اختلف في إخفائه هذا النداء فقيل: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن ولأنه أمر دنيوي فإن أُجيب فيه نال بغيته وإن لم يُجَب لم يعرف بذلك أحد.
قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويُؤَمِّن مَنْ خلفه من غير رفع صوت وتلا يونس: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾
[ ٤٠٩ ]
[مريم: ٣]. قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي والجهر به أفضل لأن النبي ﷺ كان يدعو به جهرًا. [١١/ ٧٤]
(٨٣٣) من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤].
قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع لأن قوله تعالى: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ إظهار للخضوع، وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤] إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته أي لم أكن بدعائي إياك شقيًا أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى يقال: شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده وعن بعضهم: أن محتاجًا سأله وقال: أنا الذي أحسنتَ إليه في وقت كذا فقال: مرحبًا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته. [١١/ ٧٤]
(٨٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥].
وقالت طائفة: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليًا يقوم بالدين بعده، حكى هذا القول الزجاج وعليه فلم يسل من يرث ماله لأن الأنبياء لا تورث وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية وأنه ﵊ أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال. [١١/ ٧٥]
(٨٣٥) الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة ثم إن زكريا ﵇ تحرز فقال: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقال: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦] والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة وخرج من
[ ٤١٠ ]
حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة وقد دعا النبي ﷺ لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» فدعا له بالبركة تحرزًا مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء. [١١/ ٧٨]
(٨٣٦) من قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم: ١١].
أي أشرف عليهم من المصلى، والمحراب أرفع المواضع وأشرف المجالس وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض … واختلف الناس في اشتقاقه فقالت فرقه: هو مأخوذ من الحَرْب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحَرَب كأن ملازمه يلقى منه حربًا وتعبًا ونصبا. [١١/ ٨١]
(٨٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢].
روى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خُلقت فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا. [١١/ ٨٣]
(٨٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣].
قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشر أهون من بعض
[ ٤١١ ]
وأنشد سيبويه:
فقالت حنان ما أتى بك هاهنا … أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقال الحطيئة:
تحنن عليَّ هداك المليك … فإن لكل مقام مقالا
[١١/ ٨٤]
(٨٣٩) من قوله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦].
أي مكانًا من جانب الشرق .. وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها حكاه الطبري … وحكي عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قِبلةً لقول الله ﷿: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ فاتخذوا ميلاد عيسى ﵇ قبلة، وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيرًا من المشرق لوضعت مريم عيسى ﵇ فيه. [١١/ ٨٦]
(٨٤٠) من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣].
تمنت مريم ﵍ الموت من جهة الدين لوجهين:
أحدهما: أنها خافت أن يُظَنَّ بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك.
والثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزًا. [١١/ ٨٧]
[ ٤١٢ ]
(٨٤١) من قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥].
استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتومًا فإن الله تعالى قد وَكَلَ ابن آدم إلى سَعيٍ مّا فيه لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية وكانت الآية تكون بألا تهز.
وقال الربيع بن خثيم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ولو علم الله شيئًا أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك وقيل إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل. [١١/ ٩٠ - ٩١]
(٨٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
أي: ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلمًا له، وقال القشيري: وجعلني آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأرشد الضال وأنصر المظلوم وأغيث الملهوف. [١١/ ٩٦]
(٨٤٣) من قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨].
قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب فتقول: أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره، قال: فمعناه أنه عَجَّب نبيه منهم. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر حين يقول الله ﵎ لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقيل أسمع بمعنى الطاعة أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم. [١١/ ١٠١]
[ ٤١٣ ]
(٨٤٤) من قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ﴾ [مريم: ٧٩].
﴿كَلَّا﴾ يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى (حقًا)، والثاني: بمعنى (لا) فإذا كانت بمعنى حقًا جاز الوقف على ما قبله ثم تبتديء ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا. وإذا كانت بمعنى لا كان الوقف على ﴿كَلَّا﴾ جائزًا، كما في هذه الآية لأن المعنى: لا ليس الأمر كذا ويجوز أن تقف على قوله ﴿عَهْدًا (٧٨)﴾، وتبتدئ ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]، وكذا قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يجوز الوقف على ﴿كَلَّا﴾ وعلى (تركت)، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٤، ١٥] الوقف على ﴿كَلَّا﴾ لأن المعنى لا - وليس الأمر كما تظن ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥]، فليس للحق في هذا المعنى موضع. [١١/ ١٣٥]
(٨٤٥) روي أن المأمون قرأ هذه السورة -مريم- فمرّ بهذه الآية: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ [مريم: ٨٤]، وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد وقيل في هذا المعنى:
[ ٤١٤ ]
حياتك أنفاس تعد فكلما … مضى نفس منك انتقصت به جزءًا
يميتك ما يحييك في كل ليلة … ويحدوك حاد ما يريد به الهُزءا
[١١/ ١٣٨]
(٨٤٦) قال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة لقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١].
قال ابن العربي: وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر ولولا أن الباري ﵎ لا يضعه كفر الكافر ولا يرفعه إيمان المؤمن ولا يزيد هذا في ملكه كما لا ينقص ذلك من ملكه لما جرى شيء من هذا على الألسنة ولكنه القدوس الحكيم الحليم فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون. [١١/ ١٤٤]
(٨٤٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
أي حبًا في قلوب عباده وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقيل يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة.
قلت: إذا كان محبوبًا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة فإن الله تعالى لا
[ ٤١٥ ]
يحب إلا مؤمنًا تقيًا ولا يرضى إلا خالصًا نقيًا جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل ﵇، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل ﵇ وقال: إني أبغض فلانًا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض». [١١/ ١٤٦ - ١٤٧]