قال العلماء: لو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية. قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية وأرقاه
[ ٣٨٣ ]
فوق الكواكب العلوية ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة. [١٠/ ١٨١]
(٧٦٧) ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيًا. [١٠/ ١٨١]
(٧٦٨) من قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
سمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يُعظم بالزيارة ثم قال: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار وقيل بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين وبهذا جعله مقدسًا. [١٠/ ١٨٧]
(٧٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسراء: ٤].
المراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٤]، يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها. [١٠/ ١٨٩]
(٧٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١].
قال ابن عباس وغيره: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له! اللهم أهلكه ونحوه ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي كدعائه ربه أن يهب له العافية؛ فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك. [١٠/ ١٩٨]
[ ٣٨٤ ]
(٧٧١) من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤].
قال بعض الصلحاء: هذا كتابٌ لسانك قلمه وريقك مداده وأعضاؤك قرطاسه أنت كنت المملي على حفظتك ما زيد فيه ولا نقص منه ومتى أنكرت منه شيئًا يكون فيه الشاهد منك عليك. [١٠/ ٢٠٢]
(٧٧٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
نزعت عائشة ﵂ بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله. قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها فإن الرواة لهذا المعنى كثير كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة وهم جازمون بالرواية فلا وجه لتخطئتهم ولا معارضة بين الآية والحديث فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته كما كانت الجاهلية تفعله حتى قال طرفة:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشقي عليّ الجيب يا بنت معبد
وقال:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
وإلى هذا نحا البخاري، وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث وأنه إنما يعذب بنوحهم لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك فيعذب بتفريطه في ذلك وبترك ما أمره الله به من قوله: ﴿قُوا
[ ٣٨٥ ]
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] لا بذنب غيره والله أعلم. [١٠/ ٢٠٢]
(٧٧٣) أخرج أحمد والطبراني في الكبير والديلمي من حديث سويد بن هبيرة وقال الهيثمي في المجمع رجال أحمد ثقات حديث: «خير المال مُهرة مأمورة أو سكة مأبورة» السكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. [١٠/ ٢٠٤] مأمورة: أي كثيرة النتاج والنسل.
(٧٧٤) روي عن مالك أن رجلًا قال له: إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك. فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده. وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم وزعم أن لها ثلثي البر.
وحديث أبي هريرة: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك» يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر وهو الحجة على من خالف وقد زعم المحاسبي في كتاب الرعاية له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة ﵁ والله أعلم. [١٠/ ٢٠٩]
(٧٧٥) عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة وترك أبويه يبكيان، فقال: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وهو حديث حسن وله شواهد. قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. [١٠/ ٢١٠]
[ ٣٨٦ ]
(٧٧٦) قال ابن المنذر: والأجداد آباء والجدات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الأخوة وسائر القرابات وكان طاووس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله ﷿. [١٠/ ٢١١]
(٧٧٧) من قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣].
خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلًّا عليه فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه فلذلك خص هذه الحالة بالذكر وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]. [١٠/ ٢١٢]
(٧٧٨) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] النهر: الزجر والغلظة ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]: أي لينًا لطيفًا مثل: يا أبتاه ويا أماه من غير أن يسميهما ويكنيهما قاله عطاء وقال أبو الهداج التجيبي: قلت
[ ٣٨٧ ]
لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قول: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. [١٠/ ٢١٤]
(٧٧٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦].
أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق، قال الشافعي: والتبذير إنفاق المال في غير حقه ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الإسراف وهو حرام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، وقوله: ﴿إِخْوَانَ﴾: يعني أنهم في حكمهم إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم أو أنهم يُقرنون بهم غدًا في النار ثلاثة أقوال. [١٠/ ٢١٧]
(٧٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ [الإسراء: ٢٨].
أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولًا ميسورًا: أي أحسن القول وابسط العذر وادع لهم بسعة الرزق، وقل: إذا وجدتُ فعلتُ وأكرمتْ فإن ذلك يعمل في مَسّرة نفسه عمل المواساة وكان ﵊ إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارًا لرزق يأتي من الله ﷾ كراهة الرد والضمير في ﴿عَنْهُمُ﴾ عائد على من تقدم ذكرهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل.
[ ٣٨٨ ]
وقولًا ميسورًا: أي لينًا لطيفًا طيبًا مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون أي وعدًا جميلًا ولقد أحسن من قال:
إلا تكن وَرِقٌ يومًا أجودُ بها … للسائلين فإني لين العود
لا يعدم السائلون الخير من خُلُقي … إما نوالي وإما حسن مردودي
[١٠/ ٢١٨]
(٧٨١) من قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣].
أي معانًا يعني الولي فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه.
قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى وبمجموعها ثالثة فأيها كان فهو نصر من الله ﷾. [١٠/ ٢٢٣]
(٧٨٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]
قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة لأنه لما قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] دل على جواز ما لنا به علم فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص لأنه ضرب من غلبة الظن وقد يسمى علمًا اتساعًا فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. [١٠/ ٢٢٦]
[ ٣٨٩ ]
(٧٨٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
أي يُسأل كل واحد منهم عما اكتسب فالفؤاد يُسأل عما افتكر فيه واعتقده والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع، وقيل المعنى: إن الله ﷾ يَسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده. [١٠/ ٢٢٧]
(٧٨٤) ومن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع وأنشدوا:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا … فكم تحتها قوم همو منك أرفع
وإن كنت في عز وحرز ومنعة … فكم مات من قوم همو منك أمنع
[١٠/ ٢٢٨]
(٧٨٥) ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥].
عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: لما نزلت سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذممًا أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي ﷺ قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ﵁ فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله: لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك: قال رسول الله ﷺ: إنها لن تراني وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال. وقرأ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ﴾ فوقفت على أبي
[ ٣٩٠ ]
بكر ﵁ ولم تر رسول الله ﷺ. فقالت: يا أبا بكر: إني أخبرت أن صاحبك هجاني فقال: لا ورب البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها.
قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن فعبرا عليَّ ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر هذا دِيبلُه يعنون شيطانًا وأعمى الله ﷿ أبصارهم فلم يروني والحمد لله حمدًا كثيرًا على ذلك. [١٠/ ٢٣٦]
(٧٨٦) قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦]. [١٠/ ٢٣٧]
(٧٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥] الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. [١٠/ ٢٤٢]
(٧٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
ولم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها والمعنى والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها ويمكن أن يكون هذا
[ ٣٩١ ]
على قول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله، يعني الكَشُوت. [١٠/ ٢٤٩]
(٧٨٩) من قوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء: ٦٢].
أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ولأجتاحنهم. وروي عن العرب: احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله وإنما قال إبليس ذلك ظنًا كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] أو عَلِمَ من طبع البشر تَرَكُّبَ الشهوة فيهم أو بنى على قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم ﵇ فلم يجد له عزما. [١٠/ ٢٥٠]
(٧٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
استفزز: استزله بقطعك إياه عن الحق .. وصوته: كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى، .. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فالمعنى: أجمع عليهم كلما تقدر عليه من مكايدك وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى. [١٠/ ٢٥١]
(٧٩١) من قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤].
أي اجعل لنفسك شركة في ذلك فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله
[ ٣٩٢ ]
قاله الحسن وقيل هي التي أصابوها من غير حلها قاله مجاهد … والأولاد: قيل هم أولاد الزنا، وقيل: ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم، وقيل: تسميتهم عبد الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه … بتصرف [١٠/ ٢٥١]
(٧٩٢) من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه ﵇ بالصبر والمحافظة على الصلاة وفيها طلب النصر على الأعداء ومثله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨] … وهذه الآية (آية الإسراء) بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. [١٠/ ٢٦٣]
(٧٩٣) اختلف العلماء في الدلوك فقيل: زوال الشمس عن كبد السماء، وقيل: الغروب، قال الماوردي: من جعل الدلوك اسمًا لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ومن جعله اسمًا لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. [١٠/ ٢٦٣]
(٧٩٤) اختلف العلماء في آخر وقت المغرب فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس. وقال مالك في الموطأ: فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء … لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله وزعم ابن العربي أن هذا القول هو
[ ٣٩٣ ]
المشهور من مذهب مالك وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته.
والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوًا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر.
قلت: والقول بالتوسعة أرجح. [١٠/ ٢٦٤] بتصرف
(٧٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
انتصب ﴿قُرْآنَ﴾ من وجهين أحدهما: أن يكون معطوفًا على الصلاة؛ المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح قاله الفراء وقال أهل البصرة: انتصب على الإغراء: أي فعليك بقرآن الفجر قاله الزجاج.
وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور. [١٠/ ٢٦٥]
(٧٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم … وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي ﷺ أنه قال: «أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد
[ ٣٩٤ ]
رقدة كذلك كانت صلاة رسول الله ﷺ». [١٠/ ٢٦٧]
(٧٩٧) من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال:
الأول: وهو أصحها- الشفاعة للناس يوم القيامة قاله حذيفة بن اليمان. [١٠/ ٢٦٨]
(٧٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾ روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات الحديث.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ «كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث» قال أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون تفسير (نفث) نفخ نفخًا ليس معه ريق، ومعنى (تفل): نفخ نفخًا معه ريق.
قال الشاعر:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه … وإن يُفْقَد فَحُقَّ له الفُقُود
وقال ذو الرمة:
ومن جوف ما ء عَرْمَضَ الحول فوقه فوقه … متى يَحسُ منه مائح القوم يتفل
[١٠/ ٢٧٧]
[ ٣٩٥ ]
(٧٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته.
قال قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ثم قرأ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ … الآية. [١٠/ ٢٨٠]
(٨٠٠) من قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها وهذا ذمٌ للكافر ومدح للمؤمن.
(٨٠١) قال القرطبي: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. [١٠/ ٢٨٢]
(٨٠٢) من قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
والصحيح الإبهام لقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى مبهمًا له وتاركًا تفصيله ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى وحكمة ذلك
[ ٣٩٦ ]
تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. [١٠/ ٢٨٣]
(٨٠٣) من قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٣].
قرأ أهل مكة والشام ﴿قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يعني النبي ﷺ أي قال ذلك تنزيهًا لله ﷿ عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل، وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. والباقون ﴿قُلْ﴾ على الأمر أي قل لهم يا محمد ﴿هَلْ كُنْتُ﴾ أي ما أنا ﴿إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ أتبع ما يوحى إليّ من ربي ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر فهل سمعتم أحدًا من البشر أتى بهذه الآيات. [١٠/ ٢٨٩]
(٨٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩].
هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم. وَحَقٌّ بكل من توسم بالعلم وحصّل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل وفي مسند الدارمي أبي محمد عن التيمي، قال: من أوتي من العلم ما لم يُبكّه لخليق ألا يكون أوتي علمًا لأن الله تعالى نعت العلماء ثم تلا هذه الآية ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. [١٠/ ٢٩٦]
[ ٣٩٧ ]