قراءة العامة ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بالتخفيف من أخرب أي يهدمون، وقرأ السُّلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو: ﴿يُخرِّبُونَ﴾ بالتشديد من التخريب، قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد؛ لأن الإخراب
[ ٥٥٦ ]
ترك الشيء خرابًا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابًا، وإنما خربوها بالهدم يؤيده قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد والتشديد بمعنى: التكثير … وقال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخرّبون من خارج ليدخلوا واليهود يخرّبون من داخل ليبنُوا به ما خرب من حصنهم». [١٨/ ٦]
(١١٨٥) من قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢].
أي: اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب، وقيل: يا من عاين ذلك ببصره فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها، ومن وجوهه أنه سلط عليهم من كان ينصرهم، ومن وجوهه أيضًا: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه وفي الأمثال الصحيحة السعيد من وُعظ بغيره. [١٨/ ٨]
(١١٨٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا …﴾ [الحشر: ٣].
أي: لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم، وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة.
والجلاء مفارقة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج، وإن كان معناهما في الإبعاد واحدًا من
[ ٥٥٧ ]
وجهين: أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد.
الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة. قاله الماوردي. [١٨/ ٩]
(١١٨٧) من قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥].
ما: في محل نصب ب ﴿قَطَعْتُمْ﴾ كأنه قال: أي شيء قطعتم؛ وذلك أن النبي ﷺ لما نزل على حصون بني النضير وهي البُويرة حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد أمر بقطع نخيلهم وإحراقها … وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك:
ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم … على عهد موسى ولم نَصْدِفِ
وأنتم رِعاءٌ لشاءٍ عجاف … بِسهل تِهامَة والأخيف
ترون الرعاية مجدًا لكم … لدى كل دهر لكم مجحف
فيا أيها الشاهدون انتهوا … عن الظلم والمنطق المؤنف
لعل الليالي وصرف الدهور … يُدلن من العادل المنصف
بقتل النضير وإجلائها … وعقر النخيل ولم تقطف
فأجابه حسان بن ثابت ﵁:
تفاقد معشر نصروا قريشًا … وليس لهم ببلدتهم نصير
[ ٥٥٨ ]
هُموا أوتوا الكتاب فضيعوه … وهم عُميٌ عن التوراة بُورُ
كفرتم بالقرآن وقد أبيتم … بتصديق الذي قال النذير
وهان على سراة بني لؤي … حريق بالبويرة مستطير
وكان خروج النبي ﷺ في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، وتحصنوا منه في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها وحينئذ نزل تحريم الخمر، ودس عبدالله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير إنا معكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فاغترّوا بذلك؛ فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول الله ﷺ أن يكف عن دمائهم ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح فاحتملوا ذلك إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام. [١٨/ ٩ - ١٠]
(١١٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، قال عبدالرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلًا محرمًا وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [١٨/ ١٨].
(١١٨٩) قال عبدالله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم ﷺ؛ قال: فقلت: ما تقول أصلحك الله في المحرم يقتل الزنبور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
[ ٥٥٩ ]
فَانْتَهُوا﴾. وحدثنا .. عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». حدثنا … عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل الزنبور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدي فيه بعمر، وأن النبي ﷺ أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي ﷺ؛ فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة. [١٨/ ١٨ - ١٩]
(١١٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
خرج مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «إني مجهود»، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك. لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: «من يضيف هذا الليلة ﵀؟»، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، فقال: فَعَلِّليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل؛ فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: «قد عجب الله ﷿ من صنيعكما بضيفكما الليلة». [١٨/ ٢٤]
[ ٥٦٠ ]
(١١٩١) الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدينوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة والصبر على المشقة، وفي «موطأ مالك» أنه بلغه عن عائشة زوج النبي ﷺ أن مسكينًا سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلت. فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدى لنا شاة وكفنها، فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قُرصك … ومعنى شاة وكفنها؛ فإن العرب أو بعض العرب أو بعض وجوههم كان هذا من طعامهم يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غطوه كله بعجين البر، وكفنوه به، ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن؛ وذلك من طيب الطعام عندهم. [١٨/ ٢٦]
(١١٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠].
قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل. [١٨/ ٣٠].
(١١٩٣) من قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
قال الشعبي: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت
[ ٥٦١ ]