(٦٨٨) من قوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١].
قيل هو من قول الله تعالى وقيل هو من قول جبريل وقيل ميكائيل صلوات الله عليهما أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم. وقيل: هو من قول فرعون في نفسه ولم يكن ثَمَّ قول باللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال: حيث لم تنفعه الندامة ونظيره ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم. [٨/ ٣٣٧]
(٦٨٩) من قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢].
أي نلقيك على نجوة من الأرض وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق وقالوا: هو أعظم شأنًا من ذلك فألقاه الله على نجوة من الأرض أي مكان مرتفع حتى شاهدوه. [٨/ ٣٣٧]
(٦٩٠) روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﵁: «يا رسول الله قد شبت! قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت»، قال هذا حديث حسن غريب … قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كل شعرة منبع ومنه يعرق فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض كما ترى الزرع الأخضر بسقائه فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده فالنفس تذهل
[ ٣٤٥ ]
بوعيد الله وأهوال ما جاء به الخبر عن الله تعالى فتذبل وينشف ماءها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به فمنه تشيب وقال الله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧] فإنما شابوا من الفزع. [٩/ ٦]
(٦٩١) من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
قيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ماله إلا السماء! يا هذا الأرض له والسماء له فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض وأنشد:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي … ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم … وللضب في البيداء والحوت في البحر
[٩/ ١٠]
(٦٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧].
قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف وصعوبة الانفكاك عنها والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع فهو سريع إلى الإجابة والانقياد وهذا غالب أحوال الدنيا. [٩/ ٢٤]
(٦٩٣) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢].
والجدل في الدين محمود ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر
[ ٣٤٦ ]
الحق فمن قبله أنجح وأفلح ومن رده خاب وخسر وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم وصاحبه في الدارين ملوم. [٩/ ٢٧]
(٦٩٤) من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦].
في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين. وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حَمَامٌ قد غطاه. قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات.
وفيها أيضًا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعًا ومن أهل البيت. [٩/ ٤٣]
(٦٩٥) من قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].
الناصية: قصاص الشعر في مقدم الرأس ونصوت الرجل أنصوه نصوًا أي مددت ناصيته.
قال ابن جريج: إنما خص الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان أي أنه مطيع له يصرفه كيف يشاء وكانوا إذا أسروا أسيرًا وأردوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرًا عليه فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. [٩/ ٤٧]
[ ٣٤٧ ]
(٦٩٦) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧].
قال أهل التفسير كان مما ينهاهم عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة وكانوا يتعاملون على الصحاح عدًا وعلى المقروضة وزنًا وكانوا يبخسون في الوزن … قال عبدالرحمن بن القاسم …: من كسرها لم تقبل شهادته وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر وليس هذا بموضع عذر … إذا كان هذا معصية وفسادًا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه وأما حلقه فقد فعله عمر وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونًا له على المعصية وطريقًا إلى التجمل به في الفساد وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن … وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم إلا أني كنت محفوفًا بالجهال فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يومًا من أهل الحق فليفعله احتسابًا لله تعالى. [٩/ ٧٧] بتصرف
(٦٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
[ ٣٤٨ ]
قيل الإشارة بذلك ﴿وَلِذَلِكَ﴾ للاختلاف والرحمة وقد يشار ب ﴿وَلِذَلِكَ﴾ إلى شيئين متضادين، كقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] ولم يقل بين ذينك ولا تينك.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]، وكذلك قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى لأنه يعم أي ولما ذكر خلقهم وإلى هذا أشار مالك ﵀ فيما روى عنه أشهب. قال أشهب: سألت مالكًا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة. [٩/ ٩٩]
(٦٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠].
﴿فِي هَذِهِ﴾ أي: في هذه السورة … وخص هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار وقيل خصها بالذكر تأكيدًا وإن كان الحق في كل القرآن.
﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ الموعظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية والقرون الخالية المكذبة وهذا تشريف لهذه السورة لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ أي: يتذكرون ما نزل بمن هلك
[ ٣٤٩ ]