واختلف العلماء في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين … وقيل أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى وكذلك فعل السلف حين طافوا بالبيت وقيل إعظامًا لذلك الموضع كما أن الحرم لا يُدخل بنعلين إعظامًا له.
قال سعيد بن جبير: قيل له طإ الأرض حافيًا كما تدخل الكعبة حافيًا. والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان إلى غاية التواضع فكأن موسى ﵇ أمر بذلك على هذا الوجه … وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة بالمدينة برًا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة والجثة الكريمة … [١١/ ١٥٧] بتصرف
[ ٤١٦ ]
(٨٤٩) قال أبو الأحوص: زار عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فأقام أبو موسى فقال أبو موسى لعبد الله تقدم فقال عبد الله: تقدم أنت في دارك فتقدم وخلع نعليه فقال عبد الله: أبالوادي المقدس أنت. [١١/ ١٥٨]
«قال المحقق: حيثما أطلق عبد الله عند أهل العراق فالمراد ابن مسعود».
(٨٥٠) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣].
حُسْنُ الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وذم على خلاف هذا الوصف، فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٧] الآية فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل وأمر عباده بذلك أدبًا لهم ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣]، لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى وهو أن يكف العبد جوارحه ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ويحصر عقله فلا يُحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.
[ ٤١٧ ]
وقال سفيان بن عيينه: أول العلم الاستماع ثم الفهم ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب وجعل له في قلبه نورًا. [١١/ ١٦٠]
(٨٥١) من قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
اختلف في تأويل قوله: ﴿لِذِكْرِي (١٤)﴾ فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها، وقيل المعنى: أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة … وقيل المراد إذا نسيت فتذكرت فصل كما في الخبر «فليصلها إذا ذكرها». [١١/ ١٦١]
(٨٥٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨].
تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس قال: إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصر الرِّشا وصلته بالعصا وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني وإن خفت شيئًا من هوام الأرض قتلته بها وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة وأقاتل بها السباع عن الغنم .. والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئًا على سيف أو عصا فالعصا مأخوذة من أصل كريم ومعدن شريف ولا ينكرها إلا جاهل وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما آمن به السحرة المعاندون.
[ ٤١٨ ]
قال مالك: كان عطاء بن السائب يمسك المخصرة يستعين بها، وقال مالك: والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه قلت وفي مشيته كما قال بعضهم:
قد كنت أمشي على رجلين معتمدًا … فصرت أمشي على أخرى من الخشب
[١١/ ١٧١، ١٧٢]
(٨٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة وضمنت له العصمة ألا تراه قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] فكيف بنا فنحن أولى بذلك وحينئذٍ يحصل الآمر والناهي على مرغوبه ويظفر بمطلوبه وهذا واضح.
القول اللين: هو القول الذي لا خشونة فيه … فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولًا لينًا فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه وقد قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. [١١/ ١٨١ - ١٨٢]
(٨٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [طه: ٤٧].
قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله ﷿ وعذابه. قال وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاءٍ ولا خطاب. [١١/ ١٨٤]
[ ٤١٩ ]
(٨٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٨].
قال ابن عباس: هذه أرجى آية للموحدين لأنهم لم يكذبوا ولم يتولوا. [١١/ ١٨٥]
(٨٥٦) من قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]
هذه الآية ونظائرها تدل على تدوين العلوم وكَتْبِها لئلا تنسى فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه، وقيل لقتادة: أنكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]. [١١/ ٨٦]
(٨٥٧) وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين وقد أمر ﷺ بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه- رجل من اليمن- لما سأله كتبها رواه مسلم.
وقال معاوية بن قرة: من لم يكتب العلم لم يُعد عِلمه علمًا وقد ذهب قوم إلى المنع من الكَتْبِ والكَتْبُ أولى على الجملة وبه وردت الآي والأحاديث … وأيضًا: فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا، وإنما كره الكَتْب من كره من الصدر الأول لقرب العهد وتقارب الإسناد لئلا
[ ٤٢٠ ]
يعتمده الكاتب فيهمله أو يرغب عن حفظه والعمل به فأما والوقت متباعد والإسناد غير متقارب والطرق مختلفة والنقلة متشابهون وآفة النسيان معترضة والوهم غير مأمون فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى والدليل على وجوبه أقوى. [١١/ ١٨٨]
(٨٥٨) قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان والحبر أبقاها على مر الدهور وهو آلة ذوي العلم وعدة أهل المعرفة.
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه فقال: لم تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد وفي البصائر بياض وقال خالد بن يزيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخَلوق في ثوب العروس وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البلوي فقال:
مداد المحابر طيب الرجال … وطيب النساء من الزعفران
فهذا يليق بأثواب ذا … وهذا يليق بثوب الحَصَان
[١١/ ١٨٨]
(٨٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩].
ولم يقل وألق عصاك فجائز أن يكون تصغيرًا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العُويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه
[ ٤٢١ ]
بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيمًا لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئًا أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها. [١١/ ٢٠٩]
(٨٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
أي يمت عليه ويوافيه مصدقًا به وقد عمل الطاعات وما أمر به ونهي عنه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. [١١/ ٢٠٤]
(٨٦١) من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢، ٩٣].
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي. قاله ابن عباس وقيل إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢] فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لاسيما إذا كان راضيًا حكمه كحكمهم.
وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في
[ ٤٢٢ ]
مذهب الصوفية؟ وأعلم- حرس الله مدته- أنه اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ﷺ ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًا عليه ويُحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين وهذا القول الذي يذكرونه:
يا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحًا … ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: يرحمك الله- مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق. [١١/ ٢١٢ - ٢١٣]
[ ٤٢٣ ]
(٨٦٢) قال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢] وقال في موضع آخر: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، فقال: إن ليوم القيامة حالات فحالة يكونون فيه زرقًا وحالة عميا. [١١/ ٢١٨]
(٨٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ [طه: ١٠٥].
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾: أي عن حال الجبال يوم القيامة، ﴿فَقُلْ﴾: جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن (قل) بغير فاء إلا هذا لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي ﷺ فجاء الجواب عقب السؤال فلذلك كان بغير فاء وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد؛ فتفهمه. [١١/ ٢١٩]
(٨٦٤) من قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧].
قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرقى، ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا (بالبراريق) واحدها (بروقة) تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاثة أعواد من تبن الشعير يكون في طرف كل عود عقدة تُمرّ كل عقدة على الثآليل وتقرآ الآية مرة ثم تدفن الأعواد في مكان ندي؛ تعفّن وتعفن الثآليل؛ فلا يبقى لها أثر، جربت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعًا إن شاء الله. [١١/ ٢١٩]
[ ٤٢٤ ]
(٨٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه: ١٠٨].
الهمس: الصوت الخفي؛ قاله مجاهد. وهمس الطعام: أي مضغه وفُوه منضمٌّ.
قال الراجز:
لقد رأيت عجبًا مُذ أمسا … عجائزًا مثل السعالي خمسًا
يأكلن ما أصنع همسًا همسًا. [١١/ ٢٢٠]
(٨٦٦) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩].
وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة الطعام والشراب والكسوة والمسكن فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور فأما هذه الأربعة فلا بد منها لأن بها إقامة المهجة. [١١/ ٢٢٥]
(٨٦٧) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم يا موسى اصطفاك الله ﷿ بكلامه وخط لك بيده يا موسى
[ ٤٢٥ ]
أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثًا» قال المهلب قوله: فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة.
قال الليث بن سعد: إنما صحت هذه الحجة في هذه القصة لآدم على موسى ﵉ من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فَرَّ يوم أُحد فقال ابن عمر ما على عثمان ذنب لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. [١١/ ٢٢٧]
(٨٦٨) من قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣].
خاطب آدم وإبليس ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الجنة وقد قال لإبليس ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ثم أهبط إلى الأرض ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: أنت عدو للحية وإبليس وهما عدوان لك وهذا يدل على أن قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ ليس خطابًا لآدم وحواء لأنهما ما كانا متعاديين وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. [١١/ ٢٢٩]
(٨٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١].
ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنًا فإنه لا بقاء لها ﴿وَلَا
[ ٤٢٦ ]
تَمُدَّنَّ﴾ أبلغ من ولا تنظرن لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. [١١/ ٢٣٢].
(٨٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢].
يروى أن عروة بن الزبير ﵄ كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، ثم ينادي بالصلاة! الصلاة يرحمكم الله ويصلي وكان عمر بن الخطاب ﵁ يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية، وقوله تعالى: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق بل نحن نتكفل برزقك وإياهم. [١١/ ٢٣٣]