(٩٢٧) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]
الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنى رحمة بعباده وسترًا لهم. [١٢/ ١٥٨]
(٩٢٨) اختلف العلماء في حد القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما وفائدة الخلاف أنه إن كان حقًا لله تعالى وبلغ الإمام أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنى وإن كان حقًا للآدمي فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف ويسقط بعفوه ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف. [١٢/ ١٥٩]
(٩٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥].
تضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف جلده، ورد شهادته، وفسقه فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة فقيل: لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبته ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقًا قبل الحد وبعده. [١٢/ ١٦٠] بتصرف
[ ٤٤٨ ]
(٩٣٠) من قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١].
والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره. والشر ما زاد ضره على نفعه، وإنَّ خيرًا لا شر فيه هو الجنة، وشرًا لا خير فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان إذ الخطاب لهم في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لرجحان النفع والخير على جانب الشر. [١٢/ ١٧٧]
(٩٣١) قال علماؤنا: وإنما لم يُحد عبد الله بن أبي لأن الله تعالى قد أَعَّد له في الآخرة عذابًا عظيمًا فلو حُدَّ في الدنيا لكان ذلك نقصًا من عذابه في الآخرة وتخفيفًا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣] وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود: «إنها كفارة لمن أقيمت عليه» رواه مسلم ويحتمل أن يقال إنما ترك حد ابن أبي استئلافًا لقومه واحترمًا لابنه وإطفاءً لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه كما في صحيح مسلم والله أعلم. [١٢/ ١٨٠]
[ ٤٤٩ ]
(٩٣٢) من قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢].
قال العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ومنزلة الصلاح التي حلّها المؤمن ولُبسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسدًا أو مجهولًا. [١٢/ ١٨١]
(٩٣٣) خرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمن ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة» وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن السرائر إلى الله ﷿. [١٢/ ١٨٢]
(٩٣٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].
تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قوله ﵇: «من لا يرحم لا يرحم» أخرجه البخاري ومسلم.
قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ وقيل أرجى آية قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ
[ ٤٥٠ ]
هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ [الشورى: ٢٢] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في تلك. وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] وذلك أن رسول الله ﷺ لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. [١٢/ ١٨٧]
(٩٣٥) قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف ﵇ لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن فما رضي ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. [١٢/ ١٨٩]
(٩٣٦) روى علي بن زيد بن جدعان عن جدته عن عائشة ﵂ قالت: «لقد أعطيت تسعًا ما أُعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني ولقد تزوجني بكرًا وما تزوج بكرًا غيري ولقد توفي رسول الله ﷺ وإن رأسه لفي حجري ولقد قبر في بيتي ولقد حفت الملائكة بيتي وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يُبينني عن جسده وإني لابنة خليفته وصديقه ولقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبة وعند طيب ولقد وعدت مغفرة ورزقًا كريمًا تعني قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾ [الحج: ٥٠] وهو الجنة». [١٢/ ١٨٩]
[ ٤٥١ ]
(٩٣٧) ومن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ …﴾ البصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كَثُرَ السقوط من جهته ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله. [١٢/ ٢٠١]
(٩٣٨) من قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].
أي: لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصامًا من معاصيه، وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح وتلا هذه الآية، وقال عمر ﵁: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
ومن حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء» أخرجه ابن ماجه في سننه.
فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغني قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد وقد قيل يغنيه أي يغني النفس وهو الصحيح وقيل المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنى. [١٢/ ٢٢٠] بتصرف
[ ٤٥٢ ]
(٩٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
أمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله فيرزقه ما يتزوج به أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق أو تزول عنه شهوة النساء. [١٢/ ٢٢١]
(٩٤٠) من قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥].
أي من زيت شجرة والزيتون من أعظم الثمار نماء وكذلك الرمان، وقيل: من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها، وقال ابن عباس: في الزيتون منافع، يسرج بالزيت وهو إدام ودهان ودباغ ووقود يوقد بحطبه وتُفله وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسيم، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة منهم إبراهيم ومنهم محمد عليهم الصلاة والسلام. [١٢/ ٢٣٥]
(٩٤١) قال أبو عمر بن عبدالبر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبدالملك بن هشام ﵀ أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه وألا يشاهد معهم الصلاة إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى
[ ٤٥٣ ]
السلامة منه فذاكرته يومًا وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم وقال: «هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد». [١٢/ ٢٤٤]
(٩٤٢) سمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجل في المسجد فقال ما هذا الصوت! أتدري أين أنت! وكان خَلَفُ بن أيوب جالسًا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه فقيل له في ذلك فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا فكرهت أن أتكلم اليوم. [٢/ ٢٤٦]
(٩٤٣) قيل لسعيد بن المسيب أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ فقال: من صلى على جنازة فله قيراط ومن شهد دفنها فله قيراطان والجلوس في المسجد أحب إلي لأن الملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه. [١٢/ ٢٥٤]
(٩٤٤) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]
بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب ووجهها أن الله ﵎ قد حذّر من مخالفة أمره وتوعد بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] فتحرم مخالفته فيجب امتثال أمره والفتنة هنا القتل قاله ابن عباس … وقيل الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول ﷺ. [١٢/ ٢٩٥]
[ ٤٥٤ ]