قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]
اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس. [٢/ ١٥٣]
(١٧٠) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]
أي إلى الخيرات فحذف الحرف أي بادروا ما أمركم الله ﷿ من استقبال البيت الحرام وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآية. والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى أعلم. [٢/ ١٦٠]
(١٧١) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها لأن موقع التحويل كان صعبًا في نفوسهم جدًا فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه وقيل أراد بالأول: ول وجهك شطر الكعبة أي عاينها إذا صليت تلقاءها ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ معاشر المسلمين في سائر
[ ٨٥ ]
المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني: وجوب الاستقبال في الأسفار فكان هذا أمرًا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض.
قلت: هذا القول أحسن من الأول لأن فيه حمل كل آية على فائدة … ويروى أن جعفر بن محمد سئل ما معنى تكرير القصص في القرآن؟ فقال: علم الله أن كل الناس لا يحفظ القرآن فلو لم تكن القصة مكررة لجاز أن تكون عند بعض الناس ولا تكون عند بعض فكررت لتكون عند من حفظ البعض. [٢/ ١٦٣ - ١٦٤] بتصرف
(١٧٢) من قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].
وقالت فرقة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ استثناء متصل روي معناه عن ابن عباس وغيره واختاره الطبري، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي ﷺ وأصحابه في استقبالهم الكعبة والمعنى لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا: ما ولاّهم، وتحير محمد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة وسماها الله حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة. [٢/ ١٦٥]
[ ٨٦ ]
(١٧٣) قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ يريد الناس ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقي. والخوف: فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به سمي خوفًا ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى والأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. [٢/ ١٦٥]
(١٧٤) من قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم، وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له، وسمي الذكر باللسان ذكرًا لأنه دلالة على الذكر القلبي غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم ومعنى الآية: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة قاله سعيد بن جبير وقال أيضًا: الذكر طاعة الله فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن … وسئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة! فقال: أحمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته. [٢/ ١٦٦ - ١٦٧] بتصرف
(١٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥].
أي بالثواب على الصبر. والصبر أصله الحبس وثوابه غير مقدر لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى كما روى البخاري عن أنس عن النبي ﷺ: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها
[ ٨٧ ]
فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث … وقال الأستاذ أبو علي: الصبر حده ألا تعترض على التقدير فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [سورة ص: ٤٤] مع ما أخبر عنه أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. [٢/ ١٦٩ - ١٧٠] بتصرف
(١٧٦) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦]
والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت وتستعمل في الشر. [٢/ ١٧٠]
(١٧٧) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦].
جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ توحيد وإقرار بالعبودية والملك وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: لم تعط هذه الكلمات نبيًا قبل نبينا ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفى على يوسف … قال أبو سنان: دفنت ابني سنانًا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي
[ ٨٨ ]
فأنشطني وقال: ألا أبشرك يا أبا سنان حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد». وروى مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله ﷿ إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها» فهذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله ﷺ فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها وإما بالثواب الجزيل كما في حديث أبي موسى وقد يكون بهما. [٢/ ١٧٢، ١٧٣]
(١٧٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨]
وَذُكِّر الصفا لأن آدم المصطفى ﷺ وقف عليه فسمي به ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنث لذلك والله أعلم وقال الشعبي: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا وعلى المروة صنم يدعى نائلة فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر وهذا حسن لأن الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا حتى رفع الله الحرج في ذلك. [٢/ ١٧٥]
[ ٨٩ ]
(١٧٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩].
.. وتحقيق الآية هو: أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله ولا السلطان تأويلًا يتطرق به إلى مكاره الرعية ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقًا إلى ارتكاب المحظورات وترك الواجبات ونحو ذلك. [٢/ ١٨٢].
(١٨٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩].
لما قال: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه لا سيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال: «حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» أخرجه البخاري قال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن
[ ٩٠ ]
والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى والله تعالى أعلم. [٢/ ١٨٣]
(١٨١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١].
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو واو الحال قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه لعن أقوامًا بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم قال ابن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله.
قلت: أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهو يلعنون الكفرة في رمضان قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن وليس ذلك بواجب ولكنه مباح لمن فعله لجحدهم الحق وعداوتهم الدين وأهله وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشرّاب الخمر وأكلة الربا ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه.
.. وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقًا لما روى
[ ٩١ ]
عن النبي ﷺ: «أنه أتي بشارب خمر مرارًا فقال بعض من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» فجعل له حرمة الأخوة وهذا يوجب الشفقة وهذا حديث صحيح قلت خرجه البخاري ومسلم. وقد ذكر بعض العلماء خلافًا في لعن العاصي المعين قال: وإنما قال ﵇: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه ومن أقيم عليه حد من الله تعالى فلا ينبغي لعنه ومن لم يُقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سُمي أو عُين أم لا لأن النبي ﷺ لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه وَبَيَّن هذا قوله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب» فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة والله تعالى أعلم.
قال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقًا فيجوز إجماعًا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». [٢/ ١٨٥، ١٨٦]
(١٨٢) من قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]
ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها وأول من عملها نوح ﵇ كما أخبر تعالى وقال
[ ٩٢ ]
له جبريل: اصنعها على جؤجؤ الطائر فعملها نوح ﵇ وراثة في العالمين بما أراه جبريل فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها قاله ابن العربي. [٢/ ١٩١]
(١٨٣) وقد قال بعض من طعن في الدين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك! فقيل له في قوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. [٢/ ١٩٢]
(١٨٤) من قوله فقال: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
قال العلماء: الريح تحرك الهواء وقد يشتد ويضعف فإذا بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح (الصَّبا) وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى اتجاه القبلة قيل لتلك الريح (الدَّبور) وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لها (ريح الجنوب)، وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها (ريح الشمال) ولكل واحدة من هذه الرياح طبع فتكون منفعتها بحسب طبعها فالصبا حارة يابسة والدبور باردة رطبة والجنوب حارة رطبة والشمال باردة يابسة واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة. [٢/ ١٩٥]
(١٨٥) قال بعض الحكماء: إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، الذي هو بدن الإنسان ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي
[ ٩٣ ]
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]؛ فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها وأعضاؤه تصير عند البلى ترابًا من جنس الأرض وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنَّفَسْ ومن جنس النار فيه المرة الصفراء وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار؛ لأن العروق تستمد من الأرض ومثانته بمنزلة البحر لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض. وأعضاؤه كالأشجار فكما أن لكل شجرة ورقًا أو ثمرًا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان فهو العالم الصغير مع العالم الكبير مخلوق محدث لصانع واحد لا إله إلا هو. [٢/ ١٩٩]
(١٨٦) من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧].
قال السدي: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها.
[ ٩٤ ]
والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت … [٢/ ٢٠٢] بتصرف
(١٨٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]
سمي الحلال حلالًا لانحلال عقدة الحظر عنه قال سهل بن عبد الله: النجاة في ثلاثة أكل الحلال وأداء الفرائض والاقتداء بالنبي ﷺ وقال أبو عبد الله الساجي: خمس خصال بها تمام العلم وهي: معرفة الله ﷿ ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ولا يكون المال حلالًا حتى يصفو من ست خصال: الربا والحرام والسحت- وهو اسم مجمل- والغلول والمكروه والشبهة. [٢/ ٢٠٣]
(١٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨].
أخبر تعالى بأن الشيطان عدو وخبره حق وصدق فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه … وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: «وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر
[ ٩٥ ]
الله» … الحديث، وقال فيه: «حديث حسن صحيح غريب». [٢/ ٢٠٤] بتصرف
(١٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠].
التقليد ليس طريقًا للعلم ولا موصلًا له لا في الأصول ولا في الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء.
فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه [أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس] وعلى العالم أيضًا فرض أن يقلد عالمًا مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب فضاق الوقت عن ذلك وخاف على العبادة أن تفوت أو على الحكم أن يذهب سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيًا أو غيره وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين. [٢/ ٢٠٧] بتصرف
(١٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١].
شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد ﷺ بالراعي
[ ٩٦ ]
الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفهم ما يقول …
والنعيق: زجر الغنم والصياح بها يقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نَعيقًا ونُعاقًا ونَعاقًا أي صاح بها وزجرها.
قال الأخطل:
انعق بضأنك يا جرير فإنما … منتك نفسك في الخلاء ضلالًا
قال القتبي: لم يكن جرير راعي ضأن وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن وجرير منهم فهو في جهلهم والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون أجهل من راعي ضأن …
والنداء للبعيد والدعاء للقريب ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد. [٢/ ٢٠٩] بتصرف
(١٩١) أكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيرًا! قال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أقول حرامًا. [٢/ ٢١٢]
(١٩٢) وقد روى أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل».
وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر عن
[ ٩٧ ]
النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنَة» [٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣] بتصرف
(١٩٣) من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣].
﴿غَيْرَ﴾: نصب على الحال وقيل على الاستثناء وإذا رأيت غير يصلح في موضعها (في) فهي حال- وإذا صلح موضعها (إلا) فهي استثناء فقس عليه.
و﴿بَاغٍ﴾ أصله باغي … والمعنى .. ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في أكله فوق حاجته ﴿وَلَا عَادٍ﴾ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها. [٢/ ٢٢٨] بتصرف.
(١٩٤) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر»، وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. [٢/ ٢٣١]
(١٩٥) من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]
قرأ حمزة وحفص ﴿الْبِرَّ﴾ بالنصب لأن [ليس] من أخوات [كان] يقع بعدها المعرفتان فَتَجْعَلُ أيهما شئت الاسم أو الخبر [فلما وقع بعد ﴿لَيْسَ﴾ ﴿الْبِرَّ﴾ نصبه وجعل ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ الاسم وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف.
[ ٩٨ ]
وقرأ الباقون ﴿الْبِرُّ﴾ بالرفع على أنه اسم ليس وخبره ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البرَّ. [٢/ ٢٣٣]
(١٩٦) اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها قال مالك ﵀: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضًا وهو يقوي ما اخترناه والموفق الإله. [٢/ ٢٣٧]
(١٩٧) قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطغيان وطاعة للشيطان فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فَقُتِلَ لهم عبد قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حرًا وإذا قُتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا وإذا قُتل منهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفًا ويقولون (القتل أوفى للقتل) ويروى (أبقى) ويقال (أنفى) فنهاهم الله عن البغي فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية. وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم. [٢/ ٢٤٠] بتصرف
(١٩٨) اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم
[ ٩٩ ]
عن بعض وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدى على أحد من رعيته إذ هو واحد منهم وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل وذلك لا يمنع القصاص وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله ﷿ لقوله جل ذكره ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملًا قطع يده: «لئن كنت صادقًا لأقيدنك منه». وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل فطعنه رسول الله ﷺ بعرجون كان معه فصاح الرجل فقال له رسول الله ﷺ تعال فاستقد قال بل عفوت يا رسول الله وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إليّ أقيده منه فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين لئن أدب رجل منا رجلًا من أهل رعيته لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه! ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم فمن فُعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه - وذكر الحديث بمعناه. [٢/ ٢٥٣].
(١٩٩) من قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه آية الوصية وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية وفي النساء ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [الآية: ١١]، وفي
[ ١٠٠ ]
المائدة ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [الآية: ١٠٦]، والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث.
(٢٠٠) قال العلماء: المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية وإنما هي من حديث ابن عمر وفائدتها: المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودًا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعمل بها وإن لم تكتب خًطًا فلو كتبها بيده ولم يُشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه.
روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم. هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأوصى من ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]. [٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤]
(٢٠١) من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢].
قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية
[ ١٠١ ]
بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل وإن كان في فعله تبديل ما ولابد ولكنه تبديل لمصلحة والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. [٢/ ٢٦٦]
(٢٠٢) لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت لقوله ﵊ وقد سئل: «أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح» الحديث أخرجه أهل الصحيح.
وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة» وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع». [٢/ ٢٦٧]
(٢٠٣) روى الدارقطني عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار».
وترجم النسائي «الصلاة على من جنف في وصيته» عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فغضب من ذلك وقال: «لقد هممت ألا أصلي عليه»
[ ١٠٢ ]
ثم دعا مملوكيه فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.
وأخرج مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره: وقال له قولًا شديدًا بدل قوله: «لقد هممت ألا أصلي عليه». [٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨] بتصرف.
(٢٠٤) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ لعل: ترج في حقهم … و﴿تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ قيل: معناه هنا تضعفون، فإنه كلما قلّ الأكل ضعفت الشهوة وكلما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي، وهذا وجه مجازي حسن.
وقيل: لتتقوا المعاصي.
وقيل: هو على العموم لأن الصيام كما قال ﵊: «الصيام جنة ووجاء» وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات. [٢/ ٢٧١]
(٢٠٥) من قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
رمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر ومنه الحديث «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» خرجه مسلم ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان فيما ذكروا - وافق شدة الحر فهو مأخوذ من الرمضاء.
يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك وقيل: إنما
[ ١٠٣ ]
سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الإرماض وهو الإحراق … وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمال والحجارة من حر الشمس … وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربو بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. [٢/ ٢٨٦] بتصرف
(٢٠٦) قال الشاعر:
أخوان من نجد على ثقة … والشهر مثل قلامة الظفر
حتى تكامل في استدارته … في أربع زادت على عشر
[٢/ ٢٨٩]
(٢٠٧) من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وروي عن النبي ﷺ: «دين الله يسر» وقال ﷺ: «يسروا ولا تعسروا». واليسر من السهولة ومنه اليسار للغنى وسميت اليد اليسرى تفاؤلًا أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى». [٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧]
(٢٠٨) قوله ﷺ: «فليعزم المسألة» دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريمًا، قال سفيان بن عيينة: «لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلمه
[ ١٠٤ ]
من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٧]». [٢/ ٣٠٨]
(٢٠٩) من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الرفث: كناية عن الجماع؛ لأن الله ﷿ كريم يكني؛ قاله ابن عباس والسدي.
وقال الزجاج: «الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته».
وقال ابن عرفة: «الرفث هاهنا الجماع. والرفث: التصريح بذكر الجماع والإعراب به». [٢/ ٣١١]
(٢١٠) من قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
أصل اللباس في الثياب ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسًا لانضمام الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيهًا بالثوب وقال النابغة الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها … تداعت فكانت عليه لباسا
وقال أيضًا:
لبست أناسًا فأفنيتهم … وأفنيت بعد أناس أناسا
وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وداراه لباس: فجائز أن يكون كل واحد منهما سترًا لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس وقال أبو عبيد وغيره يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك قال رجل لعمر بن الخطاب
ألا أبلغ أبا حفص رسولا
ذذ … فدى لك من أخي ثقة إزاري
[ ١٠٥ ]
قال أبو عبيد: أي نسائي وقيل: نفسي وقال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن وقال مجاهد: أي سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض. [٢/ ٣١٢]
(٢١١) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
أي: هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها ف ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود: الحواجز. والحد المنع ومنه سمي الحديد حديدًا؛ لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن. وسمي البواب والسجان حدادًا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدخول فيها وسميت حدود الله؛ لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج منها ما هو منها ومنها سميت الحدود في المعاصي لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها ومنه سميت الحاد في العدة لأنها تمتنع من الزينة. [٢/ ٣٣٥]
(٢١٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل في هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به نفس مالكه أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة على ما يأتي بيانه في سورة النساء. [٢/ ٣٣٦]
[ ١٠٦ ]
(٢١٣) من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل فالحرام لا يصير حلالًا بقضاء القاضي لأنه إنما يقضي بالظاهر وهذا إجماع في الأموال وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنًا وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى وروى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار» وفي رواية: «فليحملها أو يذرها» وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج. [٢/ ٣٣٦]
(٢١٤) من قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
والمعنى في الآية: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة وهو كقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] وهو من قبيل قولك. لا تأكل السمك وتشرب اللبن وقيل المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها. قال ابن عطية: وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عُصم وهو الأقل وأيضًا فإن اللفظين متناسبان تُدلوا من إرسال الدلو
[ ١٠٧ ]
والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. [٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨] بتصرف
(٢١٥) من قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩].
الأهلة: جمع هلال … وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه كما قال:
أخوان من نجد على ثقة … والشهر مثل قلامة الظفر
قيل سمي شهرًا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر وليلتين من أوله وقيل لثلاث من أوله وقال الأصمعي: هو هلال حتى يحجر ويستدير كالخيط الرقيق وقيل بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع قال أبو العباس: وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه واستهل وجهه فرحًا وتهلل إذا ظهر فيه السرور.
قال أبو كبير:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلل
٢/ ٣٣٩]
(٢١٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأَيمان والحج والعِدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد.
[ ١٠٨ ]
أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت وأنه لا يجوز النسيء فيه عن وقته بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله قولهم وفعلهم ٢/ ٣٤٠، ٣٤١ بتصرف
(٢١٧) إذا رؤي الهلال كبيرًا فقال علماؤنا: لا يُعول على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلة روى مسلم عن أبي البختري قال: «خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين فقال: أي ليلة رأيتموه قال فقلت ليلة كذا وكذا فقال إن رسول الله ﷺ قال إن الله مدّه للرؤية» فهو لليلة رأيتموه. [٢/ ٣٤٢]
(٢١٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]
في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قُربة ولا نَدَبَ إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب قال ابن خويز منداد: إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة قال: وبذلك جاءت الآثار عن النبي ﷺ وذكر حديث ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا: هو أبو إسرائيل نذر
[ ١٠٩ ]
أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه فأبطل النبي ﷺ ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن. [٢/ ٣٤٤]
(٢١٩) من قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].
الحرمات جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة وإنما جمعت لأنه أراد حُرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام وحرمة الإحرام والحرمة: ما مُنِعْتَ من انتهاكه … والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع ف ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ على هذا متصل بما قبله ومتعلق به. [٢/ ٣٥٢]
(٢٢٠) من قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].
لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قَتَل بشيء قُتِلَ بمثل ما قَتَل به وهو قول الجمهور. [٢/ ٣٥٥]
(٢٢١) من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
الاعتداء هو التجاوز قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ومن شتمك فرد
[ ١١٠ ]
عليه مثل قوله ومن أخذ عرضك فخذ عرضه لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك فإن المعصية لا تقابل بالمعصية … وإن قال: يا زان فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور ولو قلت له يا زان كنت كاذبًا وأثمت في الكذب وإن مطلك وهو غني دون عذر فقل يا ظالم يا آكل أموال الناس قال النبي ﷺ: «لَيّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته» أما عرضه فبما فسرناه وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه. [٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩] بتصرف
(٢٢٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
المعنى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل ليس عندي ما أنفقه وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره والله أعلم.
قال ابن عباس أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم لا أجد شيئًا ونحوه عن السدي: أنفق ولو عقالًا ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول ليس عندي شيء. [٢/ ٣٦٠] بتصرف
- اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة وقيل: إذا طلب الشهادة
[ ١١١ ]
وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يُقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا. وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة فعمد رجل منهم فصنع فيلًا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه قاتلك فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين.
وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة قال رجل من المسلمين ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب.
قلت: ومن هذا ما روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا
قال: فلك الجنة فانغمس في العدو حتى قتل .. ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ بتصرف.
(٢٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله فقيل: أداؤهما والإتيان بهما وقيل: المراد تمامهما بعد الشروع فيهما … [٢/ ٢٦٣]
[ ١١٢ ]
(٢٢٤) لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز خلافًا لمن قال إنه مُثلة، ولو كان مُثلة ما جاز في الحج ولا غيره لأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم وكان علي بن أبي طالب ﵁ يحلق رأسه قال ابن عبدالبر: وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق. [٢/ ٣٨٠]
(٢٢٥) اختلف العلماء لم سمي المتمتع متمتعًا فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره سمي متمتعًا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد والوجه الأول أعم فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله وسقط عنه السفر لحجه من بلده وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وابن مسعود وقالا أو قال أحدهما: يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيًا. وقد أجمع المسلمون على جواز هذا وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين مرة في الحج ومرة في العمرة ورأى الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابًا ولذلك قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. [٢/ ٣٩٣]
[ ١١٣ ]
(٢٢٦) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
واختلفوا في معنى قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج: لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلًا منها لأنه لم يقل وسبعة أخرى- أزيل ذلك بالجملة من قوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ ثم قال ﴿كَامِلَةٌ﴾.
وقال الحسن: كاملة في الثواب كمن أهدى وقيل: كاملة في البدل عن الهدي يعني العشرة كلها بدل عن الهدي وقيل: كاملة في الثواب كمن لم يتمتع وقيل: لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقال المبرد: عشرة دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة وقيل هو توكيد كما تقول: كتبت بيدي.
ومنه قول الشاعر:
ثلاث واثنتان فهن خمس … وسادسة تميل إلى شمامي
فقوله خمس تأكيد
ومثله قول الآخر:
ثلاث بالغداة فذاك حسبي … وست حين يدركني العشاء
فذلك تسعة في اليوم ريي … وشرب المرء فوق الري داء
وقوله: كاملة: تأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: الله الله لا تقصر. [٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠]
[ ١١٤ ]
(٢٢٧) من قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
اختلف في الأشهر المعلومات فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة … وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دمًا فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته …
لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه لأنها كانت معلومة عندهم ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعله إنما رآه في ساعة منها فالوقت يذكر بعضه بكله كما قال النبي ﷺ: «أيام منى ثلاثة» وإنما هي يومان وبعض الثالث ويقولون: رأيتك اليوم وجئتك العام وقيل لما كان الاثنان وما فوقهما جمع قال أشهر والله أعلم. [٢/ ٤٠١ - ٤٠٢]
(٢٢٨) قال الفقهاء: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه وقال الفراء: هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ذكر القولين ابن العربي ﵀. قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة. [٢/ ٤٠٥]
[ ١١٥ ]
(٢٢٩) وقال آخر:
الموت بحر طامح موجه … تذهب فيه حيلة السابح
يا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح
لا يصحب الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح
[٢/ ٤٠٨]
(٢٣٠) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قيل: سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها وقيل: لأن آدم لما هبط وقع بالهند وحواء بجدة فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم عرفة.
قال ابن عطية: والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع وعرفة هي نَعمان الأراك وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطيب قال الله تعالى: «عرفها لكم» أي طيبها فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث والدماء فلذلك سميت عرفات. ويوم الوقوف يوم عرفة وقال بعضهم أصل هذين الاسمين من الصبر يقال رجل عارف إذا كان صابرًا خاشعًا ويقال في المثل: النفس عروف وما حملتها تتحمل. [٢/ ٤١٠ - ٤١١]
(٢٣١) من قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
[ ١١٦ ]
كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة فتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك حتى إن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين.
وقال ابن عباس: معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آبائهم وأمهاتهم: أبه أمه أي فاستغيثوا والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم.
وقالت طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حُرَمَهِ وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم وقال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل اليوم لا يذكر أباه فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عُصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما. [٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨]
(٢٣٢) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة. وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله فإن ﴿حَسَنَةً﴾ نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع.
وقيل: لم يرد حسنة واحدة بل أراد أعطنا في الدنيا عطية حسنة فحذف الاسم. [٢/ ٤٢٩]
[ ١١٧ ]
هذه الآية من جوامع الدعاء التي عمت الدنيا والآخرة قيل لأنس: ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: زدنا قال: ما تريدون قد سألت الدنيا والآخرة وفي الصحيحين عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ يقول: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، قال: «فكان أنس إذا أرد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه»، وفيه حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» ماله هجيرى غيرها. [٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠]
(٢٣٣) قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم. [٢/ ٤٣٢]
(٢٣٤) قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] هو الرجل يأخذ مالًا يحج به عن غيره فيكون له ثواب وروي عنه في هذه الآية: أن رجلًا قال يا رسول الله مات أبي ولم يحج أفأحج عنه؟ فقال النبي ﷺ: «لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي» قال: نعم قال: فدين الله أحق أن يقضى قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]» يعني من حجّ عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت. [٢/ ٤٣٣]
[ ١١٨ ]
(٢٣٥) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها وهي أيام رمي الجمار وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر فقف على ذلك. [٣/ ٥]
(٢٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]
.. والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه لقول عمر بن الخطاب ﵁ في صحيح البخاري (أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة. [٣/ ٢٠]
(٢٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]
والمعنى أشد المخاصمين خصومة أي هو ذو جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنة باطل وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». [٣/ ٢٠]
[ ١١٩ ]
(٢٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]
قال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض وقال عطاء: إن رجلًا كان يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي ﷺ أن ينزعها قال قتادة قلت لعطاء: إنا كنا نسمع أن يشقها فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد قلت فالآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. [٣/ ٢٢]
(٢٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوًا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا وقال عبد الله: كفى بالمرء إثمًا أن يقول له أخوه: اتق الله فيقول: عليك بنفسك مثلك يوصيني! [٣/ ٢٣]
(٢٤٠) ذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد فاختلف إلى بابه سنة فلم يقض حاجته فوقف يومًا على الباب فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فنزل هارون عن دابته وخر ساجدًا فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي قال: لا ولكن تذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [البقرة: ٢٠٦]
[ ١٢٠ ]
حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك: وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل، والمهاد جمع المهد وهو الموضع المهيأ للنوم ومنه مهد الصبي. [٣/ ٢٣]
(٢٤١) من قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وعسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ [التحريم: ٥] وقال أبو عبيدة: ﴿عَسَى﴾ من الله إيجاب والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات مات شهيدًا وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم.
قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأيّ بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته.
وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك
رب أمر تتقيه … جر أمرًا ترتضيه
خفي المحبوب منه … وبدا المكروه فيه
[٣/ ٤٠]
[ ١٢١ ]
(٢٤٢) عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم قال ابن عبدالبر: «ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث». [٣/ ٤٠]
(٢٤٣) من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه كما فعلتم برسول الله ﷺ وأصحابه أكبر جرمًا عند الله وقال عبد الله بن جحش ﵁:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم عن مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غلٌّ من القد عاند
[٣/ ٤٥]
[ ١٢٢ ]
(٢٤٤) من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨].
﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون ويستقربون وإنما قال ﴿يَرْجُونَ﴾ وقد مدحهم؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين أحدهما لا يدري بما يختم له والثاني: لئلا يتكل على عمله. [٣/ ٤٩]
(٢٤٥) من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئًا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة فكذلك تحريم الخمر وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر ثم بعده ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]، ثم قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. [٣/ ٥١]
(٢٤٦) روي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدًا ﷺ فقالوا: لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة فقال: إن خدمة الرب واجبة. فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء فقال اصطناع المعروف واجب فقيل له: إنه ينهى عن الزنى فقال: هو فحش وقبيح في العقل وقد
[ ١٢٣ ]
صرت شيخًا فلا أحتاج إليه فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. [٣/ ٥٤]
(٢٤٧) ثم إن الشارب (شارب الخمر) يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح وجهه حتى رؤي بعضهم يمسح بوجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله. [٣/ ٥٥]
(٢٤٨) من قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال العلماء: لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]- سؤالًا عن النفقة إلى من تصرف كما بيناه ودل عليه الجواب والجواب خرج على وفق السؤال كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الإنفاق وهو في شأن عمرو بن الجموح كما تقدم- فإنه لما نزل ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قال كم أنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعفو: ما سهل وتيسر وفضل ولم يشق على القلب إخراجه ومن قول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودتي … ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فالمعنى: أنفقوا ما فضل من حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة هذا أولى ما قيل في تأويل الآية. [٣/ ٩]
[ ١٢٤ ]
(٢٤٩) من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال المفضل بن سلمة: أي في أمر النفقة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها. [٣/ ٦٠]
(٢٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قال أبو عبيد: وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضيل على رفيقه فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس. [٣/ ٦٣]
(٢٥١) من قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم و﴿حَرْثٌ﴾ تشبيه؛ لأنهم مزروع الذرية فلفظ «الحرث» يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزروع وأنشد ثعلب:
إنما الأرحام أر … ضون لنا محترثات
[ ١٢٥ ]
فعلينا الزرع فيها … وعلى الله النبات
ففرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات فالحرث بمعنى المحترث. [٣/ ٩٠]
(٢٥٢) وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة.
وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا عليَّ كذبوا عليَّ كذبوا عليَّ! ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا موضع المنبت! [وما استدل به المخالف من أن قوله ﷿ ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها إذ هي مخصصة بما ذكرناه وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيًا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار. قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه وقد حذرنا من زلة العالم. [٣/ ٩١ - ٩٢] بتصرف
(٢٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
قال العلماء: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللًا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا
[ ١٢٦ ]
قال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس فيقال له: بر فيقول: قد حلفت. [٣/ ٩٤]
(٢٥٤) من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
التربص: التأني والتأخر مقلوب التصبر قال الشاعر:
تربص بها ريب المنون لعلها … تطلق يومًا أو يموت حليلها
وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهرًا تأديبًا لهن وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره … لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها أين زوجك؟ قالت: بعثت به إلى العراق فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن شهرين ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفذ صبرها في أربعة أشهر فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر
[ ١٢٧ ]
استرد الغازين ووجه بقوم آخرين وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر. [٣/ ١٠٤]
(٢٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
﴿وَلَهُنَّ﴾ أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن ولهذا قال ابن عباس «إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾».
قول ابن عباس: «إني لأتزين لامرأتي» قال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حفّ شاربه ليق به ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ذلك سمج ومقت لأن اللحية لم توفر بعد فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك … وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق فإنما يعمل على اللبق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من
[ ١٢٨ ]
الشباب والشيوخ زينة وهو حلي الرجال ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره وإن رأى الرجل من نفسه عجزًا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التي تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها. [٣/ ١١٨] بتصرف
(٢٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته وبالإنفاق وبالدية والميراث والجهاد وقال حميد: الدرجة اللحية وهذا إن صح عنه فهو ضعيف ولا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها.
قال ابن العربي: فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم وخصوصًا في كتاب الله تعالى ولا يخفى على لبيبٍ فضلُ الرجالِ على النساء ولو لم يكن إلا أن المرأة خُلقت من الرجل فهو أصلها وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه وقيل الدرجة الصداق قاله الشعبي، وقيل: جواز الأدب وعلى الجملة (فدرجة) تقتضي التفضيل وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه ولهذا قال ﵊: «ولو أمرت أحدًا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وقال ابن عباس: الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخُلق أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارع قال الماوردي: يحتمل أنها في حقوق النكاح له رفع العقد دونها ويلزمها
[ ١٢٩ ]
إجابته إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها قلت- ومن هذا قوله ﵊: «أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح». [٣/ ١١٩]
(٢٥٧) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الطلقة الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه واختلفوا فيما يكفي من النكاح وما الذي يبيح التحليل فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه: مجرد العقد كافي وقال الحسن بن أبي الحسن: لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل ويفسد الصوم ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق.
قال ابن العربي: ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها. فإن قلنا إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب وإن قلنا إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء وعلى هذا جماعة من العلماء إلا سعيد بن
[ ١٣٠ ]
المسيب فقال أما الناس فيقولون: لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني وأنا أقول: إذا تزوجها تزوجًا صحيحًا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول وهذا قول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، والسنة مستغنى بها عما سواها قلت: وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير ذكره النحاس في كتاب (معاني القرآن) له قال: وأهل العلم على أن النكاح هاهنا الجماع لأنه قال: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع إلا سعيد بن جبير فإنه قال: النكاح هاهنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها. قلت: وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والله أعلم. [٣/ ١٤٠، ١٤١]
(٢٥٨) قال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا؟ فقال بعض أصحابنا ليس على الزوجة خدمة وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة وإنما عقد على الاستمتاع والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره فلا تطالب بأكثر منه ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] وقال بعض أصحابنا: عليها خدمة مثلها فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك وإن كانت دون ذلك
[ ١٣١ ]
فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ألا ترى أن أزواج النبي ﷺ وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ولا يسوغ لها الامتناع بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ويأخذونهن بالخدمة فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك. [٣/ ١٤٦، ١٤٧]
(٢٥٩) من قوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ﴾ أي سنتين، من حال الشيء إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني وقيل: سمي العام حولًا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب.
﴿كَامِلَيْنِ﴾ قيد بالكمال لأن القائل قد يقول: أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولًا وبعض حول آخر قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتمًا فإنه يجوز الفطام قبل الحولين ولكنه تحديد
[ ١٣٢ ]
لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين. [٣/ ١٥٣، ١٥٤]
(٢٦٠) من قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
المعنى: لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارًا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع هذا قول جمهور المفسرين. [٣/ ١٥٩]
(٢٦١) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين. [٣/ ١٦٣]
(٢٦٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها تنبيه عليه لا يجوز وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما
[ ١٣٣ ]
هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وَجُوِّزَ ما عدا ذلك ومن أعظمه قربًا إلى التصريح قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: «كوني عند أم شريك ولا تسبقيني نفسك» ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعًا لأنها كالزوجة وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم. وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين: الأول: أن يذكر لوليها يقول له لا تسبقني بها والثاني: أن يشير بذلك إليها دون واسطة فيقول لها. إني أريد التزويج أو إنك لجميلة إنك لصالحة إن الله لسائق إليك خيرًا إني فيك لراغب ومن يرغب عنك إنك لنافقة وإن حاجتي في النساء وإن يقدر الله أمرًا يكن، هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب وقال ابن عباس لا بأس أن يقول: لا تسبقيني بنفسك ولا بأس أن يهدي إليها وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه قاله إبراهيم. وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريف بالزواج وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين قالت سكينة بنت حنظلة استأذن عليَّ محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله ﷺ وقرابتي من علي وموضعي في العرب. قلت: غفر الله لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك تخطبني في عدتي! قال إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومِنْ عَلي وقد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: لقد علمت
[ ١٣٤ ]
أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي» كانت تلك خطبة أخرجه الدارقطني. والهدية إلى المعتدة جائزة وهي من التعريض قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم. [٣/ ١٧٨، ١٧٩].
(٢٦٣) من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا﴾ خطاب لجمع الأمة والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وعدله واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال ثم سردها … الثاني: أنها العصر؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل … وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول أي -ابن عطية- واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره وأنصها حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة الوسطى صلاة العصر» خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. [٣/ ١٩٦ - ١٩٨] بتصرف
(٢٦٤) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة
[ ١٣٥ ]
الخوف الطارئة أحيانًا وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ورخص لعبيده في الصلاة رجالًا على الأقدام وركبانًا على الخيل والإبل ونحوها إيماءً وإشارة بالرأس حيثما توجه هذا قول العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية. [٣/ ٢١٣]
(٢٦٥) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
أصح الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارًا من الوباء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرجوا فرارًا من الطاعون فماتوا فدعا الله نبيٌ من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله. [٣/ ٢٢٠]
(٢٦٦) روى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدًا أن رسول الله ﷺ ذكر الوجع فقال: رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارًا منه.
قال الطبري في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها وأن عليه الصبر وترك
[ ١٣٦ ]
الجزع بعد نزولها وذلك أنه ﵊ نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارًا منه فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها سبيله في ذلك سبيل الطاعون وهذا المعنى نظير قوله ﵊: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا» قلت وهذا هو الصحيح في الباب وهو مقتضى قول الرسول ﵊ وعليه عمل أصحابه البررة الكرام ﵃ وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجًا عليه لما قال له: أفرارًا من قدر الله: فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى مجدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ﷿ فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. [٣/ ٢٢١، ٢٢٢]
(٢٦٧) يروى من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «فناء أمتي بالطعن والطاعون» قالت: «الطعن قد عرفنا فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط» قال العلماء: وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم وقد
[ ١٣٧ ]
يرسله شهادة ورحمة للصالحين كما قال معاذ في طاعون عمواس: إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم، اللهم أعط معاذًا وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه ﵁. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف دعوة نبيكم؟ فسألت عنها فقيل: دعا ﵊ أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا. [٣/ ٢٢٣، ٢٢٤]
(٢٦٨) ذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارًا له ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديًا يحدو خلفه
لن يُسبق الله على حمار … ولا على ذي منعة طيار
أو يأتي الحتف على مقدار … قد يصبح الله أمام الساري
وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبدالعزيز بن مروان فخرج هاربًا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر فقدم عليه حين نزلها رسول لعبدالملك بن مروان فقال له عبدالعزيز ما اسمك؟ فقال له: طالب بن مدرك فقال: أوه ما أراني راجعًا إلى الفسطاط فمات في تلك القرية. [٣/ ٢٢٥]
(٢٦٩) من قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].
عن عبدالله بن مسعود قال «لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا
[ ١٣٨ ]
أبا الدحداح» قال: أرني يدك، قال: فناوله، قال: فإني أقرضت الله حائطًا فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي قد أقرضت ربي ﷿ حائطًا فيه ستمائة نخلة» … قال ابن العربي: انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقسامًا فتفرقوا فرقًا ثلاثة: الفرقة الأولى الرذلى قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب فرد الله عليهم بقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرًا ولا أعانت أحدًا تكاسلا عن الطاعة وركونًا إلى هذه الدار.
الفرقة الثالثة: لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح ﵁ وغيره والله أعلم ٢٢٦، ٢٢٧ - ٢٢٨ بتصرف.
(٢٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]
استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ولهذه المبالغة لم يأت الكلام «ومن لم يشرب منه». ٣/ ٢٤٠]
[ ١٣٩ ]
(٢٧١) من قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وفي قولهم ﵃ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم) وفيه مُسْندٌ أن النبي ﷺ قال: «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة قال الله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥] فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقًا وغربًا برًا وبحرًا وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم. [٣/ ٢٤٣، ٢٤٤]
[ ١٤٠ ]
(٢٧٢)
لولا عباد للإله ركع … وصبية من اليتامى رضع
ومهملات في الفلاة رتع … صب عليكم العذاب الأوجع
[٣/ ٢٤٩]
(٢٧٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
قيل هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا وهذا قول حسن فإنه عمومٌ في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة. [٣/ ٢٤٩]
(٢٧٤) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولو عزم ومنهم من اتخذ خليلا ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥] وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
[ ١٤١ ]
قلت: وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما مُنح من الفضائل وأعطي من الوسائل وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدًا على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩] وقال لمحمد ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١، ٢] قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده.
قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم وحسبك بقوله الحق: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة وقال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦].
ثم قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] فعمَّ
[ ١٤٢ ]
وخص ونفى عنهم الشين والنقص ﵃ أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. [٣/ ٢٥١ - ٢٥٣] بتصرف
(٢٧٥) من قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
المكلم: موسى ﵇ وقد سئل رسول الله ﷺ عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: «نعم نبي مكلم» قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة فعلى هذا تبقى خاصية موسى وحذفت الهاء لطول الاسم والمعنى من كلمه الله. [٣/ ٢٥٣]
(٢٧٦) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية … روى الأئمة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم». قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال: قلت: «﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾» فضرب في صدري وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر».
وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا وهي خمسون كلمة … وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرة. [٣/ ٢٥٦ - ٢٥٩] بتصرف
(٢٧٧) قال ابن عطية في قول أبي موسى «الكرسي موضع القدمين» يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك فهو مخلوق
[ ١٤٣ ]
عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش نفسه وهذا ليس بمرضي والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه.
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أيّ ما أنزل الله عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي ثم قال: يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح وقال مجاهد: ما السموات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله ﷿ إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر العظيم. [٣/ ٢٦٦]
(٢٧٨) من قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أقوال … ثم ذكر الأول والثاني ثم قال: الثالث: ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بني النضر كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قال أبو داود: والمقلات التي لا يعيش لها ولد. في رواية إنما فعلنا ما
[ ١٤٤ ]
فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أوفى الأقوال لصحة إسناده وأن مثله لا يؤخذ بالرأي [٣/ ٢٦٨] بتصرف
(٢٧٩) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكًا إذ آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [النمل: ٦٤]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: ٦٨] أي: من حجة وقد وصف خصومة إبراهيم ﵇ قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها وقال في قصة نوح ﵇: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] الآيات إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ [هود: ٣٥] وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي فهو كله تعليم من الله ﷿ السؤال والجواب والمجادلة في الدين لأنه لا يظهر الفرق بين الحق
[ ١٤٥ ]
والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وجادل رسول الله ﷺ أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في آل عمران وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة وتجادل أصحاب رسول الله ﷺ يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة إلى غير ذلك مما يكثر إيراده وفي قول الله ﷿: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر قال المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله ﷿ وأن يقبل منها ما تبين وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف وإلا فهو مِراءٌ ومكابرة. [٣/ ٢٧٣]
(٢٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وأما قول النبي ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمعناه أن لو كان شاكًا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم والذي روي فيه عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلك محض الإيمان» إنما هو في الخواطر التي لا تثبت وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك
[ ١٤٦ ]
هو المنفي عن الخليل ﵇ وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون عن الكبائر وعن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا. [٣/ ٢٨٤]
(٢٨١) من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك وفي الكلام حذف مضاف تقديره: مثلُ نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، وطريق آخر: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت سبع سنابل يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل الزارع إن كان حاذقًا في عمله ويكون البذر جيدًا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر فكذلك المتصدق إذا كان صالحًا والمال طيبًا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر. خلافًا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة [٣/ ٢٨٨]
[ ١٤٧ ]
(٢٨٢) وفي هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ولذلك ضرب الله به المثل فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة».
والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار، ولقي عبد الله بن عبدالملك ابن شهاب الزهري فقال: دلني على مال أعالجه فأنشأ ابن شهاب يقول:
أقول لعبد الله يوم لقيته … وقد شد أحلاس المطي مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها … لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
فيؤتيك مالًا واسعًا ذا مثابة … إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا
وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في المنام يناولني مسحاة وقال خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. [٣/ ٣٩٠، ٣٩١] بتصرف
(٢٨٣) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]
المنُّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها .. والأذى: السب
[ ١٤٨ ]
والتشكي وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه وقال ابن زيد: لئن ظننتَ أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقًا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه (^١) فإن عندي أسهمًا وجعبة فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. [٣/ ٢٩٣] بتصرف
(٢٨٤) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمن أنفق في سبيل الله ولم يُتبعه مَنًّا ولا أذى كقوله: ما أشد إلحاحك! وخلصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمن الله له بالأجر والأجر الجنة ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته فقال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤] وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة على فضل الغني على الفقير. [٣/ ٢٩٣]
(٢٨٥) من قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣].
القول المعروف: هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذكر القول المعروف فيه
_________________
(١) يعني يأخذون النفقة لأكل الفواكه تمن عليهم بذلك.
[ ١٤٩ ]
أجر وهذه لا أجر فيها قال ﷺ: «الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» أخرجه مسلم فيتلقى السائل بالبشر والترحيب ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورًا إن أعطى ومعذورًا إن منع وقد قال بعض الحكماء: اِلقَ صاحب الحاجة بالبشر فإن عَدِمتَ شكره لم تَعدِم عُذره.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ المغفرة هنا: الستر للخَلة وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي وقد سأل قومًا بكلام فصيح فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال له: اللهم غفرًا! سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل المعنى: تجاوزٌ عن السائل إذ ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه مع المن والأذى وقال النحاس والمعنى والله أعلم. وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وتقديره في العربية: وفعل مغفرة ويجوز أن يكون مثل قولك. تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها. [٣/ ٢٩٤، ٢٩٥] بتصرف
(٢٨٦)
قد كنت ميتًا فصرت حيًا … وعن قليل تصير ميتًا
فاخرب بدار الفناء بيتًا … وابن بدار البقاء بيتًا
[٣/ ٢٩٥]
[ ١٥٠ ]
(٢٨٧) العرب تقول لما يُمَنُّ به يدٌ سوداء ولما يُعطى عن غير مسألة: يد بيضاء ولما يُعطى عن مسألة: يد خضراء وقال بعض البلغاء: من مَنَّ بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره.
أفسدت بالمن ما أسديت من حَسَنٍ … ليس الكريم إذا أسدى بمنان
وقال أبو بكر الوراق فأحسن:
أَحسنُ من كل حَسَن … في كل وقت وزمن
صنيعةٌ مربوبةٌ … خالية من المنن
وسمع ابن سيرين رجلًا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت! فقال له: اسكت فلا خير في المعروف إذا أُحصي ٣/ ٢٩٦
(٢٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
﴿وَتَثْبِيتًا﴾ معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم قاله مجاهد والحسن.
قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك وقيل: معناه: تصديقًا ويقينًا قاله ابن عباس: وقال ابن عباس أيضًا وقتادة: معناه واحتسابًا من أنفسهم وقال الشعبي … ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ معناه: وتيقنًا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتًا وهذه الأقوال الثلاثة أصوب من قول الحسن ومجاهد. [٣/ ٢٩٨]
[ ١٥١ ]
(٢٨٩) من قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
والربوة: المكان المرتفع ارتفاعًا يسيرًا معه في الأغلب كثافة تراب وما كان كذلك فنباته أحسن ولذلك خص الربوة بالذكر. قال ابن عطية: ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق ونجد يقال لها حزن وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل. ولذلك قالت الأعرابية: زوجي كليل تهامة. [٣/ ٢٩٩]
(٢٩٠) … فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة بخلاف الصفوان الذي انكشف عن ترابه فبقي صلدًا وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم» خرجه الموطأ أيضًا. [٣/ ٣٠١]
(٢٩١) من قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]
قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب رسول الله ﷺ: فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس:
[ ١٥٢ ]
في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله ﷿ له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله.
في رواية: فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء فرضي ذلك عمر وروى ابن أبي مليكة: أن عمر تلا هذه الآية وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء.
قال ابن عطية: فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. [٣/ ٣٠٢]
(٢٩٢) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
قال ابن عطية: والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوع ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد والآية تعم الوجهين.
لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر ودرهم خير من تمرة.
[ ١٥٣ ]
تمسك أصحاب الندب بأن لفظة أفعل صالح للندب صلاحيته للفرض والرديء منهي عنه في النفل كما هو منهي عنه في الفرض والله أحق من اختير له.
قال ابن خويز منداد: ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده وذلك أن النبي ﷺ قال: «أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئًا». [٣/ ٣٠٤] بتصرف
(٢٩٣) من قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]
﴿يَعِدُكُمُ﴾ معناه: يخوفكم ﴿الْفَقْرَ﴾ أي بالفقر لئلا تنفقوا … قال ابن عباس في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشيطان لمة وللملك لمة فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان - ثم قرأ - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]»، قال: «هذا حديث حسن صحيح». [٣/ ٣١١ - ٣١٢] بتصرف
(٢٩٤) من قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو
[ ١٥٤ ]
فعل فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس فكتاب الله حكمة وسنة نبيه ﷺ حكمة وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة.
وأصل الحكمة ما يُمتنع به من السَفة فقيل للعلم حكمة لأنه يُمتنع به وبه يعلم الامتناع من السفة وهو كل فعل قبيح …
وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده … أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاري قال: كان يقال إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم قال مروان: يعني بالحكمة القرآن. [٣/ ٣١٣] بتصرف
(٢٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]
يقال: إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها لأنه قال لأولئك ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] وسمي هذا خيرًا كثيرًا لأن هذا هو جوامع الكلم وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعًا قليلًا فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] وسمى العلم والقرآن ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. [٣/ ٣١٣ - ٣١٤]
[ ١٥٥ ]
(٢٩٦) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها وليس كذلك الواجبات قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن وإخفاء التطوع أفضل لأنه أدل على أنه يراد الله ﷿ به وحده قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفًا وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفًا. قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ٣/ ٣١٥
قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثناء على إبداء الصدقة ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره
قال دعبل الخزاعي:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم … وإن أنعموا أنعموا باكتتام
وقال سهل بن هارون:
خِلٌ إذا جئته يومًا لتسأله … أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يُخفي صنائعه والله يظهرها … إن الجميل إذا أَخفيته ظَهرا
وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: لا يتم المعروف إلا بثلاث
[ ١٥٦ ]
خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا أعجلته هنيته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتممته.
وقال بعض الشعراء فأحسن
زاد معروفك عندي عِظَمًا … أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته … وهو عند الناس مشهور حقير
[٣/ ٣١٧]
(٢٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
وحكي عن بعض العلماء كان يصنع كثيرًا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرًا فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي ويتلو ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. [٣/ ٣٢١]
(٢٩٨) من قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله ﷺ غير مرضى ولا عميان. [٣/ ٣٢٣].
[ ١٥٧ ]
(٢٩٩) من قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
فيه دليل على أن للسيما أثرًا في اعتبار من يظهر عليه ذلك حتى إذا رأينا ميتًا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي في التجمل. واتفق العلماء على ذلك وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة والشافعي اعتبر قوت سنة ومالك اعتبر أربعين درهمًا والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب ٣/ ٣٢٤].
(٣٠٠) من قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
اختلف العلماء في معنى قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ على قولين فقال قوم منهم الطبري والزجاج إن المعنى لا يسألون البتة وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى هذا جمهور المفسرين ويكون التعفف صفة ثابتة لهم أي لا يسألون الناس إلحاحًا ولا غير إلحاح وقال قوم: إن المراد نفي الإلحاف أي إنهم يسألون غير إلحاف وهذا هو السابق للفهم أي يسألون غير ملحفين وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافًا. [٣/ ٣٢٥]
[ ١٥٨ ]
(٣٠١) قال ابن عبدالبر: من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه. قيل لأبي عبدالله: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر قيل له: فإن تعفف؛ قال ذلك خير له ثم قال: ما أظن أحدًا يموت من الجوع الله يأتيه برزقه ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من استعف أعفه الله ».
فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده إذ هو رزق رزقه الله خرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول كان النبي ﷺ يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني حتى إذا أعطاني مرة مالًا فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله ﷺ: «خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك» زاد النسائي بعد قوله: «خذه- فتموله أو تصدق به» …
قال الأثرم سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يُسأل عن قول النبي ﷺ: «ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف» أي الإشراف أراد؟ فقال أن تستشرفه وتقول: لعله يُبعثُ إليَّ بقلبك قيل له وإن لم يتعرض؟ قال نعم إنما هو بالقلب قيل له: هذا شديد قال: وإن كان شديدًا فهو هكذا. قيل له: فإن كان الرجل لم يُعودني في أن يرسل إلي شيئًا إلا أنه قد عرض بقلبي فقلت: عسى أن يبعث إلي قال: هذا إشراف فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر
[ ١٥٩ ]
على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف قال أبو عمر: الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه وأن يهش الإنسان ويتعرض وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد؛ لأن الله تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة وأما ما اعتقده القلب من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع. [٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨] بتصرف
(٣٠٢) فإن كان محتاجًا إلى ما يُقيم به سُنَّة كالتجمل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربي: سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلًا يقول: هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابًا أخر فقيل لي: كساها إياها أبو الطاهر البرسني. [٣/ ٣٢٩]
(٣٠٣) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال: كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا
[ ١٦٠ ]
وأعوذ بك أن أموت لديغًا» و… عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام» والمس: الجنون يقال: مُس الرجل وأَلِسِ فهو ممسوس ومألوس إذا كان مجنونًا وذلك علامة الربا في الآخرة. [٣/ ٣٣٧]
(٣٠٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
أي: إنما الزيادة عند حلول الأجل آخِرًا كمثل أصل الثمن في أول العقد وذلك أن العرب كانت لا تعرف رِبًا إلا ذلك فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تربي أي تزيد في الدين فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أُنظر إلى الميسرة، وهذا الربا هو الذي نسخه النبي ﷺ بقوله يوم عرفة لما قال: «ألا إن كل ربًا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»؛ فبدأ ﷺ بعمه وأخص الناس به وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس. [٣/ ٣٣٩].
(٣٠٥) البيع في اللغة: مصدر باع كذا بكذا أي دفع عوضًا وأخذ معوضًا وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته ومبتاعًا وهو الذي يبذل الثمن ومبيعًا وهو المثمون وهو الذي يبذل في مقابلته الثمن وعلى هذا فأركان البيع أربعة البائع والمبتاع والثمن والمثمن. ثم المعاوضة عند
[ ١٦١ ]
العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه فإن كان أحد المعوضين في مقابلة الرقبة سمي بيعًا، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة: فإن كانت منفعة بضع سمي نكاحًا، وإن كانت منفعة غيرها سمي إجارة وإن كان عينًا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف وإن كان بدين مؤجل فهو السلم. [٣/ ٣٣٩]
(٣٠٦) ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال يا أبا عبدالله، إني رأيت رجلا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى انظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له امرأتك طالق إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فلم أر شيئًا أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب. [٣/ ٣٤٦]
(٣٠٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مع قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالمًا فإن الله تعالى يقول ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فجعل له المطالبة برأس ماله فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. [٣/ ٣٥٣].
[ ١٦٢ ]
(٣٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرًا من إنظاره.
روى أبو جعفر الطحاوي عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ: «من أنظر معسرًا كان له بكل يوم صدقة» ثم قلت: بكل يوم صدقة قال: فقال: بكل يوم صدقة ما لم يحل الدين فإذا أنظره بعد الحل فله بكل يوم مثله صدقة. وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال: قال الله ﷿: نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه. وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر فقال: آلله؟ قال: آلله قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن مُعْسرٍ أو يضع عنه».
وفي حديث أبي اليسر الطويل واسمه كعب بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله» ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علم عسرة غريمه أو ظنها حرمت عليه مطالبته وإن لم
[ ١٦٣ ]
تثبت عُسرته عند الحاكم وإنظار المعسر تأخيره إلى أن يوسر والوضع عنه إسقاط الدين عن ذمته وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له: إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل. [٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧] بتصرف
(٣٠٩) من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبي ﷺ بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء والآية وعظ لجميع الناس وأمرٌ يخص كل إنسان .. قال ابن جني: كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقًا بهم. وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية. [٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨] بتصرف
(٣١٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ذهب بعض الناس إلى أن كَتْبَ الديون واجب على أربابها فرض بهذه الآية بيعًا كان أو قرضًا لئلا يقع فيه نسيان أو جحود وهو اختيار الطبري وقال ابن جريج: من أدان فليكتب ومن باع فليشهد … وقال الجمهور: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب. وإذا كان الغريم تقيًا فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق.
[ ١٦٤ ]
قال بعضهم: إن أشهدت فحزم وإن أئتمنت ففي حل وسعة. ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح. [٣/ ٣٦٤]
(٣١١) قوله تعالى: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالحق والمعدلة أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل … قال مالك -رحمه الله تعالى-: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. [٣/ ٣٦٥]
(٣١٢) قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وهو المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه. والإملاء والإملال لغتان أملّ وأملَى فأملّ لغة أهل الحجاز وبني أسد وتميم تقول: أمليت وجاء القرآن باللغتين قال ﷿: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]، والأصل أمللت أبدل من اللام ياء لأنه أخف فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره وأمره تعالى بالتقوى فيما يُملّ ونهى عن أن يبخس شيئًا من الحق والبخس النقص. [٣/ ٣٦٦]
(٣١٣) قوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في الزنا … وشهيد بناء مبالغة وفي ذلك دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه فكأنه إشارة إلى العدالة والله أعلم. [٣/ ٣٧٠]
[ ١٦٥ ]
(٣١٤) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أي: إن لم يكن المستشهد رجلين أي: إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما فليستشهد رجلًا وامرأتين فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية ولم يذكرها في غيرها فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور بشرط أن يكون معهما رجل وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها فجعل فيها التوثق تارة بالكتبة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. [٣/ ٣٧٢]
(٣١٥) قال علماؤنا: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية وذلك يتم بأن يكون مجتنبًا للكبائر محافظًا على مروءته وعلى ترك الصغائر ظاهر الأمانة غير مغفل. وقيل: صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل والمعنى متقارب. [٣/ ٣٧٦]
(٣١٦) لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة وهي قبول قول الغير على الغير شرط تعالى فيها الرضا والعدالة فمن حِكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات
[ ١٦٦ ]
والعلامات عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام. [٣/ ٣٧٦].
(٣١٧) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
﴿تَسْأَمُوا﴾ معناه: تملوا ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان من الضمير في ﴿تَكْتُبُوهُ﴾، وقدم الصغير اهتمامًا به وهذا النهي عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا الكَتْب ويقول أحدهم: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه فأكد تعالى التحضيض في القليل والكثير قال علماؤنا: إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارًا وإنكارًا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ معناه أعدل يعني أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أي أصح وأحفظ (وأدنى) معناه أقرب و﴿تَرْتَابُوا﴾ تشكوا. [٣/ ٣٨١] بتصرف.
(٣١٨) قوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدين فكان الكتاب توثقًا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب فأما إذا تفاضلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاعه من صاحبه فيقل في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة. [٣/ ٣٨٢]
(٣١٩) قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه أي يجعل في قلبه نورًا يفهم به ما يلقى إليه وقد يجعل الله
[ ١٦٧ ]
في قلبه ابتداء فرقانًا أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] والله أعلم. [٣/ ٣٨٦]
(٣٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
اعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البين ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين لئلا يسول الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حد له الشرع أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق ولأجله حرم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدي إلى الاختلاف وفساد ذات البين وإيقاع التضاغن والتباين فمن ذلك ما حرمه الله من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدين قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] الآية. [٣/ ٣٩٥]
(٣٢١) روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». وروى النسائي عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها استدانت فقيل: يا أم المؤمنين تستدينين وليس عندك وفاء!
[ ١٦٨ ]
قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ دينًا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عليه» وروى الطحاوي وأبو جعفر الطبري والحارث بن أبي أسامة في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تخيفوا الأنفس بعد أمنها» قالوا يا رسول الله وما ذاك؟ قال: «الدين» وروى البخاري عن أنس عن النبي ﷺ في دعاء ذكره: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال».
قال العلماء: ضلع الدين هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه وهو مأخوذ من قول العرب حِمْل مُضْلِع أي ثقيل ودابة مُضْلِع لا تقوى على الحمل قاله صاحب العين.
قال علماؤنا: وإنما كان -الدين- شينًا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم اللازم في قضائه والتذلل للغريم عند لقائه وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف أو يحدث الغريم بسببه فيكذب أو يحلف له فيحنث إلى غير ذلك ولهذا كان ﵊ يتعوذ من المأثم والمغرم وهو الدين فقيل له يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟ فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» وأيضًا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به كما قال ﵊: «نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يُقضى عنه» وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله والله أعلم. [٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧] بتصرف
[ ١٦٩ ]
(٣٢٢) ومتى صح القصد فجمعه - أي المال - أفضل بلا خلاف عند العلماء وكان سعيد بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه فإن مات تركه ميراثًا لمن بعده. وخلّف ابن المسيب أربعمائة دينار وخلف سفيان الثوري مائتين وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء وإنما تحاماه قوم منهم إيثارًا للتشاغل بالعبادات وجمع الهم فقنعوا باليسير فلو قال هذا القائل: إن التقليل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم قلت: ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها. قال ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد». [٣/ ٤٠٠ - ٤٠١].
(٣٢٣) من قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
التكليف هو الأمر بما يشق عليه وتكلفت الأمر تجشمته حكاه الجوهري.
والوسع: الطاقة والجِدة وهذا خبر جزم نص الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر وفي معنى الآية ما حكاه أبو هريرة ﵁ قال: ما وددت أن أحدًا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب فإني تبعته يومًا وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثاره فشقه بين أيدينا فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرُّبِّ وهو يقول:
[ ١٧٠ ]
ما كلف الله نفسًا فوق طاقتها … ولا تجود يد إلا بما تجد
[٣/ ٤٠٩]
(٣٢٤) من قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يريد من الحسنات والسيئات … وهو مثل قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان.
وجاءت العبارة في الحسنات ب ﴿لَهَا﴾ من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه وجاءت في السيئات ب ﴿وَعَلَيْهَا﴾ من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة وهذا كما نقول لي مال وعلي دين، وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنًا لنمط الكلام كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧]. قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازًا لهذا المعنى. [٣/ ٤١٠] بتصرف
(٣٢٥) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
المعنى: اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما كقوله
[ ١٧١ ]
﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أي إثم ذلك وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانًا ويعرف ذلك في الفروع. [٣/ ٤١١]
(٣٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي عن ذنوبنا، عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: استر على ذنوبنا، والغفر: الستر ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي: تفضل برحمة مبتدئًا منك علينا ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي ولينا وناصرنا- وخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون روي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة أي سورة البقرة قال آمين. قال ابن عطية: هذا يظن به أنه رواه عن النبي ﷺ فإن كان ذلك فكمال وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن. [٣/ ٤١٢ - ٤١٣]
(٣٢٧) الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة [٢٨٥ - ٢٨٦] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ
[ ١٧٢ ]
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.
قال علي بن أبي طالب: «ما أظن أن أحدًا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما».
قلت: قد روى مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» قيل: من قيام الليل. وقيل: كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان.
وأسند أبو عمرو الداني عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال».
قال المحقق: تنبيه: وقع عند المصنف (القرطبي) فأنزل منه هذه الثلاث آيات والذي عند الترمذي وغيره وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة) … وروي أن النبي ﷺ قال: «أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي» وهذا صحيح. [٣/ ٤١١ - ٤١٢] بتصرف
[ ١٧٣ ]