قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾
[ ٢ / ٤٩ ]
يعلم من هَذَا أَن التَّوْرَاة الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة بعد خراب بَيت الْمُقَدّس وَبعد مَجِيء بخْتنصر وَبعد مبعث الْمَسِيح وَبعد مبعث مُحَمَّد ﷺ فِيهَا حكم الله
والتوراة الَّتِي كَانَت عِنْد يهود الْمَدِينَة على عهد رَسُول الله ﷺ وَإِن قيل أَنه غير بعض ألفاظها بعد مبعثه فَلَا نشْهد على كل نُسْخَة فِي الْعَالم بِمثل ذَلِك فَإِن هَذَا غير مَعْلُوم لنا وَهُوَ أَيْضا مُتَعَذر بل يُمكن تَغْيِير كثير من النّسخ وإشاعة ذَلِك عِنْد الأتباع حَتَّى لَا يُوجد عِنْد كثير من النَّاس إِلَّا مَا غير بعد ذَلِك وَمَعَ هَذَا فكثير من نسخ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل متفقة فِي الْغَالِب إِنَّمَا يخْتَلف فِي الْيَسِير من ألفاظها فتبديل أَلْفَاظ الْيَسِير من النّسخ بعد مبعث الرَّسُول مُمكن لَا يُمكن أحدا أَن يجْزم بنفيه وَلَا يقدر أحد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يشْهد بِأَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم بالكتابين متفقة الْأَلْفَاظ إِذْ هَذَا لَا سَبِيل لأحد إِلَى علمه وَالِاخْتِلَاف الْيَسِير فِي أَلْفَاظ هَذِه الْكتب مَوْجُود فِي الْكثير من النّسخ كَمَا قد تخْتَلف نسخ بعض كتب الحَدِيث أَو تبدل بعض أَلْفَاظ بعض النّسخ وَهَذَا بِخِلَاف الْقُرْآن الْمجِيد الَّذِي حفظت أَلْفَاظه فِي الصُّدُور وبالنقل الْمُتَوَاتر لَا يحْتَاج أَن يحفظ فِي كتاب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَذَلِكَ أَن الْيَهُود قبل النَّبِي ﷺ وعَلى عَهده وَبعده منتشرون فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَعِنْدهم نسخ كَثِيرَة من التَّوْرَاة
وَكَذَلِكَ النَّصَارَى عِنْدهم نسخ كَثِيرَة من التَّوْرَاة وَلم يتَمَكَّن أحد من جمع هَذِه النّسخ وتبديلها وَلَو كَانَ هَذَا مُمكنا لَكَانَ ذَلِك من الوقائع الْعَظِيمَة الَّتِي تتوفر الدَّوَاعِي على نقلهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيل قَالَ تَعَالَى ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾
فَعلم أَن فِي هَذَا الْإِنْجِيل حكما أنزلهُ الله تَعَالَى لَكِن الحكم هُوَ من بَاب الْأَمر وَالنَّهْي وَذَلِكَ لَا يمْنَع أَن يكون التَّغْيِير فِي بَاب الْأَخْبَار وَهُوَ الَّذِي وَقع فِيهِ التبديل لفظا وَأما الْأَحْكَام الَّتِي فِي التَّوْرَاة فَمَا يكَاد أحد يَدعِي التبديل فِي ألفاظها وَقد ذكر طَائِفَة من الْعلمَاء أَن قَوْله تَعَالَى فِي الْإِنْجِيل ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ هُوَ خطاب لمن كَانَ على دين الْمَسِيح قبل النّسخ والتبديل لَا الْمَوْجُودين بعد مبعث مُحَمَّد ﷺ
وَهَذَا القَوْل يُنَاسب مُنَاسبَة ظَاهِرَة لقِرَاءَة من قَرَأَ وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِكَسْر اللَّام كَقِرَاءَة حَمْزَة فَإِن هَذِه لَام كي فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وقفينا على آثَارهم بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾
[ ٢ / ٥٠ ]
فَإِذا قَرَأَ وليحكم كَانَ الْمَعْنى وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل لكذا وَكَذَا وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَهَذَا يُوجب الحكم بِمَا أنزل الله فِي الْإِنْجِيل الْحق وَلَا يدل على أَن الْإِنْجِيل الْمَوْجُود فِي زمن الرَّسُول هُوَ ذَلِك الْإِنْجِيل
وَأما قِرَاءَة الْجُمْهُور ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل﴾ فَهُوَ أَمر بذلك فَمن الْعلمَاء من قَالَ هُوَ أَمر لمن كَانَ الْإِنْجِيل الْحق مَوْجُودا عِنْدهم أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِيهِ وعَلى هَذَا يكون قَوْله تَعَالَى ﴿وليحكم﴾ أمرا لَهُم قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ آخَرُونَ لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكْلِيف فَإِن القَوْل فِي الْإِنْجِيل كالقول فِي التَّوْرَاة وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه يَقُولُونَ إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم سماعون للكذب أكالون للسحت فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ إِن الله يحب المقسطين وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله ثمَّ يتولون من بعد ذَلِك وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص فَمن تصدق بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ وقفينا على آثَارهم بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل﴾ فَهَذَا قد صرح بِأَن أُولَئِكَ الَّذين تحاكموا إِلَى النَّبِي ﷺ من الْيَهُود عِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله ثمَّ توَلّوا عَن حكم الله وَقَالَ بعد ذَلِك ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ وَهَذِه لَام الْأَمر وَهُوَ أَمر من الله أنزلهُ على لِسَان مُحَمَّد وَأمر من مَاتَ قبل هَذَا الْخطاب
[ ٢ / ٥١ ]
مُمْتَنع وَإِنَّمَا يكون الْأَمر لمن آمن بِهِ من بعد خطاب الله لِعِبَادِهِ بِالْأَمر فَعلم أَنه أَمر لمن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْإِنْجِيل وَالله أنزل فِي الْإِنْجِيل الْأَمر بِاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ كَمَا أَمر بِهِ فِي التَّوْرَاة فليحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْإِنْجِيل مِمَّا لم ينسخه مُحَمَّد ﷺ كَمَا أَمر أهل التَّوْرَاة أَن يحكموا بِمَا أنزلهُ مِمَّا لم ينسخه الْمَسِيح وَمَا نسخه فقد أمروا فِيهِ بِاتِّبَاع الْمَسِيح وَقد أمروا فِي الْإِنْجِيل بِاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ لمن حكم من أهل الْكتاب بعد مبعث مُحَمَّد ﷺ بِمَا أنزلهُ الله فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَلم يحكم بِمَا يُخَالف حكم مُحَمَّد ﷺ إِذْ كَانُوا مأمورين فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بِاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق﴾
فَجعل الْقُرْآن مهيمنا والمهيمن الشَّاهِد الْحَاكِم المؤتمن فَهُوَ يحكم بِمَا فِيهَا مِمَّا لم ينسخه الله وَيشْهد بِتَصْدِيق مَا فِيهَا مِمَّا لم يُبدل وَلِهَذَا قَالَ ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾
وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد هَذَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه قَالَ إِن الْيَهُود جاؤوا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكرُوا لَهُ أَن امْرَأَة مِنْهُم ورجلا زَنَيَا فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن الرَّجْم قَالُوا نفضحهم ويجلدون فَقَالَ عبد الله بن سَلام كَذبْتُمْ إِن فِيهَا الرَّجْم فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فنشروها فَوضع أحدهم يَده على آيَة الرَّجْم فَقَرَأَ مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا فَقَالَ لَهُ عبد الله ارْفَعْ يدك فَرفع يَده فَإِذا فِيهَا آيَة الرَّجْم فَقَالُوا صدق يَا مُحَمَّد فَأمر بهما النَّبِي ﷺ فَرُجِمَا
وَأخرج البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عمر أَنه قَالَ
أُتِي رَسُول الله ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا فَانْطَلق حَتَّى جَاءَ يَهُودِيّ فَقَالَ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى قَالُوا نسود وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما قَالَ فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين قَالَ فجاؤوا بهَا فقرؤوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا فَقَالَ عبد الله بن سَلام وَهُوَ مَعَ رَسُول الله ﷺ مره فَليرْفَعْ يَده فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم قَالُوا صدق فِيهَا آيَة الرَّجْم ولكننا نتكاتمه بَيْننَا وَإِن أحبارنا أَحْدَثُوا التحميم
[ ٢ / ٥٢ ]
والتحبية فَأمر رَسُول الله وَسلم برجمهما فَرُجِمَا
وَأخرج مُسلم عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَنه قَالَ
مر على رَسُول الله ﷺ بِيَهُودِيٍّ محمم مجلود فَدَعَاهُمْ فَقَالَ هَكَذَا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ قَالُوا نعم فدعى رجلا من عُلَمَائهمْ فَقَالَ أنْشدك الله الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى أهكذا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ قَالَ لَا وَلَوْلَا أَنَّك نشدتني بِهَذَا لم أخْبرك نجد الرَّجْم وَلكنه كثير فِي أشرافنا فَكُنَّا إِذا أَخذنَا الشريف تَرَكْنَاهُ وَإِذا أَخذنَا الضَّعِيف أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد فَقُلْنَا تَعَالَوْا فلنجتمع على شَيْء نقيمه على الشريف والوضيع فَجعلنَا التحميم وَالْجَلد مَكَان الرَّجْم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أول من أَحْيَا أَمرك إِذا أماتوه فَأمر بِهِ فرجم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ إِلَى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ إِلَى ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ هِيَ فِي الْكَفَّارَة كلهَا
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله أَنه قَالَ
رجم النَّبِي ﷺ رجلا من أسلم ورجلا من الْيَهُود وَأما السّنَن فَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ
أَتَى نفر من الْيَهُود فدعوا رَسُول الله ﷺ إِلَى القف فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة فاحكم بَينهم فوضعوا لرَسُول الله ﷺ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ ائْتُونِي التَّوْرَاة فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا وَقَالَ آمَنت بك وبمن أنزلك ثمَّ قَالَ ائْتُونِي بأعمالكم فَأتي بشاب ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم
وَأخرج أَيْضا ابو دَاوُد وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ
زنى رجل من الْيَهُود بِامْرَأَة فَقَالَ بَعضهم لبَعض اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي فَإِنَّهُ نَبِي بعث بِالتَّخْفِيفِ فَإِن أَفتانا بِفُتْيَا دون الرَّجْم قبلناها واحتججنا بهَا عِنْد الله فَقُلْنَا نَبِي من أنبيائك قَالُوا فَأتوا النَّبِي ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد فِي أَصْحَابه فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم مَا ترى فِي رجل وَامْرَأَة مِنْهُم زَنَيَا فَلم يكلمهم كلمة حَتَّى أَتَى بَيت مدارسهم فَقَامَ على الْبَاب فَقَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى إِذا أحصن
قَالُوا نحمم ونحبيه ونجلده والتحبية أَن يحمل الزانيان على حمَار ويقابل
[ ٢ / ٥٣ ]
أقفيتهما وَيُطَاف بهما قَالَ وَسكت شَاب مِنْهُم فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي ﷺ ساكتا أنْشدهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِذا نَشَدتنَا فَإنَّا نجد فِي التَّوْرَاة الرَّجْم فَقَالَ النَّبِي ﷺ فَمَا أول مَا ارتخصتم أَمر الله قَالَ زنى ذُو قرَابَة من ملك من مُلُوكنَا فَأخر عَنهُ الرَّجْم ثمَّ زنى رجل فِي أسرة من النَّاس فَأَرَادَ رجمه فحال قومه دونه وَقَالُوا لَا يرْجم صاحبنا حَتَّى تَجِيء بصاحبك فترجمه فَاصْطَلَحُوا هَذِه الْعقُوبَة بَينهم قَالَ النَّبِي ﷺ فَإِنِّي أحكم بِمَا فِي التَّوْرَاة فَأمر بهما فَرُجِمَا
قَالَ الزُّهْرِيّ فَبَلغنَا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فيهم ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا﴾
وَكَانَ النَّبِي ﷺ مِنْهُم وَأَيْضًا فقد تحاكموا إِلَيْهِ فِي الْقود الَّذِي كَانَ بَين بني قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ النَّضِير أشرف من قُرَيْظَة فَكَانَ إِذا قتل بعض إِحْدَى القبيلتين قَتِيلا من الْأُخْرَى فيقتلونه وَلم يضعفوا الدِّيَة وَإِذا قتل من الْقَبِيلَة الشَّرِيفَة قتلوا بِهِ وأضعفوا الدِّيَة
قَالَ أَبُو دَاوُد سلمَان بن الْأَشْعَث فِي سنَنه حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعلَا حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن عَليّ بن صَالح عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ النَّضِير أشرف من قُرَيْظَة فَكَانَ إِذا قتل رجل من قُرَيْظَة رجلا من النَّضِير قتل بِهِ وَإِذا قتل رجل من النَّضِير رجلا من قُرَيْظَة ودي مائَة وسق من تمر
فَلَمَّا بعث النَّبِي ﷺ قتل رجل من النَّضِير رجلا من قُرَيْظَة فَقَالُوا ادفعوه إِلَيْنَا نَقْتُلهُ فَقَالُوا بَيْننَا وَبَيْنكُم مُحَمَّد فَأتوهُ فَنزلت ﴿وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ﴾
والقسط النَّفس بِالنَّفسِ ثمَّ نزلت ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ﴾ قَالَ أَبُو دَاوُد قُرَيْظَة وَالنضير من ولد هَارُون
وَبسط هَذَا لَهُ مَوضِع آخر وعَلى كل قَول فقد أخبر الله ﷿ أَن فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بعد الْمَسِيح ﵇ حكم الله وَأَن أهل الْكتاب الْيَهُود تركُوا حكم الله الَّذِي فِي التَّوْرَاة مَعَ كفرهم بالمسيح وَهَذَا ذمّ من الله لَهُم على مَا تَرَكُوهُ من حكمه الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكتاب الأول وَلم ينسخه الرَّسُول الثَّانِي
وَهَذَا من التبديل الثَّانِي الَّذِي ذموا عَلَيْهِ وَدلّ على أَن فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بعد مبعث الْمَسِيح حكما أنزلهُ الله أمروا أَن يحكموا بِهِ وَهَكَذَا يُمكن أَن يُقَال فِي الْإِنْجِيل وَمَعْلُوم أَن
[ ٢ / ٥٤ ]
الحكم الَّذِي أمروا أَن يحكموا بِهِ من أَحْكَام التَّوْرَاة لم ينسخه الْإِنْجِيل وَلَا الْقُرْآن فَكَذَلِك مَا أمروا أَن يحكموا بِهِ من أَحْكَام الْإِنْجِيل هُوَ مِمَّا لم ينسخه الْقُرْآن وَذَلِكَ أَن الدّين الْجَامِع أَن يعبد الله وَحده وَيَأْمُر بِمَا أَمر الله بِهِ وَيحكم بِمَا أنزلهُ الله فِي أَي كتاب أنزلهُ وَلم ينسخه فَإِنَّهُ يحكم بِهِ
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب جَمَاهِير السّلف وَالْأَئِمَّة أَن شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم يرد شرعنا بِخِلَافِهِ وَمن حكم بِالشَّرْعِ الْمَنْسُوخ فَلم يحكم بِمَا أنزل الله كَمَا أَن الله أَمر أمة مُحَمَّد ﷺ أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْقُرْآن وَفِيه النَّاسِخ والمنسوخ فَهَكَذَا القَوْل فِي جنس الْكتب الْمنزلَة
قَالَ تَعَالَى سُورَة الْمَائِدَة الْآيَات ٤٨ ٥٦
فقد أَمر نبيه مُحَمَّدًا ﷺ أَن يحكم بِمَا أنزل الله إِلَيْهِ وحذره اتِّبَاع أهوائهم وَبَين أَن الْمُخَالف لحكمه وَهُوَ حكم الْجَاهِلِيَّة حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾
[ ٢ / ٥٥ ]
وَأخْبرهُ تَعَالَى أَنه جعل لكل من أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن شرعة ومنهاجا وَأمره تَعَالَى بالحكم بِمَا أنزل الله أَمر عَام لأهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن لَيْسَ لأحد فِي وَقت من الْأَوْقَات أَن يحكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَالَّذِي أنزلهُ الله هُوَ دين وَاحِد اتّفقت عَلَيْهِ الْكتب وَالرسل وهم متفقون فِي أصُول الدّين وقواعد الشَّرِيعَة وَإِن تنوعوا فِي الشرعة والمنهاج بَين نَاسخ ومنسوخ فَهُوَ شَبيه بتنوع حَال الْكتاب فَإِن الْمُسلمين كَانُوا أَولا مأمورين بِالصَّلَاةِ لبيت الْمُقَدّس ثمَّ أمروا أَن يصلوا إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي كلا الْأَمريْنِ إِنَّمَا اتبعُوا مَا أنزل الله ﷿
وَكَذَلِكَ مُوسَى ﵇ كَانَ مَأْمُورا بالسبت محرما عَلَيْهِ مَا حرمه الله فِي التَّوْرَاة وَهُوَ مُتبع مَا أنزلهُ الله ﷿ والمسيح ﷺ أحل بعض مَا حرمه الله فِي التَّوْرَاة وَهُوَ مُتبع مَا أنزل الله ﷿ فَلَيْسَ فِي أَمر الله لأهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَن يحكموا بِمَا أنزل الله أَمر بِمَا نسخ كَمَا أَنه لَيْسَ فِي أَمر أهل الْقُرْآن أَن يحكموا بِمَا أنزل الله أَمر بِمَا نسخ بل كَانَ إِذا نَاسخ ومنسوخ فَالَّذِي أنزل الله هُوَ الحكم بالناسخ دون الْمَنْسُوخ فَمن حكم بالمنسوخ فقد حكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَمِمَّا يُوضح هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا فَلَا تأس على الْقَوْم الْكَافرين﴾ فَإِن هَذَا يبين أَن هَذَا أَمر لمُحَمد ﷺ أَن يَقُول لأهل الْكتاب الَّذِي بعث إِلَيْهِم أَنهم لَيْسُوا على شَيْء حَتَّى يقيموا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم فَدلَّ ذَلِك على أَنهم عِنْدهم مَا يعلم أَنه منزل من الله وَأَنَّهُمْ مأمورون بإقامته إِذا كَانَ ذَلِك مِمَّا قَرَّرَهُ مُحَمَّد ﷺ وَلم ينسخه وَمَعْلُوم أَن كل مَا أَمر الله بِهِ على لِسَان نَبِي وَلم ينسخه النَّبِي الثَّانِي بل أقره كَانَ الله آمرا بِهِ على لِسَان نَبِي بعد نَبِي وَلم يكن فِي بعثة الثَّانِي مَا يضاد وجوب اتِّبَاع مَا أَمر بِهِ النَّبِي الأول وَقَررهُ النَّبِي الثَّانِي
وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن الله ينْسَخ بِالْكتاب الثَّانِي جَمِيع مَا شَرعه بِالْكتاب الأول إِنَّمَا الْمَنْسُوخ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتّفقت عَلَيْهِ الْكتب والشرائع
وَأَيْضًا فَفِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا دلّ على نبوة مُحَمَّد ﷺ فَإِذا حكم أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فيهمَا حكمُوا بِمَا أوجب عَلَيْهِم اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا يدل على أَن فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يعلمُونَ أَن الله أنزلهُ إِذْ لَا يؤمرون أَن يحكموا بِمَا أنزل الله وَلَا يعلمُونَ
[ ٢ / ٥٦ ]
مَا أنزل الله وَالْحكم إِنَّمَا يكون فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعلم بِبَعْض مَعَاني الْكتب لَا يُنَافِي عدم الْعلم بِبَعْضِهَا وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الْمعَانِي فَإِن الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى متفقون على أَن فِي الْكتب الإلهية الْأَمر بِعبَادة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَنه أرسل إِلَى الْخلق رسلًا من الْبشر وَأَنه أوجب الْعدْل وَحرم الظُّلم وَالْفَوَاحِش والشرك وأمثال ذَلِك من الشَّرَائِع الْكُلية وَأَن فِيهَا الْوَعْد بالثواب والوعيد بالعقاب بل هم متفقون على الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر وَقد تنازعوا فِي بعض مَعَانِيهَا وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير ذَلِك كَمَا اخْتلفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيح المبشر بِهِ النبوات هَل هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵇ أَو مسيح آخر ينْتَظر والمسلمون يعلمُونَ أَن الصَّوَاب فِي هَذَا مَعَ النَّصَارَى لَكِن لَا يوافقنهم على مَا أَحْدَثُوا فِيهِ من الْإِفْك والشرك
وَكَذَلِكَ يُقَال إِذا بدل قَلِيل من ألفاظها الخبرية لم يمْنَع ذَلِك أَن يكون أَكثر ألفاظها لم يُبدل لَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي نفس الْكتاب مَا يدل على الْمُبدل وَقد يُقَال إِن مَا بدل من أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَفِي نفس التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يدل على تبديله فَبِهَذَا يحصل الْجَواب على شُبْهَة عَن يَقُول إِنَّه لم يُبدل شَيْء من ألفاظها فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِذا كَانَ التبديل قد وَقع فِي أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ لم يعلم الْحق من الْبَاطِل فَسقط الِاحْتِجَاج بهما وَوُجُوب الْعَمَل بهما على أهل الْكتاب فَلَا يذمون حِينَئِذٍ على ترك اتباعهما وَالْقُرْآن قد ذمهم على ترك الحكم بِمَا فِيهَا وَاسْتشْهدَ بهما فِي مَوَاضِع وَجَوَاب ذَلِك أَن ماوقع من التبديل قَلِيل وَالْأَكْثَر لم يُبدل وَالَّذِي لم يُبدل فِيهِ أَلْفَاظ صَرِيحَة بَيِّنَة بِالْمَقْصُودِ تبين غلط مَا خالفها وَلها شَوَاهِد ونظائر مُتعَدِّدَة يصدق بَعْضهَا بَعْضًا بِخِلَاف الْمُبدل فَإِنَّهُ أَلْفَاظ قَليلَة وَسَائِر نُصُوص الْكتب يناقضها وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة كتب الحَدِيث المنقولة عَن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ إِذا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَو غَيرهمَا أَحَادِيث قَليلَة ضَعِيفَة كَانَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ مَا يبين ضعف تِلْكَ بل وَكَذَلِكَ صَحِيح مُسلم فِيهِ أَلْفَاظ قَليلَة غلط وَفِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعَ الْقُرْآن مَا يبين غلطها مثل مَا رُوِيَ أَن الله خلق التربة يَوْم السبت وَجعل خلق الْمَخْلُوقَات فِي الْأَيَّام السَّبْعَة فَإِن هَذَا الحَدِيث قد بَين أَئِمَّة الحَدِيث كيحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم أَنه غلط وَأَنه لَيْسَ فِي كَلَام النَّبِي ﷺ بل صرح البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَنه من كَلَام كَعْب الْأَحْبَار كَمَا قد بسط فِي مَوْضِعه وَالْقُرْآن يدل على غلط هَذَا وَبَين أَن الْخلق فِي سِتَّة أَيَّام وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن آخر الْخلق كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فَيكون أول الْخلق يَوْم الْأَحَد وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنه ﷺ صلى الْكُسُوف بركوعين أَو ثَلَاثَة فَإِن الثَّابِت الْمُتَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم أَنه صلى كل رَكْعَة بركوعين وَلِهَذَا لم يخرج البُخَارِيّ إِلَّا ذَلِك وَضعف الشَّامي وَالْبُخَارِيّ وَأحمد فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا
[ ٢ / ٥٧ ]
صلى الْكُسُوف مرّة فِي أحد الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَغَيرهم حَدِيث الثَّلَاثَة والأربع فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا صلى مرّة وَاحِدَة وَفِي حَدِيث الثَّلَاث والأربع أَنه صلاهَا يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْنه وَأَحَادِيث الركوعين كَانَت ذَلِك الْيَوْم فَمثل هَذَا الْغَلَط إِذا وَقع كَانَ فِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا يبين أَنه غلط وَالْبُخَارِيّ إِذا روى الحَدِيث بطرق فِي بَعْضهَا غلط فِي بعض الْأَلْفَاظ ذكر مَعَه الطّرق الَّتِي تبين ذَلِك الْغَلَط كَمَا قد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك فِي مَوْضِعه
فَكَذَلِك إِذا قيل أَنه وَقع تَبْدِيل فِي بعض أَلْفَاظ الْكتب الْمُتَقَدّمَة كَانَ فِي الْكتب مَا يبين ذَلِك الْغَلَط وَقد قدمنَا أَن الْمُسلمين لَا يدعونَ أَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم من زمن مُحَمَّد ﷺ بِكُل لِسَان من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور بدلت ألفاظها فَإِن هَذَا لَا أعرف أحدا من السّلف قَالَه وَإِن كَانَ من الْمُتَأَخِّرين من قد يَقُول ذَلِك كَمَا فِي بعض الْمُتَأَخِّرين من يجوز الِاسْتِنْجَاء بِكُل مَا فِي الْعَالم من نسخ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَلَيْسَتْ هَذِه الْأَقْوَال وَنَحْوهَا من أَقْوَال سلف الْأمة وأئمتها وَعمر بن الْخطاب ﵁ لما رأى بيد كَعْب الْأَحْبَار نُسْخَة من التَّوْرَاة قَالَ يَا كَعْب إِن كنت تعلم أَن هَذِه هِيَ التَّوْرَاة الَّتِي أنزلهَا الله على مُوسَى بن عمرَان فاقرأها فعلق الْأَمر على مَا يمْتَنع الْعلم بِهِ وَلم يجْزم عمر ﵁ بِأَن أَلْفَاظ تِلْكَ مبدلة لما لم يتَأَمَّل كل مَا فِيهَا وَالْقُرْآن وَالسّنة المتواترة يدلان على أَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْمَوْجُودين فِي زمن النَّبِي ﷺ فيهمَا مَا أنزلهُ الله ﷿ والجزم بتبديل ذَلِك فِي جَمِيع النّسخ الَّتِي فِي الْعَالم مُتَعَذر وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره وَلَا علم لنا بذلك وَلَا يُمكن أحدا من أهل الْكتاب أَن يَدعِي أَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَة من الْكتب متفقة على لفظ وَاحِد فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يُمكن أحدا من الْبشر أَن يعرفهُ بِاخْتِيَارِهِ وامتحانه وَإِنَّمَا يعلم مثل هَذَا بِالْوَحْي وَإِلَّا فَلَا يُمكن أحدا من الْبشر أَن يُقَابل كل نُسْخَة مَوْجُودَة فِي الْعَالم بل نُسْخَة من جَمِيع الْأَلْسِنَة بالكتب الْأَرْبَعَة وَالْعِشْرين وَقد رأيناها مُخْتَلفَة فِي الْأَلْفَاظ اخْتِلَافا بَينا والتوراة هِيَ أصح الْكتب وأشهرها عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمَعَ هَذَا فنسخة السامرة مُخَالفَة لنسخة الْيَهُود وَالنَّصَارَى حَتَّى فِي نفس الْكَلِمَات الْعشْر ذكر فِي نُسْخَة السامرة مِنْهَا من أَمر اسْتِقْبَال الطّور مَا لَيْسَ فِي نُسْخَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَهَذَا مِمَّا يبين أَن التبديل وَقع فِي كثير من نسخ هَذَا الْكتب فَإِن عِنْد السامرة نسخا مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ رَأينَا فِي الزبُور نسخا مُتعَدِّدَة تخَالف بَعْضهَا بَعْضًا مُخَالفَة كَثِيرَة فِي كثير من الْأَلْفَاظ والمعاني يقطع من رَآهَا أَن كثيرا مِنْهَا كذب على زبور دَاوُد ﵇ وَأما الأناجيل فالاضطراب فِيهَا أعظم مِنْهُ فِي التَّوْرَاة
فَإِن قيل فَإِذا كَانَت الْكتب الْمُتَقَدّمَة مَنْسُوخَة فلماذا ذمّ أهل الْكتاب عَن ترك الحكم بِمَا أنزل الله مِنْهَا قيل النّسخ لم يَقع إِلَّا فِي قَلِيل من الشَّرَائِع وَإِلَّا فالأخبار عَن الله وَعَن
[ ٢ / ٥٨ ]
الْيَوْم الآخر وَغير ذَلِك فَلم تنسخ
وَكَذَلِكَ الدّين الْجَامِع والشرائع الْكُلية لَا نسخ فِيهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذمهم على ترك اتِّبَاع الْكتاب الأول لِأَن أهل الْكتاب كفرُوا من جِهَتَيْنِ من جِهَة تبديلهم الْكتاب الأول وَترك الْإِيمَان وَالْعَمَل بِبَعْضِه وَمن جِهَة تكذيبهم بِالْكتاب الثَّانِي وَهُوَ الْقُرْآن كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا بِمَا أنزل الله قَالُوا نؤمن بِمَا أنزل علينا ويكفرون بِمَا وَرَاءه وَهُوَ الْحق مُصدقا لما مَعَهم قل فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾
فَبين أَنهم كفرُوا قبل مبعثه بِمَا أنزل عَلَيْهِم وَقتلُوا الْأَنْبِيَاء كَمَا كفرُوا حِين مبعثه بِمَا أنزل عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين قَالُوا إِن الله عهد إِلَيْنَا أَلا نؤمن لرَسُول حَتَّى يأتينا بقربان تَأْكُله النَّار قل قد جَاءَكُم رسل من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلم قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن كَذبُوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وَالْكتاب الْمُنِير﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم الْحق من عندنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى أَو لم يكفروا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى من قبل قَالُوا سحران تظاهرا وَقَالُوا إِنَّا بِكُل كافرون قل فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله هُوَ أهْدى مِنْهُمَا أتبعه إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَهُوَ سُبْحَانَهُ يذمهم على ترك اتِّبَاع مَا أنزلهُ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وعَلى ترك اتِّبَاع مَا أنزلهُ فِي الْقُرْآن وَبَين كفرهم بِالْكتاب الأول وبالكتاب الثَّانِي وَلَيْسَ فِي شَيْء من ذَلِك أَمرهم أَن يحكموا بالمنسوخ من الْكتاب الأول كَمَا لَيْسَ فِي أَمرهم أَن يحكموا بالمنسوخ فِي الْكتاب الثَّانِي