(١١٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
أي: سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه؛ فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، مأخوذ من يَسَّر ناقته: إذا رَحَلها ويَسَّر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه.
وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن؛ وقال غيره: لم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرًا، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم. [١٧/ ١١٨]
(١١٧٠) من قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن].
التكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ خلقٍ.
وقال القُتَبِي: إن الله تعالى عدد في هذه السورة -أي سورة الرحمن- نعماءه وذكّر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك؛ أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملًا فعززتك؛ أفتنكر هذا؟! ألم تكن صرورة -أي لم تحج قط- فحججت بك؛ أفتنكر هذا؟! ألم تكن راجلًا فحملتك؛ أفتنكر هذا؟!
[ ٥٤٨ ]
والتكرير حسن في مثل هذا. قال:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكمِ
وقال آخر:
لا تقتلي مسلمًا إن كنت مسلمة … إياك من دمه إياكِ إياكِ
وقال آخر:
لا تقطعن الصديق ما طرفت … عيناك من قول كاشح أشر
ولا تملن من زيارته زره … وزره وزر وزر وزر
وقال الحسين بن الفضل: التكرير طردًا للغفلة، وتأكيدًا للحجة. [١٧/ ١٣٩]
(١١٧١) من قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
عن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي؛ قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] وقد صح أن الندم توبة. وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة، لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وأما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شئون يبديها
[ ٥٤٩ ]
لا شئون يبتديها. وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلًا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفًا فضلًا. فقام عبد الله. وقبل رأسه وسوغ خراجه. [١٧/ ١٤٦]
(١١٧٢) من قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
﴿هَلْ﴾ في الكلام على أربعة أوجه:
١ - تكون بمعنى (قد) كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١].
- وبمعنى الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤].
٣ - وبمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
٤ - وبمعنى ما في الجحد كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٤]، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] [١٧/ ١٥٨]