أقسم بالقلم لما فيه من البيان؛ كاللسان وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء، ومن في الأرض.
ومنه قول أبي الفتح البستي:
إذا أقسم الأبطال يومًا بسيفهم … وعدوه مما يكسب المجد والكرم
والكرم
كفى قلم الكتاب عزَا ورفعة … مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
وقال ابن عباس: «هذا قسم بالقلم الذي خلق الله فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة».
وقال قتادة: «القلم نعمة من الله تعالى على عباده».
وقال غيره: «فخلق الله القلم الأول، فكتب ما يكون في الذكر، ووضعه
[ ٥٨٦ ]
عنده فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض».
﴿وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾، أي: وما يكتبون، يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قاله ابن عباس.
وقيل: وما يكتبون، أي: الناس ويتفاهمون به.
[١٨/ ١٩٨]
(١٢٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
قال ابن عباس ومجاهد: «على خلق، على دين عظيم من الأديان ليس دين أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن خلقه كان القرآن» وقال علي ﵁ وعَطِيّة: هو أدب القرآن وقيل هو رِفْقُهُ بأمته وإكرامه إياهم، وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه مما نهى الله عنه … قلت: ما ذكرته عائشة في صحيح مسلم أصح الأقوال … وقال الجنيد: سمي خلقه عظيمًا لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى، وقيل سمي خلقه عظيمًا لاجتماع مكارم الأخلاق فيه. [١٨/ ١٩٨]
(١٢٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٣].
أي: في الدنيا، وهم معافون أصحاء.
قال إبراهيم التيمي: «أي يُدعون بالأذان والإقامة فيأبونه».
وقال سعيد بن جبير: «كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون».
[ ٥٨٧ ]
وقال كعب الأحبار: «والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات».
كان الربيع بن خثيم قد فُلج وكان يهادى بين الرجلين إلى المسجد؛ فقيل: يا أبا يزيد، لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبوًا. [١٨/ ٢١٩]
(١٢٤٠) من قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم: ٤٤].
معناه: سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون، فعذبوا يوم بدر.
وقال سفيان الثوري: «نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر».
وقال الحسن: «كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه».
وقال أبو رَوق: «أي: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار».
وقال ابن عباس: «سنمكر بهم». وقيل: هو أن نأخذهم قليلًا ولا نباغتهم. [١٨/ ٢٢٠]
(١٢٤١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١].
كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر
[ ٥٨٨ ]
بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر.
وقال الكلبي: «كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئًا يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنمًا أحسن من هذه. فما تذهب إلا قليلًا حتى تسقط منها طائفة هالكة»؛ فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي ﷺ بالعين؛ فأجابهم، فلما مر النبي ﷺ أنشد:
قد كان قومك يحسبونك سيدًا … وإخال أنك سيد معيون
فعصم الله نبيه ﷺ، ونزلت: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ …﴾. قال القشيري: «وفي هذا نظر؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستسحان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض؛ ولهذا قال: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]، أي: ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن».
قلت: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. [١٨/ ٢٢٢]