وأربابًا مطاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. [١٢/ ٩٠]
(٩٠٨) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق، وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام وهي مما خص الله بها هذه الأمة.
قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين وليس في الشرع أعظم حرجًا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج. [١٢/ ٩٢، ٩٣] بتصرف
(٩٠٩) اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس قاله عبادة بن الصامت. [١٢/ ٩٧]
(٩١٠) من الآيات العشر الأولى من سورة المؤمنون: من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ [المؤمنون: ١٠].
قال ابن العربي: من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم إلا قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]، فإنما خاطب بها الرجال خاصةً دون الزوجات بدليل قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾
[ ٤٤١ ]
[المؤمنون: ٦] وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عمومًا وخصوصًا وغير ذلك من الأدلة.
قلت: وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعًا من العلماء لأنها غير داخلة في الآية ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. [١٢/ ٩٧]
(٩١١) قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عُميرة فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، وهذا لأنهم يكنون عن الذَّكَر بُعميرة وفيه يقول الشاعر:
إذا حللت بواد لا أنيس به … فاجلد عميرة لا داءٌ ولا حرج
ويسميه أهل العراق: الاستمناء … وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة أصله الفصد والحجامة وعامة العلماء على تحريمه. [١٢/ ٩٨]
(٩١٢) من قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
يريد بها شجرة الزيتون وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار.
[ ٤٤٢ ]
﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ قاله ابن عباس وغيره.
والمراد من الآية: تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾: يراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وأصل الصبغ ما يلون به الثوب وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه، وقال مقاتل: الأُدم: الزيتون، والدهن: الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أُدمًا ودهنًا؛ فالصبغ على هذا الزيتون. [١٢/ ١٠٦]
(٩١٣) لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرُّب والخل وغير ذلك من الأمراق أنه إدام، وقد نص رسول الله ﷺ على الخل فقال: «نعم الإدام الخل» متفق عليه … والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إدامًا وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إدامًا والله أعلم. [١٢/ ١٠٨]
(٩١٤) روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة».
قال المحقق عبد الرزاق المهدي عنه: «حديث جيد». انظر: «الصحيحة» (٣٧٩)،
[ ٤٤٣ ]
و«صحيح ابن ماجه» (٢٦٨٢). [١٢/ ١٠٨]
(٩١٥) من قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ [المؤمنون: ٣٧].
يقال: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث؟ ففي هذا أجوبة:
منها: أن يكون المعنى: نكون مواتًا أي نطفا ثم نحيا في الدنيا، وقيل: فيه تقديم وتأخير.
أي: إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣].
وقيل: نموت: يعني الآباء، ونحيا: يعني الأولاد. [١٢/ ١١٤]
(٩١٦) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤].
جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، كأعاجيب جمع أعجوبة وهي ما يتعجب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في الشر ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثًا أي عبرة ومثلًا كما قال في آية أخرى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].
قلت: وقد يقال فلان حديث حسن، إذا كان مقيدًا بذكر ذلك، ومنه قول ابن دريد:
وإنما المرء حديث بعده … فكن حديثًا حسنًا لمن وعى
[١٢/ ١١٥]
[ ٤٤٤ ]
(٩١٧) سَوَّى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. [١٢/ ١١٧]
(٩١٨) قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
ما: بمعنى الذي أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء ليس إسراعًا في الخيرات. [١٢/ ١١٩]
(٩١٩) قال الحسن: «لقد أدركنا أقوامًا كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها». [١٢/ ١٢٠]
(٩٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢].
أظهر ما قيل فيه: أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره فهو ينطق بالحق وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم ولفظ النطق يجوز في الكتاب والمراد أن النبيين تنطق بما فيه والله أعلم. [١٢/ ١٢٢]
(٩٢١) من قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧].
﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾: حال والضمير في به، قال الجمهور هو عائد على الحرم
[ ٤٤٥ ]
أو المسجد أو البلد الذي هو مكة وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف.
﴿سَامِرًا﴾: معناه سُمّارًا وهو الجماعة يتحدثون بالليل مأخوذ من السَّمر وهو ظل القمر ومنه سُمرة اللون وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سَمَر القمر فسمي التحدث به.
وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب وكانت تسمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها فعابهم الله بذلك، ومعنى: ﴿تَهْجُرُونَ﴾: يتكلمون بهوس وسيء من القول في النبي ﷺ وفي القرآن عن ابن عباس وغيره. [١٢/ ١٢٤]
(٩٢٢) كان الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم يتوضأ للصلاة. [١٢/ ١٢٥]
(٩٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].
أي يَمنع ولا يُمنع منه، وقيل: ﴿يُجِيرُ﴾: يؤمِّن من شاء، و﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: أي لا يؤمّن من أخافه ثم قيل هذا في الدنيا: أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم يمنعه منه مانع ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه
[ ٤٤٦ ]
دافع، وقيل: هذا في الآخرة أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع. [١٢/ ١٣١]
(٩٢٤) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤].
أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم وكان ﵇ يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب ومع هذا أمره الرب بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون في كل الأوقات ذاكرًا لربه تعالى. [١٢/ ١٣٢]
(٩٢٥) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩].
دلت الآية على أن أحدًا لا يموت حتى يعرف اضطرارًا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله ولولا ذلك لما سأل الرجعة فيعلموا ذلك قبل نزول الموت وذواقه. [١٢/ ١٣٥]
(٩٢٦) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦].
وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، لأن ذلك يؤديهم إلى النار، وقيل: ما سبق في علمك وكتب علينا في أم الكتاب من الشقاوة، وقيل: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق. [١٢/ ١٣٧]
[ ٤٤٧ ]