(١) الحمد لله المبتدئ بحمد نفسه قبل أن يحمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرب الصمد الواحد الحي القيوم الذي لا يموت ذو الجلال والإكرام والمواهب العظام والمتكلم بالقرآن والخالق للإنسان والمنعم عليه بالإيمان والمرسل رسوله بالبيان محمدًا ﷺ ما اختلف الملوان وتعاقب الجديدان. [١/ ٢٧]
(٢) فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه ويتذكر ما شرح له فيه ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحييه فإنه قد حُمل أعباء الرسل وصار شهيدًا في القيامة على من خالف من أهل الملل. [١/ ٢٨]
(٣) فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته ويتدبر حقائق عبارته ويتفهم عجائبه ويتبين غرائبه قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ويتدبره حق تدبره. [١/ ٢٨]
(٤) وبعد: فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقل بالسنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض رأيت أن اشتغل به مدى عمري واستفرغ فيه مُنَتي -أي قوتي- بأن أكتب فيه تعليقًا وجيزًا يتضمن نكتًا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام
[ ١٠ ]
ونزول الآيات جامعًا بين معانيهما ومبينًا ما أشكل منهما بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف وعملته تذكرة لنفسي وذخيرة ليوم رَمْسِي وعملًا صالحًا بعد موتي … وسميته بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان». جعله الله خالصًا لوجهه وأن ينفعني به ووالديّ ومن أراد بمنه إنه سميع الدعاء قريب مجيب آمين. [١/ ٢٩ - ٣٠] بتصرف
(٥) وينبغي له -حامل القرآن- أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا. [١/ ٥٤]
(٦) ذكر ابن أبي الحواري قال: «أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول فقال بعض القوم: إن كان خارجًا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن فأمرنا قارئًا فقرأ فاطلع علينا من كوة فقلنا: السلام عليك ورحمة الله؛ فقال: وعليكم السلام؛ فقلنا: كيف أنت يا أبا علي وكيف حالك فقال: أنا من الله في عافية ومنكم في أذى وإن ما أنتم فيه حدث في الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون! ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلًا للجلوس معهم فنجلس دونهم ونسترق السمع فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه
[ ١١ ]
وأنتم تطلبون العلم بالجهل وقد ضيعتم كتاب الله ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون قال: قلنا قد تعلمنا القرآن قال: إن في تعلمكم شغلًا لأعماركم، وأعمار أولادكم قلنا كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه من متشابهه وناسخه من منسوخه إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨]». [١/ ٥٥]
(٧) قال إياس بن معاوية: «مثل الذين يقرأون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلًا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب». [١/ ١٠]
(٨) قال أبو عمر: روي من وجوه فيها لين عن النبي ﷺ أنه قال: «من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه»، وقال أبو عمر: «وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه». [١/ ٦٠]
(٩) ولقد أحسن القائل في نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة الغراء:
[ ١٢ ]
إن العلوم وإن جلت محاسنها … فتاجها ما به الإيمان قد وجبا
هو الكتاب العزيز الله يحفظه … وبعد ذلك علم فرج الكربا
فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه … نور النبوة سن الشرع والأدبا
وبعد هذا علوم لا انتهاء لها … فاختر لنفسك يا من آثر الطلبا
والعلم كنز تجده في معادنه … يا أيها الطالب ابحث وانظر الكتبا
واتل بفهم كتاب الله فيه أتت … كل العلوم تدبره تر العجبا
واقرأ هديت حديث المصطفى وسلن … مولاك ما تشتهي يقضي لك الأربا
من ذاق طعمًا لعلم الدين سُرَّ به … إذا تَزَيَّد منه قال واطربا
[١/ ٧٦]
(١٠) وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال:
الأول: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم … قال الطحاوي: «إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى مشتقًا فكانوا كذلك حتى كثر
[ ١٣ ]
منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرأوا بخلافها».
قال ابن عبدالبر: «فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد». [١/ ٧٧ - ٧٨] (بتصرف)
(١١) الصحيح من هذه الأقوال قول مالك -في البسملة أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها- لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه قال ابن العربي: «ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه». والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليس بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. [١/ ١٣٠]
(١٢) وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل: إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده. [١/ ١٤٩]