القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها - أو قال في ذنوبكم - كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. [١٧/ ٢١٥]
(١١٧٧) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤].
فَرَّق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين، أحدهما: أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك. والسخي الذي يلتذ بالإعطاء. الثاني: أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، والسخي الذي يعطي بغير سؤال. [١٧/ ٢٢١]
(١١٧٨) من قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا …﴾ [المجادلة: ١]، التي اشتكت إلى الله هي خولة بنت ثعلبة، وزوجها: أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقد مر بها عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته والناس معه على حمار، فاستوقفته طويلًا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعي عميرًا ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟! فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا
[ ٥٥٢ ]
يسمعه عمر! وقالت عائشة ﵁: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾». خرجه ابن ماجه في «السنن». [١٧/ ٢٢٩]
(١١٧٩) من قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وإطلاق الإطعام يتناول الشبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه. وكذلك قال أشهب: قلت لمالك: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال: نعم، الشبع عندنا مُدٌّ بمد النبي ﷺ والشبع عندكم أكثر، لأن النبي ﷺ دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن. وقال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظًا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرًا من القول وزورًا.
قال ابن العربي: وقع الكلام هاهنا في مُدِّ هشام كما ترون، ووددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها، واستقر الرسول ﷺ بها، ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع.
[ ٥٥٣ ]
وقدره معروف عندهم متقرر لديهم، وقد ورد ذلك الشبع في الأخبار كثيرًا، واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى أن مُدَّ النبي ﷺ لا يشبعه، ولا مثله من حواشيه ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدًا يكون فيه شبعه، فجعله رطلين وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال، فغير السنة، وأذهب محل البركة. قال النبي ﷺ حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم، مثل ما بارك لإبراهيم بمكة، فكانت البركة تجري بدعوة النبي ﷺ في مده، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة، وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره الأحكام، ويجعلوه تفسيرًا لما ذكر الله ورسوله ﷺ بعد أن كان مُفَسَرًا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مُدين بمد النبي ﷺ في كفارة الظهار أحب إلينا من الرواية بأنها بمد هشام. ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله لأشهب: الشبع عندنا بمد النبي ﷺ، والشبع عندكم أكثر لأن النبي ﷺ دعا لنا بالبركة.
وبهذا أقول؛ فإن العبادة إذا أُديت بالسنة فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول، وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان، وأبرك في يد
[ ٥٥٤ ]
الآخذ، وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه. والله أعلم [١٧/ ٢٤٣] (بتصرف)
(١١٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨].
وقد اختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة، للأمر بذلك.
وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل: عليك. وقد اختار ابن طاووس أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي: ارتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: (السِّلام) بكسر السين، يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى اتباعًا للسنة، والله أعلم. [١٧/ ٢٤٨]
(١١٨١) من قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١]، قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية، فيرفع المؤمن بإيمانه أولًا ثم بعلمه ثانيًا. وفي «الصحيح» أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقدم عبدالله بن عباس على الصحابة فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه وسألهم عن تفسير ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]، فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم … وفي «صحيح مسلم» أن نافع بن عبدالحارث لقي عمر بعُسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل الوادي؟ فقال ابن أبزى فقال: ومن ابن أبزى؟
[ ٥٥٥ ]
قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». [١٧/ ٢٥٤]
(١١٨٢) من قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ …﴾ [المجادلة: ٢٢].
استدل مالك ﵀ من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم قال أشهب، عن مالك: لا تجالس القدرية وعادِهم في الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. [١٧/ ٢٦١]
(١١٨٣) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢].
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ﵇ نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارًا لمحمد ﷺ وكان من أمرهم ما نص الله عليه. [١٨/ ٦]