(١٣٣٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ [الفجر: ٢٧].
لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فَاتْهَمَ الله في إغنائه وإفقاره ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى، فسلم لأمره، واتكل عليه.
وقيل: هو من قول الملائكة لأولياء الله ﷿. والنفس المطمئنة الساكنة الموقنة، أيقنت أن الله ربها فأخبتت لذلك. قاله مجاهد وغيره.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨]، أي: إلى صاحبك وجسدك. قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء، واختاره الطبري، ودليله قراءة ابن عباس: ﴿فَادْخُلِي فِي عَبْدِيْ (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٩] على التوحيد، فيأمر الله تعالى الأرواح غدًا أن ترجع إلى الأجساد. [٢٠/ ٥٢]
(١٣٣٨) منه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤].
لم يخلق الله جل ثناؤه دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصابًا. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال ابن كيسان: «منتصبًا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه».
قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطًا، وشد رباطًا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب
[ ٦٣٤ ]
وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن. ويكابد محنًا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار. [٢٠/ ٥٦ - ٥٧] (بتصرف).
(١٣٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١].
قال الحسن: «هي والله عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان».
وأنشد بعضهم:
إني بليت بأربع يرمينني … بالنبل قد نصبوا علي شراكا
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … من أين أرجو بينهن فكاكا
يا رب ساعدني بعفو إنني … أصبحت لا أرجو لهن سواكا
[٢٠/ ٦١]
(١٣٤٠) من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨].
في «صحيح مسلم» عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن
[ ٦٣٥ ]
حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ومضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظُلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا. وقلت: كل شيء خَلْق الله ومِلك يده فلا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، فقال لي: يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم، ومضى فيهم من قَدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيءقضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾. [٢٠/ ٦٩].
(١٣٤١) من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ أي: من زكى نفسه بالطاعة، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ أي: خسرت نفس دسها الله ﷿ بالمعصية.
وقال ابن عباس: «خابت نفس أضلها وأغواها».
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال وخاب من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة وغيره.
فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر شَهَر نفسه ورفعها وكانت
[ ٦٣٦ ]
أجواد العرب تنزل الرُّبا وارتفاع الأرض ليشتهر مكانها للمعتفين -أي طالبي الفضل والرزق- وتوقد النار في الليل للطارقين، وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام ليخفى مكانها عن الطالبين.
فأولئك عَلَّوا أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها وكذا الفاجر أبدًا خفي المكان، زَمِرُ المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. [٢٠/ ٧٠] بتصرف
(١٣٤٢) من قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤].
أي: عقرها الأشقى، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رَضوا بفعله.
وقال قتادة: «ذُكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم». [٢٠/ ٧١]