وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور خرجه البخاري ومسلم … وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة وقد سَلَّمَتْ على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبيًا. [١٣/ ٢٢٤]
(١٠٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧].
حكى الأصمعي قال: سمعت جاريةً أعرابيةً تُنشد وتقول:
أستغفر الله لذنبي كله … قبلت إنسانًا بغير حله
مثل الغزال ناعمًا في دله … فانتصف الليل ولم أصله
فقلت قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أَوَ يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧] الآية فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. [١٣/ ٢٢٥]
(١٠٢١) من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦].
ندم موسى ﵇ على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه، قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر، ثم لم يزل ﵇ يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له
[ ٤٨٣ ]
حتى إنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، وإنما عدده على نفسه ذنبًا، وقال: ظلمت نفسي فاغفر لي، من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر وأيضًا فإن الأنبياء يشفقون ما لا يشفق منه غيرهم.
قال النقاش: لم يقتله عن عمد مريدًا للقتل؛ وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه، قال: وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة وقال كعب كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة وكان قتله مع ذلك خطأ فإن الوكزة واللكزة في الغالب لا تقتل.
وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة!
سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من ها هنا- وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله ﷿: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]». [١٣/ ٢٣٣]
(١٠٢٢) من قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
قال سلمة بن نبيط: بعث عبدالرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقيل له: ما عليك أن تعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئًا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم، وقال عبيد الله بن الوليد الوصافي قلت لعطاء بن أبي رباح: إن
[ ٤٨٤ ]
لي أخًا يأخذ بقلمه وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال ولو ترك ذلك لاحتاج وأدّان؟ فقال من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، قال ابن عباس: فلم يستثن فابتلي ثانية فأعانه الله فلا يعينهم أخوك فإن الله لا يعينه، … قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالمًا ولا يكتب له ولا يصحبه وأنه إن فعل شيئًا من ذلك فقد صار معينًا للظالمين. [١٣/ ٢٣٥]
(١٠٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩].
قيل فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء لماله عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمرًا فالمؤمنون عند شروطهم وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج. [١٣/ ٢٥٠]
(١٠٢٤) من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].
ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمَن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدى حق الله ﷿ وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» قال الشعبي لعطاء الخراساني: خذ هذا الحديث بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة. [١٣/ ٢٦٤]
[ ٤٨٥ ]
(١٠٢٥) من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨].
قال محمود الوراق:
توكل على الرحمن في كل حاجة … أردتَ فإن الله يقضي ويقدِر
إذا ما يرد ذو العرش أمرًا بعبده … يصبه وما للعبد ما يتخير
وقد يهلك الإنسان من وجه حِذره … وينجو بحمد الله من حيث يحذر
وقال آخر:
العبد ذو ضجر والرب ذو قدر … والدهر ذو دول والرزق مقسوم
والخير أجمع فيما اختار خالقنا … وفي اختيار سواه اللَّوم والشُّوم
قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يُقْدِمَ على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله تعالى الخيرة في ذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة. [١٣/ ٢٧١]
(١٠٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
اختلف فيه:
فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملًا صالحًا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة.
وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق
[ ٤٨٦ ]
به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة قاله ابن عطية.
قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا. [١٣/ ٢٧٩]
(١٠٢٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
أي أطع الله واعبده كما أنعم عليك … قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله. [١٣/ ٢٧٩]
(١٠٢٨) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣].
قال أبو معاوية: الذي لا يريد علوًا، هو من لم يجزع من ذلها ولم ينافس في عزها وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعًا وأعزهم غدًا ألزمهم لذل اليوم، وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: «مر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كِسَرًا لهم فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم فتلا هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ﴾ ثم نزل وأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم» خرجه الطبراني.
(١٠٢٩) من قوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].
ختم السورة ببشارة نبيه محمد ﷺ برده إلى مكة قاهرًا لأعدائه وقيل هو بشارة له بالجنة والأول أكثر. [١٣/ ٢٨٤]
[ ٤٨٧ ]