ورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة وكان لعروة البارقي سبعون فرسًا معدة للجهاد. [٨/ ٣٧]
(٦٢٤) قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس ﵁ عن سورة براءة فقال: تلك الفاضحة ما زال ينزل: ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحدًا. قال القشيري: هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت بعدها، وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم، وفي السورة كشف أسرار المنافقين وتسمى الفاضحة والبحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة: البحث. [٨/ ٦٠]
(٦٢٥) اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال … والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل ﵇ ما نزل بها في هذه السورة. قاله القشيري. [٨/ ٩٤]
(٦٢٦) من قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ الآية [التوبة: ٢].
خرج عمرو بن سالم الخزاعي وبُديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة فقدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش وأنشده عمرو بن سالم فقال:
يا رب إني ناشد محمدًا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنت لنا أبا وكنا ولدا … ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرًا عتدا … وادع عباد الله يأتوا مددا
[ ٣١٦ ]
فيهم رسول الله قد تجردا … أبيض مثل الشمس ينموا صعدا
إن سيم خسفًا وجهه تربدا … في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشًا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست تدعوا أحدا … وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا … وقتلونا ركعًا وسجدًا
فقال رسول الله ﷺ: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب». [٨/ ٦٣]
(٦٢٧) من قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]
اعلم أن مطلق قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق ﵁ حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية وكذلك إحراق علي ﵁ قومًا من أهل الردة يجوز أن يكون ميلًا إلى هذا المذهب واعتمادًا على عموم اللفظ والله أعلم. [٨/ ٦٩]
(٦٢٨) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
قال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة وأبى الله يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال ابن مسعود: «أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له». [٨/ ٧٦]
[ ٣١٧ ]
(٦٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢].
استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه. وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ عليه القتل وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. وروي أن رجلًا قال في مجلس علي: ما قُتل كعب بن الأشرف إلا غدرًا فأمر علي بضرب عنقه … [٨/ ٧٧]
(٦٣٠) فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل الله في الكافرين ومعلوم أن أحكامهم مختلفة. قيل له: لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين وقد قال عمر: إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق -الحملان المشوية- وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وهذه الآية نص في الكفار ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع وهذا نفيس وبه يزول الإشكال ويرتفع الإبهام والله أعلم. [٨/ ٨٥]
[ ٣١٨ ]
(٦٣١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨].
في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرًا وأمر الله وقسمه مفعولًا ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» أخرجه الترمذي وغيره فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق. [٨/ ١٨]
(٦٣٢) أهل الصفة كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ليس لهم كسب ولا مال إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله ﷺ ويقرأون القرآن بالليل ويصلون هكذا وصفهم البخاري وغيره فكانوا يتسببون وكان ﷺ إذا جاءته هدية أكلها معهم وإن كانت صدقة خصهم بها فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا -كأبي هريرة وغيره- وما قعدوا … بتصرف. [٨/ ٩٩]
(٦٣٣) الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع: -
أعلاها: كسب نبينا ﷺ قال: «جعل رزقي تحت ظل رمحي
[ ٣١٩ ]
وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» خرجه الترمذي وصححه فجعل الله رزق نبيه ﷺ في كسبه لفضله وخصه بأفضل أنواع الكسب وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه.
الثاني: أكل الرجل من عمل يده قال ﷺ: «إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» خرجه البخاري وفي التنزيل: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وروي أن عيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه.
الثالث: التجارة وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم وخاصةً المهاجرين وقد دل عليها التنزيل في غير موضع.
الرابع: الحرث والغرس وقد بيناه في سورة البقرة.
الخامس: إقراء القرآن وتعليمه والرقية وقد مضى في الفاتحة.
السادس: يأخذ بنية الأداء إذا احتاج قال ﷺ: «من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرجه البخاري. [٨/ ١٠٠]
(٦٣٤) من قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها فقال: ﴿قَاتِلُوا﴾؛ وذلك أمر بالعقوبة.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة.
[ ٣٢٠ ]
وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد.
ثم قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ زيادة للذنب في مخالفة الأعمال.
ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى تأكيد المعصية والانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام.
ثم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تأكيد للحجة لأنهم كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به. [٨/ ١٠١]
(٦٣٥) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠].
قيل: معناه التأكيد كما قال تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ [الحاقة: ١٣].
وقيل: المعنى أنه لما كان قولٌ ساذج ليس فيه بيان ولا برهان وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدًا فهو كذب وقول لساني فقط بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضدها الأدلة ويقوم عليها البرهان.
قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن
[ ٣٢١ ]
إلا وكان قولًا زورًا كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]، و﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]. [٨/ ١٠٨]
(٦٣٦) من قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
أي: لعنهم الله يعني اليهود والنصارى لأن الملعون كالمقتول. قال ابن جريج: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ هو بمعنى التعجب وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
ومنه قول أبان بن تغلب:
قاتلها الله تلحاني وقد علمت … أَنّى لنفسي إفسادي وإصلاحي
وحكى النقاش أن أصل (قاتل الله) الدعاء ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر وهم لا يريدون الدعاء وأنشد الأصمعي:
يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني … وأخبر الناس أني لا أباليها
[٨/ ١٠٩]
(٦٣٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦].
هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها
[ ٣٢٢ ]
العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرًا لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. [٨/ ١٢٣]
(٦٣٨) من قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
الأشهر الحرم المذكورة في هذه الآية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان وهو رجب مضر وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبًا وكانت مضر تحرم رجبًا نفسه فلذلك قال النبي ﷺ فيه: «الذي بين جمادى وشعبان» ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان وكانت العرب أيضًا تسميه (مُنْصِلُ الأسنة) روى البخاري عن أبي رجاء العُطاردي. قال كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة فلم ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه. [٨/ ١٢٣]
(٦٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
في الظلم قولان أحدهما: لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور. وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي
[ ٣٢٣ ]
رباح أنه ما يحل للناس: أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يُقَاتَلوا فيها وما نسخت والصحيح الأول: لأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفًا بالطائف وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة.
الثاني: لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب لأن الله سبحانه إذا عظم شيئًا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. [٨/ ١٢٣]
(٦٤٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].
خَصَّ الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. [٨/ ١٥١]
(٦٤١) فإن جاء وادعى وصفًا من الأوصاف [أي الخاصة بأهل الزكاة] هل يقبل قوله أم لا ويقال له أثبت ما تقول.
فأما الدَّيْنُ فلا بد أن يثبته وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له
[ ٣٢٤ ]
ويُكتفى به فيها والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح وهو ظاهر القرآن روى مسلم عن جرير قال كنا عند النبي ﷺ في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب.
الحديث وفيه قال: «فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب …» الحديث. فاكتفى ﷺ بظاهر حالهم وحث على الصدقة ولم يطلب منهم بينة ولا استقصى هل عندهم مال أم لا. ومثله حديث أبرص وأقرع وأعمى أخرجه مسلم وغيره وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على فقره من عيال أو غيره لايكشف عنه خلافًا لمن قال يكشف عنه إن قدر فإن في الحديث: «فقال رجل مسكين وابن سبيل أسألك شاة» ولم يكلفه إثبات السفر. فأما المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لأن الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية. [٨/ ١٧٢]
(٦٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف
[ ٣٢٥ ]
وقال في المنافقين ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] لأن قلوبهم مختلفة ولكن يُضَّمُ بعضهم إلى بعض في الحكم. [٨/ ١٨٦]
(٦٤٣) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].
الخطاب للنبي ﷺ وتدخل فيه أمته من بعده قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفار وقال ابن عباس: أُمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: جاهد المنافقين بيدك فإن لم تستطع فبلسانك فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم. [٨/ ١٨٧]
(٦٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].
أخرج البخاري في الأدب المفرد والقضاعي وأحمد من حديث أبي هريرة قوله ﵊: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيب الله ﷿ من أمنيته» أي من عاقبتها فرب أمنية يفتتن بها أو يطغى فتكون سببًا للهلاك دنيا وأخرى لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها، خطرة غائلتها، وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها. [٨/ ١٩٣]
(٦٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢].
قال الحسن: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في جهنم وقيل
[ ٣٢٦ ]
هو أمر بمعنى الخبر أي إنهم سيضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا ﴿جَزَاءً﴾ مفعول من أجله أي للجزاء.
من الناس من كان لا يضحك اهتمامًا بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة الخوف وإن كان عبدًا صالحًا قال ﷺ: «والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا …» الحديث.
وكان الحسن البصري ممن غلب عليه الحزن فكان لا يضحك وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول الله أضحك وأبكى وكان الصحابة يضحكون إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم وهو من فعل السفهاء والبطالة وفي الخبر «أن كثرته تميت القلب» وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود. [٨/ ١٩٨].
(٦٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ٩٠].
المعذرون بالتشديد فيه قولان: أحدهما: أنه يكون المحقّ فهو في المعنى المعتذر لأن له عذرًا والقول الآخر أن المعذّر قد يكون غير محق وهو الذي يعتذر ولا عذر له وكان ابن عباس يقول: «لعن الله المعذِّرين» كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالًا من غير حقيقة له في العذر … سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم، قال: لأنهم جاءوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. [٨/ ٢٠٥] بتصرف.
[ ٣٢٧ ]
(٦٤٧) من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١].
الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز فكل من عجز عن شيء سقط عنه فتارة إلى بدل هو فعل وتارة إلى بدل هو غرم ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال. [٨/ ٢٠٧].
(٦٤٨) من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: في موضع رفع اسم ما أي من طريق إلى العقوبة وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن. [٨/ ٢٠٨]
(٦٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
وقيل نزلت في بني مقرّن وعلى هذا جمهور المفسرين- وكانوا سبعة إخوة كلهم صحبوا النبي ﷺ وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان (وعبد الله وعبدالرحمن) (^١) بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله ﷺ ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبدالبر وجماعة- في هذه المكرمة غيرهم. وقد قيل إنهم شهدوا الخندق كلهم. [٨/ ٢٠٩]
_________________
(١) إضافة من المحقق.
[ ٣٢٨ ]
(٦٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢].
في قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ما يستدل به على قرائن الأحوال ثم منها ما يفيد العلم الضروري ومنها ما يحتمل الترديد:
فالأول: كمن يمر على دار قد علا فيها النعي وخمشت الخدود وحلقت الشعور وسُلِقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثبور فيعلم أنه قد مات.
وأما الثاني: فكدموع الأيتام على أبواب الحكام قال الله تعالى مخبرًا عن إخوة يوسف ﵇:: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦] وهم الكاذبون، قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها وقال الشاعر:
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تباكى
[٨/ ٢١٠]
(٦٥١) من قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧].
لما ذكر تعالى أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجًا منها ونائيًا عنها من الأعراب فقال كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن وقيل لأنهم أقسى قلبًا وأجفى قولًا وأغلظ طبعًا وأبعد عن سماع التنزيل. [٨/ ٢١٢ - ٢١٤] بتصرف
[ ٣٢٩ ]
(٦٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].
والأنصار اسم إسلامي قيل لأنس بن مالك أرأيت قول الناس لكم: الأنصار اسم سماكم الله به أم كنتم تُدعون به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن، ذكره أبو عمر في الاستذكار. [٨/ ٢١٥]
(٦٥٣) روى مجالد عن الشعبي قال سألت ابن عباس من أول الناس إسلامًا؟ قال: أبو بكر أو ما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها … بعد النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهدُه … وأول الناس منهم صدق الرسلا
[٨/ ٢١٦]
(٦٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة وهم سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد وأبو سلمة بن عبدالرحمن وعبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال:
فخذهم عبيد الله عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب فقيل له: فعلقمة
[ ٣٣٠ ]
والأسود فقال سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود، وعنه أيضًا قال: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان ومسروق هؤلاء كانوا فاضلين ومن عِلْية التابعين، وقال أيضًا: كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أكثر الناس عنهم. وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال: سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبدالرحمن وثالثتهما وليست كهما أم الدرداء. [٨/ ٢١٨]
(٦٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].
معنى ﴿مَرَدُوا﴾ أقاموا ولم يتوبوا عن ابن زيد. وقال غيره: لجوا فيه وأبوا غيره. والمعنى متقارب.
وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء لا نبت فيها وغصن أمرد لا ورق عليه وفرس أمرد لا شعر على ثنته وغلام أمرد بين المرد ولا يقال جارية مرداء وتمريد البناء تمليسه ومنه قوله: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] وتمريد الغصن تجريده من الورق. [٨/ ٢٢٠]
(٦٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢].
وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة فهي ترجي، ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله
[ ٣٣١ ]
تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ … الآية. وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: «أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ وشطره كأقبح ما أنت راءٍ قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا: أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم». [٨/ ٢٢٢]
(٦٥٧) الخطاب من القرآن لم يرد بابًا واحدًا ولكن اختلفت موارده على وجوه فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].
ومنها خطاب خص به النبي ﷺ ولم يشركه فيه غيره لفظًا ولا معنى كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ومنها خطاب خص به لفظًا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. بتصرف [٨/ ٢٢٣]
(٦٥٨) من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
قوله تعالى: ﴿صَدَقَةً﴾ مأخوذ من الصدق إذ هي دليل على صحة إيمانه
[ ٣٣٢ ]
وصدق باطنه مع ظاهره وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات.
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ حالين للمخاطب التقدير خذها مطهرًا لهم ومزكيًا لهم بها ويجوز أن يجعلها صفتين للصدقة أي صدقة مطهرة لهم مزكية.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة. [٨/ ٢٢٧] بتصرف
(٦٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧].
روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه» قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وقيل هما بمعنى واحد تكلم بهما جميعًا على جهة التأكيد. [٨/ ٢٣٢]
(٦٦٠) من قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨].
أثنى الله ﷾ في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم» قال حديث
[ ٣٣٣ ]
صحيح وثبت أن النبي ﷺ كان يحمل الماء معه في الاستنجاء فكان يستعمل الحجارة تخفيفًا والماء تطهيرًا.
وقال ابن العربي: وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجارًا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء. [٨/ ٢٣٨]
(٦٦١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١].
قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحًا وأقل فسادًا منهم عند ألم الأطفال وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة ثم هو ﷿ يعوض هؤلاء الأطفال عوضًا إذا صاروا إليه ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر. [٨/ ٢٤٤]
(٦٦٢) حكي أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] وذكرت كيف أتلقى الغل وبقيت ليلي في ذلك أجمع. [٨/ ٢٤٦]
[ ٣٣٤ ]
(٦٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥].
أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يبين لهم ما يتقون فلا يتقوه فعند ذلك يستحقون الإضلال. قلت ففي هذا أدل دليل على أن المعاصي إذا ارتكبت وانتهك حجابها كانت سببًا إلى الضلالة والردى وسلمًا إلى ترك الرشاد والهدى نسأل الله السداد والتوفيق والرشاد بمنه. [٨/ ٢٥٢]
(٦٦٤) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وكذلك سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم وينشد:
منك أرجو ولست أعرف ربا … يُرتجى منه بعض ما منك أرجو
وإذا اشتدت الشدائد في الأرض … على الخلق فاستغاثوا وعجوا
وابتليت العباد بالخوف والجوع … وصروا على الذنوب ولجوا
لم يكن لي سواك ربي ملاذ … فتيقنت أنني بك أنجو
[٨/ ٢٥٦]
(٦٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
قيل: عن التوبة وقيل: عن غزوة تبوك. وقيل: أُرجوا وأُخروا عن
[ ٣٣٥ ]
المنافقين فلم يقض فيهم بشيء وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم واعتذر أقوام فقبل عذرهم وأخر النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما واللفظ لمسلم قال كعب: «كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا تَخَلُّفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه». [٨/ ٢٥٦]
(٦٦٦) أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة: «من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلّوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها» حسنه الأرناؤوط في جامع الأصول وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بُعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ويزيد عليه. [٨/ ٢٦٥]
(٦٦٧) قال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي ﷺ فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]
[ ٣٣٦ ]