عرف حفصة بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت عائشة بما نهاها عن أن تخبرها، وأعرض عن بعض تكرمًا. قاله السدي، وقال الحسن: «ما استقصى كريم قط. قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾». وقال مقاتل: «يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة وهو حديث أم ولده، ولم يخبرها ببعض، وهوقول حفصة لعائشة: إن أبا بكر وعمر سيملكان بعده». [١٨/ ١٦٥]
(١٢٢٥) من قوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤].
في «صحيح مسلم»: عن ابن عباس ﵄ قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة
[ ٥٧٨ ]
وعائشة. قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك. [١٨/ ١٦٧]
(١٢٢٦) من قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ …﴾ [التحريم: ٥].
كل «عسى» في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: هو واجب ولكن الله ﷿ علقه بشرط وهو التطليق، ولم يطلقهن.
في «صحيح مسلم» عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه -وذلك قبل أن يؤمرون بالحجاب-، فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلتُ على عائشة، فقلت: يابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ! فقالت: مالي ومالك يا بن الخطاب! عليك بعيبتك -أي عليك بوعظ ابنتك- قال: فدخلتُ على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ، والله لقد علمتِ أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ، فبكت أشد البكاء. فقلت لها: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: هو في خزانته في المَشرُبة، فدخلتُ فإذا
[ ٥٧٩ ]
أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أُسكفّة المَشرُبة مُدَلٍّ رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ، وينحدر، فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ، فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إليّ أن ارقه، فدخلت على رسول الله ﷺ، وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضةِ من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أُفيقٌ معلق -الجلد الذي لم يتم دباغه- قال: فابتدرت عيناني، قال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟»، قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: «يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟»، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل
[ ٥٨٠ ]
وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك -وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله ﷿ يُصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤]، وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: «لا»، قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه؛ أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: «نعم إن شئت»، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كَشَر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا ثم نزل نبي الله ﷺ، ونزلتُ فنزلتُ أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعًا وعشرين. قال: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين»، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير. [١٨/ ١٦٧ - ١٦٩]
[ ٥٨١ ]
(١٢٢٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا …﴾ [التحريم: ٦].
قال علي ﵁ وقتادة ومجاهد: «قُوا أنفسكم بأفعالكم وقُووا أهليكم بوصيتكم». [١٨/ ١٧١]
(١٢٢٨) من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠].
ضرب الله هذا المثل تنبيهًا على أنه لا يُغني أحد في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرق بينهما الدين.
قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال عكرمة والضحاك: بالكفر.
وعن ابن عباس: «كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه».
وعنه: «ما بغت امرأة نبي قط».
وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القشيري. إنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين، وقيل: خيانتاهما النميمة إذا أوحى الله إليهما شيئًا أفشتاه إلى المشركين. قاله الضحاك.
وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتُعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال.
[ ٥٨٢ ]