صدري ثم قال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء. [٦/ ٢٨]
(٥١٢) من قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له لأن في التقوى رضا الله تعالى وفي البر رضا الناس ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته وقال ابن خويز منداد في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ويعينهم الغني بماله والشجاع بشجاعته في سبيل الله وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة. [٦/ ٤٥]
(٥١٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣].
والأزلام للعرب ثلاثة أنواع منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها أفعل وعلى الثاني لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه فإذا أراد فعل شيء أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب .. وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون.
والنوع الثاني: سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل من أمر
[ ٢٦٧ ]
الديات وفي آخر (منكم) وفي آخر (من غيركم) وفي آخر (ملصق) (^١) وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بنيه … والنوع الثالث: هو قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها فيها حظوظ وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة لهوًا ولعبًا وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم.
عن سعيد بن جبير: أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. [٦/ ٥٧]
(٥١٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: ٤].
وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس لاسيما إذا عمل بما علم وهذا كما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه». [٦/ ٧٣]
_________________
(١) قال المحقق عبدالرزاق المهدي في الحاشية: كان العرب إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح ثم يطلبون من هبل أن يبين لهم الحقيقة ثم يضرب صاحب القداح فإن خرج عليه منكم كان منهم وسيطًا وإن خرج على (من غيركم) كان حليفًا وإن خرج (ملصق) فلا حلف ولا نسب.
[ ٢٦٨ ]
(٥١٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨].
ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق وأن المُثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدًا لإيصال الغم والحزن إليهم. [٦/ ١٠٨]
(٥١٦) من قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢].
النقيب: كبير القوم القائم بأمورهم الذي يُنَقِّبُ عنها وعن مصالحهم فيها والنَّقَّاب: الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ومنه قيل في عمر ﵁: إنه كان لنقّابًا. فالنقباء الضُّمان واحدهم نقيب وهو شاهد القوم وضمينهم يقال: نقب عليهم وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة والنَّقب والنُّقَبَ الطريق في الجبل وإنما قيل نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم وقال قوم: النقباء الأمناء على قومهم وهذا كله قريب بعضه من بعض. [٦/ ١١٠].
(٥١٧) … واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال … ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال أن موسى ﵊ عرف ملك الموت وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير وعند موسى ما قد نص عليه
[ ٢٦٩ ]
نبينا محمدًا ﷺ من: «أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره» فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه فلطمه ففقأ عينه امتحانًا لملك الموت إذ لم يصرح له بالتخيير ومما يدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم والله بغيبه أحكم وأعلم هذا أصح ما قيل في وفاة موسى ﵇ وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصًا وأخبارًا الله أعلم بصحتها وفي الصحيح غنية عنها. [٦/ ١٢٧]
(٥١٨) من قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠].
تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة وأمسه به رحمًا وأولاهم بالحنو عليه ودفع الأذية عنه. [٦/ ١٣٥].
(٥١٩) من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧].
قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبدالله إنكم يا أصحاب محمد تقولون إن قومًا يخرجون من النار، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] فقال جابر: إنكم تجعلون العام خاصًا والخاص عامًا إنما هذا في الكفار خاصةً فقرأتُ الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار
[ ٢٧٠ ]
خاصةً و﴿مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧]، معناه: دائم ثابت لا يزول ولا يحول.
قال الشاعر:
فإن لكم بيوم الشَّعب مني … عذابًا دائمًا لكم مقيمًا
[٦/ ١٥٢]
(٥٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وقد قطع السارق في الجاهلية وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأمر الله بقطعه في الإسلام فكان أول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن مناف ومن النساء مُرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخروم وقطع أبو بكر اليمني الذي سرق العقد وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبدالرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه. [٦/ ١٥٢]
(٥٢١) يقال: بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك؟ فالجواب أن يقال: لما كان حب المال على الرجال أغلب وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في الموضعين هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه في سورة النور من البداية بها على الزاني إن شاء الله ثم جعل الله حد السرقة قطع اليد لتناول المال ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به لثلاثة معان:
[ ٢٧١ ]
أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه الثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره وقطع اليد في السرقة ظاهر: وقطع الذكر في الزنى باطن. الثالث: أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطاله، والله أعلم. [٦/ ١٦٧]
(٥٢٢) من قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]
وسمي المال الحرام سحتًا؛ لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وقال الفراء أصله: كَلَب الجوع يقال رجل مسحوت المعدة أي أكول فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يُعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم. وقيل: سمي الحرام سحتًا لأنه يسحت مروءة الإنسان. [٦/ ١٧٤]
(٥٢٣) وعن ابن مسعود أيضًا أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها وقال ابن خويز منداد: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة، فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سُحت حرام وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل وبطل كل حكم حَكَم به بعد ذلك. قلت: وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله لأن أخذ الرشوة منه فسق والفاسق لا يجوز حكمه، والله أعلم. [٦/ ١٧٤]
[ ٢٧٢ ]
(٥٢٤) قلت: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب ومن أخذ طيبًا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته، وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال: احتجم رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه قال ابن عبدالبر: هذا يدل على أن كسب الحجام طيب لأن رسول الله ﷺ لا يجعل ثمنًا ولا جُعلا ولا عوضا لشيء من الباطل وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي ﷺ من ثمن الدم وناسخ لما كرهه من إجازة الحجام. [٦/ ١٧٥]
(٥٢٥) … وقال الحسن أيضًا: أخذ الله ﷿ على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى وألا يخشوا الناس ويخشوه وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا. [٦/ ١٨١]
(٥٢٦) من قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض فإن فعل لم ينفذ وفسخ. [٦/ ٢٠٢]
(٥٢٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤].
وهذا من إعجاز القرآن والنبي ﷺ إذ أخبر عن ارتدادهم ولم
[ ٢٧٣ ]
يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبًا فكان على ما أخبر بعد مدة وأهل الردة كانوا بعد موته ﷺ قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جؤاثى وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي فقاتل الصديق جميعهم وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم على ما هو مشهور من أخبارهم … [٦/ ٢٠٦]
(٥٢٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨].
وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية أما أنه ذكر في الجمعة على الاختصاص.
قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة وإنما كانوا ينادون (الصلاة جامعة) فلما هاجر النبي ﷺ وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان وبقي: (الصلاة جامعة) للأمر يعرض. [٦/ ٨]
(٥٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠].
لما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم- أي لليهود- يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحًا.
وفيهم يقول الشاعر:
فلعنة الله على اليهود … إن اليهود إخوة القرود
[٦/ ٢٢٣]
[ ٢٧٤ ]
(٥٣٠) من قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: ٦٣].
دلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد روى سفيان بن عيينه قال حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال: بلغني أن مَلكًا أُمر أن يَخسف بقرية فقال: يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه: «أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ ساعة قط» وفي صحيح الترمذي «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». [٦/ ٢٢٤]
(٥٣١) من قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢].
هذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره خوفًا من المشركين وفتنتهم .. وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد ﷺ دون من أصر على كفره ولهذا قال: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: عن الانقياد إلى الحق. [٦/ ٢٣٩ - ٢٤١] بتصرف
(٥٣٢) جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال يقول: لا يؤدي شكره فقال الحسن: أفيشرب الماء
[ ٢٧٥ ]
البارد؟ فقال: نعم فقال: إن جارك جاهل فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج. [٦/ ٢٤٥].
(٥٣٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].
هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارًا أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخمر بالمعنى الذي فيها فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] الآية فكل لهو دعا قليله إلى كثيره وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حرامًا مثله. [٦/ ٢٧١].
(٥٣٤) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعًا وهات، وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال». قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال» التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعًا وتكلفًا فيما لم يتنزل والأغلوطات وتشقيق المولدات وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف ويقولون إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها. قال مالك:
[ ٢٧٦ ]
أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله ﷺ. وقيل المراد بكثرة السؤال كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحًا واستكثارًا؛ وقاله أيضًا مالك، وقيل: المراد بكثرة السؤال: السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والإطلاع على مساوئهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] قال ابن خويز منداد: ولذلك قال بعض أصحابنا متى قُدِّم إليه طعام لم يسأل من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو وحَمَلَ أمور المسلمين على السلامة والصحة قلت: والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها والله أعلم. [٦/ ٣٠٨]
(٥٣٥) قال ابن عبدالبر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله فمن سأل مستفهما راغبًا في العلم ونفي الجهل عن نفسه باحثًا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به فشفاء العي السؤال ومن سأل متعنتًا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة وإيضاح سبل النظر وتحصيل مقدمات الاجتهاد وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد فإذا عرضت نازلة أُتِيَتْ من بابها ونُشِدَتْ في مظانها والله يفتح صوابها. [٦/ ٣٠٩]
[ ٢٧٧ ]
(٥٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
فالمعنى: وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم أو مَسَّتْ حاجتكم إلى التفسير فإذا سألتم فحينئذٍ تبد لكم فقد أباح هذا النوع من السؤال. ومثاله: أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل فسألوه فنزل ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] فالنهي إذًا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه فأما ما مست الحاجة إليه فلا. [٦/ ٣١٠].
(٥٣٧) من قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
قال سعيد بن المسيب: «معنى الآية: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». [٦/ ٣١٩]
(٥٣٨) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رُجي القبول أو رُجي ردّ الظالم ولو بعنف ما لم يخف الآمر ضررًا يلحقه في خاصته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا ف ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] محكم واجب أن يوقف عنده ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلًا كما تقدم وعلى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه. [٦/ ٣٢٠]
[ ٢٧٨ ]
(٥٣٩) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ١٠٦].
الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين فَلْيُشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدّلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة وحُكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما. [٦/ ٣٢٤]
(٥٤٠) من قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى ورزية كبرى فأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وترك التفكر فيه وترك العمل له وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر .. ويروى أن أعرابيًا كان يسير على جمل له فخر الجمل ميتًا فنزل الأعرابي عنه وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول مالك لا تقوم مالك لا تنبعث هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة ما شأنك ما الذي كان يحملك ما الذي كان يبعثك ما الذي صرعك ما الذي عن الحركة منعك ثم تركه وانصرف متفكرًا في شأنه متعجبًا من أمره. [٦/ ٣٢٦]
[ ٢٧٩ ]