معناه يستدفئون من البرد يقال: اصطلى يصطلي إذا استدفأ قال الشاعر:
النار فاكهة الشتاء فمن يرد … أكل الفواكه شاتيًا فليصطل
[١٣/ ١٤٣]
(٩٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ [النمل: ١٠ - ١١].
فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله ﷿ أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين وهم أيضًا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به فهم يخافون من المطالبة به. [١٣/ ١٤٧]
(٩٩٣) قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقب، وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر، قلت: والأول أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة وإذا أحدث المقرب حدثًا فهو وإن
[ ٤٧٠ ]
غفر له ذلك الحدث فأثر ذلك الحدث باقٍ وما دام الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن يكدر عليه صفاء الثقة. وموسى ﵇ قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني ثم استغفر وأقر بالظلم على نفسه ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ [القصص: ١٧]. [١٣/ ١٤٧]
(٩٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥].
في الآية دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلَّ النعم وأجزل القسم وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من عباد الله المؤمنين. [١٣/ ١٤٩]
(٩٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦].
أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. [١٣/ ١٥٠]
(٩٩٦) من قوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦].
قال قتادة والشعبي: إنما هذا الأمر في الطير خاصة لقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة، قال الشعبي: وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين.
[ ٤٧١ ]
وقالت فرقة: بل كانت في جميع الحيوان وإنما ذكر الطير لأنه كان جندًا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمر الطير.
وقال أبو جعفر النحاس: والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام والله جل وعز أعلم بما أراد، وقال ابن العربي: من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات فكان كل نبت يقول: أنا شجر كذا أنفع من كذا وأضر من كذا فما ظنك بالحيوان. [١٣/ ١٥١]
(٩٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧].
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ معناه: يرد أولهم إلى آخرهم وَيُكَفّون.
وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق. [١٣/ ١٥٢]
(٩٩٨) ذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن؟ أي من الناس قال ابن القاسم: قلت لمالك: ما يزع؟ قال يكف قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق لا زيادة عليها
[ ٤٧٢ ]
ولا نقصان معها ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها وقصروا عنها وأتوا ما أتوا بغير نية ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها فلم يرتدع الخلق بها ولو حكموا بالعدل وأخلصوا النية لاستقامت الأمور وصلح الجمهور. [١٣/ ١٥٣]
(٩٩٩) من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨].
سميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها [١٣/ ١٥٣]
(١٠٠٠) من قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].
وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها ولذلك أكد التبسم بقوله ضاحكًا إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئين. وتَبَسُّمُ الضَّحِك إنما هو عن سرور ولا يُسر نبي بأمر دنيا وإنما سُر بما كان من أمر الآخرة والدين. [١٣/ ١٥٤]
(١٠٠١) روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح» وفي طريق آخر: «فهلا نملة واحدة» قال علماؤنا: يقال إن هذا النبي هو موسى ﵇ وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة
[ ٤٧٣ ]
مستروحًا إلى ظلها وعندها قرية النمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته فدلكهن بقدمه فأهلكهم وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرًا ونقمة على العاصي. [١٣/ ١٥٧]
(١٠٠٢) لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قوي شمام جدًا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب لقطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقتين ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عُدَّة. قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها. [١٣/ ١٥٩]
إذا أراد الله أمرًا بامرئ … وكان ذا عقل ورأي ونظر
وحيلة يعملها في دفع ما … يأتي به مكروه أسباب القدر
غطى عليه سمعه وعقله … وسله من ذهنه سل الشعر
حتى إذا أنفذ فيه حكمه … رد عليه عقله ليعتبر
[١٣/ ١٦١]
(١٠٠٣) من قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠].
في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم
[ ٤٧٤ ]
فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله فكيف بعظام الملك ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته. قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر. فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان وتضيع الرعية ويضيع الرعيان.
(١٠٠٤) من قوله تعالى: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠].
قيل: إنما قال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ لأنه اعتبر حال نفسه إذ علم أنه أوتي الملك العظيم وسخر له الخلق فقد لزمه الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قَصّر في حق الشكر فلأجله سُلبها فجعل يتفقد نفسه فقال: ما لي. قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم تفقدوا أعمالهم هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض! [١٣/ ١٦١]
(١٠٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢].
سبأ قيل: اسم رجل وقيل: اسم مدينة وقيل: اسم امرأة والصحيح أنه اسم رجل. [١٣/ ١٦٣]
(١٠٠٦) من قوله تعالى: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢].
في الآية دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه. هذا عمر بن الخطاب مع جلالته ﵁ وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان. وكان علم التيمم عند عمار وغيره،
[ ٤٧٥ ]
وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا لا يتيمم الجنب. وكان حكم الإذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت وكان غسل رأس المحرم معلومًا عند ابن عباس وخفي عن المسور بن مخرمة ومثله كثير فلا يطول به. [١٣/ ١٦٤]
(١٠٠٧) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣].
وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية، فقال أبو الفرج: الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها وسماع البينة عليها والفصل بين الخصوم فيها وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى، فإن الغرض منه حفظ الثغور وتدبير الأمور وحماية البيضة وقبض الخراج ورده على مستحقه وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل. قال ابن العربي: وليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء، فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس ولا تخالط الرجال ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها وإن كانت برزة (^١) لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم وتكون مناظرة لهم ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده. [١٣/ ١٦٦]
_________________
(١) البرزة: الكهلة.
[ ٤٧٦ ]
(١٠٠٨) من قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧].
دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه وإنما صار صدق الهدهد عذرًا لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد وكان سليمان ﵇ حبب إليه الجهاد وفي الصحيح: «ليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل». [١٣/ ١٧٠]
(١٠٠٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠].
كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان وبذلك جاءت الآثار وروى الربيع بن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من النبي ﷺ وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم … قال أبو الليث في كتاب البستان له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه ثم بنفسه لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافًا بالمكتوب إليه وتكبرًا عليه إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده أو غلام من غلمانه.
وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب لأن
[ ٤٧٧ ]
الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبًا كما يرى رد السلام. [١٣/ ١٧٣]
(١٠١٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥].
الهدية مندوب إليها وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ: «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» وعن ابن شهاب قال بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة» هذا مرسل وجاء مرفوعًا عن جماعة من الصحابة بلفظ «تهادوا وتحابوا».
قال ابن وهب سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال: الغل.
وعلى الجملة فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية وفيه الأسوة الحسنة ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس وتكسب المهدي والمهدى إليه رنّة في اللقاء والجلوس. [١٣/ ١٧٩]
(١٠١١) ولقد أحسن من قال:
هدايا الناس بعضهم لبعض … تولد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الضمير هوى وودًا … وتكسبهم إذا حضروا جمالا
وقال آخر:
إن الهدايا لها حظ إذا وردت … أحظى من الابن عند الوالد الحدب الحدب
[١٣/ ١٧٩]
[ ٤٧٨ ]
(١٠١٢) من قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ [النمل: ٤٠].
أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب (آصف بن برخيا) وهو من بني إسرائيل. وقال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان ﵇ والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] واستدل قائلوا هذه المقالة بقول سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] قلت: ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. [١٣/ ٨٤]
(١٠١٣) من قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].
قيل: أُمر رسول الله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده وفيه تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرًا عن كابر هذا الأدب فحمدوا الله وصلوا على رسول الله ﷺ أمام كل علم مفاد وقبل كل عظة
[ ٤٧٩ ]
وفي مفتتح كل خطبة وتبعهم المترسلون أي المتراسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. [١٣/ ١٩٧]
(١٠١٤) من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة وُجِدَ من مؤمن أو كافر طائع أو فاجر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]؛ فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. [١٣/ ٢٠٠]
(١٠١٥) في الحديث: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده» ذكره صاحب الشهاب وهو حديث صحيح.
فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه وإجابة لإخلاصه وإن كان كافرًا وكذلك إن كان فاجرًا في دينه ففجور الفاجر وكفر
[ ٤٨٠ ]
الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته … ويقرب منه المسافر لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم لا يسكن قلبه إلى مُسعد ولا مُعين لغربته فتصدق ضرورته إلى المولى فيخلص إليه في اللجأ وهو المجيب للمضطر إذا دعاه وكذلك دعوة الوالد على ولده لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته إلا عند تكامل عجزه عنه وصدق ضرورته وإياسه عن بر ولده مع وجود أذيته فيسرع الحق إلى إجابته. [١٣/ ٢٠١] بتصرف
(١٠١٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
روي أنه دخل على الحجاج منجم فاعتقله الحجاج ثم أخذ حصيات فعدهن، ثم قال: كم في يدي من حصاة؟ فحسب المنجم ثم قال كذا فأصاب. ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ، ثم قال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها، قال: لا، قال: فإني لا أصيب، قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب وهذا لم تحصه فهو غيب ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله. [١٣/ ٢٠٢]
(١٠١٧) من قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦].
هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش
[ ٤٨١ ]
وحمزة والكسائي، وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد: «بل أَدْرَكَ» من الإدراك.
في معناه قولان ﴿ادَّارَكَ﴾ أحدهما أن المعنى تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به، والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا: تكون وقالوا: لا تكون [وهذا على القراءة الأولى وهي قراءة أكثر الناس]. [١٣/ ٢٠٣]
(١٠١٨) من قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩].
قال ابن مسعود وابن عباس ﵃: «الحسنة: لا إله إلا الله».
قلت: إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض «فله خير منها» قال ابن عباس: أي وصل إليه الخير منها. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو الجنة وليس [خير] للتفضيل. قال عكرمة وابن جريج: أما أن يكون له خيرٌ منها يعني من الإيمان فلا فإنه ليس شيء خيرًا ممن قال لا إله إلا الله ولكن له منها خير وقيل «فله خير منها» للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد قاله ابن عباس وقيل: يرجع هذا إلى الإضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشرًا وبالإيمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي قاله محمد بن كعب وعبدالرحمن بن زيد. [١٣/ ٢٠٩]
[ ٤٨٢ ]