ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد، ويا فلان، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه.
(١٢٧٧) من قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣].
أي: سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم وَصِفْهُ بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد. [١٩/ ٥٨]
(١٢٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦].
قال الإمام القرطبي بعد أن ذكر جملة من الأقوال في الآية: وهذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول ابن عباس: «لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت
[ ٦٠٥ ]
من المال»، يقال: مننت فلانًا كذا أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة، فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها؛ لأنه ﵇ ما كان يجمع الدنيا. [١٩/ ٣]
(١٢٧٩) من قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ [المدثر: ١٣].
أي: حضورًا لا يغيبون عنه في تصرف … قال مقاتل: «كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن الوليد. قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك». [١٩/ ٦٦]
(١٢٨٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ [المدثر: ١٨].
يعني: الوليد بن المغيرة فكر في شأن النبي ﷺ والقرآن ﴿وَقَدَّرَ (١٨)﴾ أي: هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته؛ وذلك أنه لما نزل ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ١ - ٣]. سمعه الوليد يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صبا الوليد لتصبون قريش كلها. وكان يقال للوليد ريحانة قريش. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فمضى إليه حزينًا. فقال له: مالي أراك حزينًا، فقال له: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام
[ ٦٠٦ ]
محمد، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما. فغضب الوليد وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كِسر محمد وصاحبه فأنتم تعرفون قدر مالي، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك، وإنما أنتم تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه قط يَخنُق؟ قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه تكهن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعًا وتخالجًا، فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله، وكان النبي ﷺ يسمى: الصادق الأمين، من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده مواليه؟! فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي: في أمر محمد والقرآن ﴿وَقَدَّرَ (١٨)﴾ في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما ﴿فَقُتِلَ﴾ أي: لعن … ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ بأي شيء يرد الحق ويدفعه ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قطب بين عينيه في وجوه المؤمنين ﴿وَبَسَرَ (٢٢)﴾ أي: كلح وجهه وتغير لونه.
وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة. [١٩/ ٦٨]
(١٢٨١) من قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٧].
اللام متعلقة ب ﴿نَذِيرًا﴾ أي: نذيرًا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير
[ ٦٠٧ ]
والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية. نظيره ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾.
قال الحسن: «هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]». [١٩/ ٧٨]
(١٢٨٢) من قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ [المدثر: ٤٩].
أي: فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عما جئتم به، وفي تفسير مقاتل: «الإعراض عن القرآن من وجهين؛ أحدهما: الجحود والإنكار، والوجه الآخر: ترك العمل بما فيه». [١٩/ ٨٠]