قال السهيلي: «ليس المزمل باسم من أسماء النبي ﷺ»، ولم
[ ٦٠١ ]
يُعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه ﵇، وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب وكذلك المدثر، وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها؛ كقول النبي ﷺ لعلي حين غاضب فاطمة ﵂ فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: «قُم يا أبا تراب»؛ إشعارًا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له، وكذلك قوله ﵇ لحذيفة «قم يا نومان» وكان نائمًا ملاطفة له وإشعارًا لترك العتب والتأنيب؛ فقول الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ﴾، فيه تأنيس وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
الفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة. [١٩/ ٣٢]
(١٢٧١) من قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤].
أي: لا تعجل بقراءة القرآن بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني.
وقال الضحاك: «اقرأه حرفًا حرفًا». وقال مجاهد: «أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه»، والترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه: ثغر رتِل ورَتَّل إذا كان حسن التنضيد … وسمع علقمة رجلًا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتل القرآن فداه أبي وأمي، وقال أبو بكر بن طاهر: «تدبر في
[ ٦٠٢ ]
لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه». [١٩/ ٣٦]
(١٢٧٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١٦].
بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب، واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل، فقال ابن عمر وأنس بن مالك: «هو ما بين المغرب والعشاء؛ تمسكًا بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء، فكان بالأولية أحق، وكان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء، ويقول: «هذا ناشئة الليل».
وقال عطاء وعكرمة: «إنه بدء الليل».
وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: «هي الليل كله؛ لأنه ينشأ بعد النهار وهو الذي اختاره مالك بن أنس».
قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة».
﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان؛ لانقطاع الأصوات والحركات. قاله مجاهد وابن أبي مليكة وغيرهما.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي أشد استقامة واستمرارًا على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. [١٩/ ٣٩]
[ ٦٠٣ ]
(١٢٧٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ …﴾ [المزمل: ١٥].
يريد النبي ﷺ أرسله إلى قريش: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾، وهو موسى؛ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أي: كذب به ولم يؤمن، قال مقاتل: «ذكر موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ازدروا محمدًا ﷺ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون أزدرى موسى؛ لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]». [١٩/ ٤٦]
(١٢٧٤) من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
بيّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل؛ لأجل هؤلاء … قال ابن مسعود: «أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ … وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حِنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت
[ ٦٠٤ ]
علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافًا لا عليّ ولا لي. [١٩/ ٥٢]
(١٢٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
روي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ حيسًا -يعني تمرًا بلبن- فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه، فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر: لكن رب المسكين يدري ما هو وكأنه تأول ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ أي: مما تركتم وخلفتم ومن الشح والتقصير، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. قال أبو هريرة: «الجنة» ويحتمل أن يكون أعظم أجرًا لإعطائه بالحسنة عشرًا». [١٩/ ٥٥]