قيل: إن ﴿لَا﴾ صلة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض فهو في حكم كلام واحد؛ ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]، وجوابه في سورة أخرى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ٢]، ومعنى الكلام: أقسم بيوم القيامة. قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة، ومثله قوله الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابةٌ … فكاد صميم القلب لا يتقطع
وحكى أبو الليث السمرقندي: «أجمع المفسرون أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أقسم، واختلفوا فيه تفسير «لا». قال بعضهم: «لا» زيادة في الكلام للزينة، ويجري
[ ٦٠٨ ]
في كلام العرب زيادة «لا» كما قال في آية أخرى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، يعني: أن تسجد، وقال بعضهم: «لا» رد لكلامهم حيث أنكروا البعث، فقال: ليس الأمر كما زعمتم. قلت: وهذا قول الفراء. [١٩/ ٨٣]
(١٢٨٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ٢].
أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردت بكذا؟ فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: «هي والله نفس المؤمن، ما يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه».
وقال مجاهد: «هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه». [١٩/ ٨٤]
(١٢٨٥) من قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٤].
البنان: عند العرب الأصابع واحدها بنانة.
قال النابغة:
بُمُخضَبٍ رَخص كأن بنانَه … عَنْمٌ يكاد من اللطافة يُعقد
وقال عنترة:
وأن الموتَ طَوعَ يدي إذا ما … وصلتُ بَنَانَها بالهِنْدُواني
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضًا فإنها أصغر العظام، فخصها بالذكر لذلك.
[ ٦٠٩ ]
قال القتبي والزجاج: «وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها، ونؤلف بينها حتى تستوي ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر».
وكان الحسن يقول: «جعل لك أصابع فأنت تبسطهن وتقبضهن ولو شاء الله لجمعهن فلم تتق الأرض إلا بكفيك». [١٩/ ٨٥]
(١٢٨٦) من قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ [القيامة: ٥].
قال ابن عباس: «يعني الكافر يكذب بما أمامه من البعث والحساب».
وعنه أيضًا: «يعجل المعصية ويسوف التوبة …».
وقال الضحاك: «هو الأمل يقول سوف أعيش، وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت، وقيل: أي يعزم على المعصية أبدًا، وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال للإنسان، وقيل: الهاء ليوم القيامة. والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. والفجور أصله الميل عن الحق. [١٩/ ٨٦]
(١٢٨٧) من قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة: ١٣].
أي: يخبر ابن آدم بَرًّا كان أو فاجرًا، ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ أي: بما سلف من عمل سيء أو صالح أو أخر من سنة سيئة أو صالحة يُعمل بها بعده. قاله ابن عباس وابن مسعود. [١٩/ ٨٩]
[ ٦١٠ ]
(١٢٨٨) من قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ [القيامة: ١٤].
قال القاضي أبو بكر العربي: «فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه؛ لأنها بشهادة منه عليها قال الله ﷾: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]. ولا خلاف فيه؛ لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه». [١٩/ ٩١]
(١٢٨٩) من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١].
﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد. قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة، وقد حكي عن سيبويه: «﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد».
قال الفراء: «﴿هَلْ﴾: تكون جحدًا وتكون خبرًا؛ فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تقرر بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل: هي بمنزلة الاستفهام والمعنى: أتى». [١٩/ ١٠٧]