أنزل الله في حقه -ابن أم مكتوم- على نبيه ﷺ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيمًا له، ولم يقل: عبست وتوليت ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسًا له، فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: يعلمك ﴿لَعَلَّهُ﴾ يعني: ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى (٣)﴾ بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه. [١٩/ ١٨٦]
(١٣١٣) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس: ٢٤].
لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يسر من رزقه أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر أي: ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للمعاد.
[ ٦٢٠ ]
وروي عن الحسن ومجاهد قالا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ أي: إلى مُدخله ومُخرجه.
وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: قال لي النبي ﷺ: «يا ضحاك ما طعامك؟»، قلت: يا رسول الله اللحم واللبن، قال: «ثم يصير إلى ماذا؟»، قلت: إلى ما قد علمته. قال: «فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير». وقال الوليد: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك، فيقول: انظر ما بخلت به إلى ما صار. [١٩/ ١٩١]
(١٣١٤) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ [عبس: ٣٤].
أي: يهرب أي: تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه أي: من موالاة أخيه ومكالمته؛ لأنه لا يتفرغ لذلك لاشتغاله بنفسه، كما قال بعده: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧]. أي: يشغله عن غيره.
وقيل: إنما يفر حذرًا من مطالبتهم إياه لما بينهم من التبعات.
وقيل: لئلا يَروا ما هو فيه من الشدة.
وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعون ولا يغنون عنه شيئًا، كما قال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١]، وقال عبدالله بن طاهر الأبهري: «يفر منهم لِما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئًا سوى ربه تعالى». [١٩/ ١٩٥]
[ ٦٢١ ]