فيتوبون وخص المؤمنين؛ لأنهم هم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء. [٩/ ١٠٠]
(٦٩٩) إنما كانت الرؤيا جزءًا من النبوة لأن فيها ما يُعْجِزْ ويمتنع كالطيران وقلب الأعيان والاطلاع على شيء من علم الغيب كما قال ﵇: «إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم …» الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله وإنها من النبوة قال ﷺ: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وأن التصديق بها حق ولها التأويل الحسن وربما أغنى بعضها عن التأويل وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة. [٩/ ١٠٧]
(٧٠٠) وقد قسم رسول الله ﷺ الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل روى عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم ومنها ما يهتم به في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال قلت: سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم! سمعته من رسول الله ﷺ. [٩/ ١٠٨]
(٧٠١) وقيل لمالك: أَيُعَبِّر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟ وقال مالك لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها فإن رأى خيرًا أخبر به وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت؛ قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على
[ ٣٥٠ ]
المكروه لقول من قال: إنها على ما تأولت عليه! فقال: لا ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة. [٩/ ١١٠]
(٧٠٢) روى البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة» وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه فإن أدرك تأولها بنفسه وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك وقد رأى الشافعي ﵁ وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك. [٩/ ١١١]
(٧٠٣) من قوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠].
أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن تافهًا يسيرًا أو شيئًا لا بقاء لها فإنها تعرف حولًا كاملًا وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمّنه فإن ذلك له وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة ولا تصرف قبل الحول. وأجمعوا أن ضالة الغنم المخوف عليها له أكلها. [٩/ ١١٧]
[ ٣٥١ ]
(٧٠٤) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١].
قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب، ولهذا قيل: الأب جلاب والأخ سلاب. [٩/ ١٢٠]
(٧٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦].
قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنعًا؛ فمن الخلق من يقدر على ذلك ومنهم من لا يقدر وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى كما قال حكيم:
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تباكى
[٩/ ١٢٥]
(٧٠٦) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧].
قال القشيري أبو نصر ﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي في الرمي أو على الفرس أو على الأقدام والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العَدْو لأنه الآلة في قتال العدو ودفع الذئب عن الأغنام.
وقال السدي وابن حيان ﴿نَسْتَبِقُ﴾ نشتد جريًا لنرى أينا أسبق.
قال ابن العربي: المسابقة شرعة في الشريعة وخصلة بديعة وعون على الحرب وقد فعلها ﷺ بنفسه وبخيله وسابق عائشة ﵂ على قدميه فسبقها فلما كبر رسول الله ﷺ سابقها فسبقته فقال لها: هذه بتلك.
[ ٣٥٢ ]
قلت: وسابق سلمة بن الأكوع رجلًا لما رجعوا من ذي قَرَدْ إلى المدينة فسبقه سلمة خرجه مسلم. [٩/ ١٢٥]
(٧٠٧) قال عبدالله بن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة؛ العزيز حين تفرس في يوسف، فقال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر حين استخلف عمر.
قال ابن العربي: عجبًا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر! والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة الحجر وليس كذلك فيما نقلوه لأن الصديق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال والمواظبة على الصحبة وطولها والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنّة وليس ذلك من طريق الفراسة وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في (القصص) وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة والله أعلم. [٩/ ١٣٨]
(٧٠٨) وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات وذلك كثير في أشعارها وكلامها ومن أحلاه قول بعضهم قال الحائط للوتد لم تشقني؟ قال له: سل من يدقني. [٩/ ١٤٨]
(٧٠٩) من قوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠].
قال الحسن: ويقال: إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى
[ ٣٥٣ ]
وهي الجلدة البيضاء فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب. [٩/ ١٥٢]
(٧١٠) قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي وتعبير النبي حكم. وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقًا لنبوته، فإن قيل فقد روى عبدالرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: «إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر ثم تؤمن ثم تكفر ثم تموت كافرًا فقال الرجل: ما رأيت شيئًا فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف».
قلنا: ليست لأحد بعد عمر لأن عمر كان محدثًا وكان إذا ظن ظنًا كان وإذا تكلم به وقع على ما ورد في أخباره وهي كثيرة منها أنه دخل عليه رجل فقال له: «أظنك كاهنًا فكان كما ظن». خرجه البخاري. ومنها أنه سأل رجلًا عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: «أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال» خرجه في الموطأ. [٩/ ١٦٥]
(٧١١) من قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢].
أي سيدك وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضيء ربك ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي ولا
[ ٣٥٤ ]
يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي» وفي القرآن: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه قد ربه يربه فهو رب له.
قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم). (ليقل): من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأَوْلَى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ولأنه قد جاء عنه ﵇: «أن تلد الأمة ربها» أي مالكها وسيدها وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. [٩/ ١٦٥ - ١٦٦] بتصرف
(٧١٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ [يوسف: ٤٧].
هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة وكل ما يُفوت شيئًا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية ومراعاة ذلك فضل من الله ﷿ ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه ولا استحقاق هذا مذهب كافة المحققين من أهل السنة أجمعين وبسطه في أصول الفقه. [٩/ ١٧٣]
[ ٣٥٥ ]
(٧١٣) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]
قال سعيد بن منصور سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض أما سمعت إلى قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي على حفظها. [٩/ ١٨١]
(٧١٤) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥].
يوسف ﵇ إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره وهذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك كما قال يوسف ﵇ فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله ﵇ لعبدالرحمن: «لا تسأل الإمارة» وأيضًا فإن سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلًا على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك. [٩/ ١٨٤]
(٧١٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٧].
أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا لأن أجر الآخرة دائم وأجر الدنيا ينقطع وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق وأنشدوا:
[ ٣٥٦ ]
أما في رسول الله يوسف أسوة … لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة … فآل به الصبر الجميل إلى الملك
وكتب بعضهم إلى صديق له:
وراء مضيق الخوف متسع الأمن … وأول مفروح به آخر الحزن
فلا تيأسن فالله ملّك يوسفًا … خزائنه بعد الخلاص من السجن
وأنشد بعضهم:
إذا الحادثات بلغن النهى … وكادت تذوب لهن المهج
وحل البلاء وقل العزاء … فعند التناهي يكون الفرج
[٩/ ١٨٧]
(٧١٦) إن قيل: كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟
قيل له: عن هذا أربعة أجوبة:
أحدها: يجوز أن يكون الله ﷿ أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ليعظم له الثواب فاتبع أمره فيه.
الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف ﵉.
الثالث: لتتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه.
الرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميل كان منه إليه.
والأول أظهر والله أعلم. [٩/ ١٨٩]
[ ٣٥٧ ]
(٧١٧) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧].
لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد وكانت مصر لها أربعة أبواب وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلًا لرجل واحد وكانوا أهل جمال وبسطة.
إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين والعين حق. [٩/ ١٩٢]
(٧١٨) .. روى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه سمع أباه يقول: «اغتسل أبي سهل به حنيف بالخرار فنزع جبةً كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهلٌ رجلًا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء! فوعك سهلٌ مكانه واشتد وعكه، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبر أن سهلًا وعك، وأنه غير رائحٍ معك يا رسول اللَّه، فأتاه رسول اللَّه ﷺ، فأخبره سهلٌ بالذي كان من شأن عامرٍ، فقال رسول الله ﷺ علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له، فتوضأ عامر فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس».
وفي رواية «اغتسل» فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه …
وركب سعد بن أبي وقاص يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم
[ ٣٥٨ ]
هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين فرجع إلى منزله فسقط فبلغه ما قالت المرأة فأرسل إليها فغسلت له ففي هذين الحديثين أن العين حق وأنها تقتل كما قال النبي ﷺ وهذا قول علماء الأمة ومذهب أهل السنة وقد أنكرته طوائف من المبتدعة وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة وبما يشاهد من ذلك في الوجود فكم من رجل أدخلته العين القبر وكم من جمل ظهير أدخلته القدر لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال الأصمعي رأيت رجلًا عيونًا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال: أيتهن هذه! فقالوا الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها فهلكتا جميعًا المورى بها والمورى عنها، قال الأصمعي وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. [٩/ ١٩٣]
(٧١٩) واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ألا ترى قوله ﵇ لعامر: «ألا بركت» فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برّك العائن وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه.
(٧٢٠) العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ويجبر على ذلك إن أباه لأن الأمر على الوجوب لاسيما هذا فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ولاسيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه.
[ ٣٥٩ ]
(٧٢١) من عُرِفَ بالإصابة بالعين مُنِعَ من مداخلة الناس دفعًا لضرره وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته وإن كان فقيرًا رَزَقَه ما يقوم به ويكف أذاه عن الناس وقد قيل يُنفى وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال فإنه ﵇ لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي بل قد يكون الرجل الصالح عائنًا وأنه لا يقدح فيه ولا يفسّق به، ومن قال: يحبس ويؤمر بلزوم بيته فذلك احتياط ودفع ضرر والله أعلم. [٩/ ١٩٣]
(٧٢٢) الرقى مما يستدفع به البلاء. والعين تؤثر في الإنسان وتضرعه أي تضعفه وتنحله وذلك بقضاء الله تعالى وقدره ويقال إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار. [٩/ ١٩٤]
(٧٢٣) قال علماؤنا: إنما يُسترقى من العين إذا لم يُعرف العائن وأما إذا عَرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء. [٩/ ١٩٤]
(٧٢٤) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ [يوسف: ٧٤].
المعنى: فما جزاء الفاعل إن بان كذبكم؟ فأجاب إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، أي: يستعبد ويسترق ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ و﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبره والتقدير جزاؤه استعباد من وجد في رحله فهو كناية عن الاستعباد وفي الجملة معنى التوكيد كما تقول جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ [يوسف: ٧٥]، أي: كذلك نفعل مع
[ ٣٦٠ ]
الظالمين إذا سرقوا أن يُستَرقُّوا وكان هذا من دين يعقوب ﵇ وحكمه. وقولهم هذا قول من لم يسترب نفسه لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ قاله الحسن والسدي وغيرهما. [٩/ ١٩٩]
(٧٢٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨].
وقولهم: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي كبير القدر ولم يريدوا كبر السن لأن ذلك معروف من حال الشيخ. [٩/ ٢٠٤]
(٧٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].
في هذه الآية من الفقه: أن كل من كان على حق وعلم أنه قد يُظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يُتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه ويصرح بالحق الذي هو عليه حتى لا يبقى لأحد مُتكلَّم وقد فعل هذا نبينا محمد ﷺ بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية يقلبها من المسجد «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله! وكبر عليهما فقال النبي ﷺ: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» رواه البخاري ومسلم. [٩/ ٢٠٩]
(٧٢٧) قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ ألم تر قول يوسف ﵇: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾
[ ٣٦١ ]