أَن يُقَال لَا يَخْلُو الْأَمر ان يَقُولُوا إِن اللاهوت كَانَ قَادِرًا على دفعهم عَن ناسوته وَإِمَّا أَن يَقُولُوا لم يكن قَادِرًا فَإِن قَالُوا لم يكن قَادِرًا لزم أَن يكون أُولَئِكَ الْيَهُود أقدر من رب الْعَالمين وَأَن يكون رب الْعَالمين مقهورا مأسورا مَعَ قوم من شرار الْيَهُود وَهَذَا من أعظم الْكفْر والتنقص بِرَبّ الْعَالمين وَهَذَا أعظم من قَوْلهم إِن لله ولدا وَإنَّهُ بخيل وَإنَّهُ فَقير وَنَحْو ذَلِك مِمَّا سبّ بِهِ الْكفَّار رب الْعَالمين
وَإِن قَالُوا كَانَ قَادِرًا فَإِن كَانَ ذَلِك من عدوان الْكفَّار على ناسوته وَهُوَ كَارِه لذَلِك فَسنة الله فِي مثل ذَلِك نصر رسله المستغيثين بِهِ فَكيف لم يغث ناسوته المستصرخ بِهِ هَذَا بِخِلَاف من قتل من النَّبِيين وَهُوَ صابر فَإِن أُولَئِكَ صَبَرُوا حَتَّى قتلوا شُهَدَاء والناسوت عِنْدهم اسْتَغَاثَ وَقَالَ إلهي إلهي لماذا تَرَكتنِي وَإِن كَانَ هُوَ قد فعل ذَلِك مكرا كَمَا يَزْعمُونَ أَنه مكر بالشيطان وأخفى نَفسه حَتَّى يَأْخُذهُ بِوَجْه حق فناسوته أعلم بذلك من جَمِيع الْخلق فَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا يجزع وَلَا يهرب لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة وهم يذكرُونَ من جزع الناسوت وهربه ودعائه مَا يَقْتَضِي أَن كل مَا جرى عَلَيْهِ كَانَ بِغَيْر اخْتِيَاره وَيَقُول بَعضهم مشيئتهما وَاحِدَة فَكيف شَاءَ ذَلِك وهرب مِمَّا يكرههُ الناسوت بل لَو يَشَاء اللاهوت مَا يكرههُ كَانَا متباينين وَقد اتفقَا على الْمَكْر بالعدو لم يجزع الناسوت كَمَا جرى ليوسف مَعَ أَخِيه لما
[ ١ / ٣٢٣ ]
وَافقه على أَنه يَجْعَل الصوامع فِي رَحْله وَيظْهر أَنه سَارِق لم يجزع أَخُوهُ لما ظهر الصوامع فِي رحْلَة كَمَا جزع إخْوَته حَيْثُ لم يعلمُوا وَكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صَابِرُونَ فَمَا بَال هَذَا يجزع الْجزع الْعَظِيم الَّذِي يصفونَ بِهِ الْمَسِيح وَهُوَ يَقْتَضِي غَايَة النَّقْص الْعَظِيم مَعَ دَعوَاهُم فِيهِ الإلهية