وَأما قَوْله ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ فالهم اسْم جنس تَحْتَهُ نَوْعَانِ كَمَا قَالَ الإِمَام أَحْمد الْهم همان هم خطرات وهم إِصْرَار وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ إِن العَبْد إِذا هم بسيئة لم تكْتب عَلَيْهِ وَإِذا تَركهَا لله كتبت لَهُ حَسَنَة وَإِن عَملهَا كتبت لَهُ سَيِّئَة وَاحِدَة وَإِن تَركهَا من غير أَن يَتْرُكهَا لله لم تكْتب لَهُ حَسَنَة وَلَا تكْتب عَلَيْهِ سَيِّئَة ويوسف ﷺ هم هما تَركه لله وَلذَلِك صرف الله عَنهُ السوء والفحشاء لإخلاصه وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا قَامَ الْمُقْتَضى للذنب وَهُوَ الْهم وعارضه الْإِخْلَاص الْمُوجب لانصراف الْقلب عَن الذَّنب لله فيوسف ﵇ لم يصدر مِنْهُ إِلَّا حَسَنَة يُثَاب عَلَيْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا فَإِذا هم مبصرون﴾ وَأما مَا ينْقل من أَنه حل سراويله وَجلسَ مجْلِس الرجل من الْمَرْأَة وَأَنه رأى صُورَة يَعْقُوب عاضا
[ ٢ / ٢٧٢ ]
على يَده وأمثال ذَلِك فكله مِمَّا لم يخبر الله بِهِ وَلَا رَسُوله وَمَا لم يكن كَذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن الْيَهُود الَّذين هم من أعظم النَّاس كذبا على الْأَنْبِيَاء وَقَدحًا فيهم وكل من نَقله من الْمُسلمين فعنهم نَقله لم ينْقل من ذَلِك أحد عَن نَبينَا ﷺ حرفا وَاحِدًا
وَقَوله ﴿وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ فَمن كَلَام امْرَأَة الْعَزِيز كَمَا يدل الْقُرْآن على ذَلِك دلَالَة بَيِّنَة لَا يرتاب فِيهَا من تدبر الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم﴾ فَهَذَا كُله كَلَام امْرَأَة الْعَزِيز ويوسف إِذْ ذَاك فِي السجْن لم يحضر بعد إِلَى الْملك وَلَا سمع كَلَامه وَلَا رَآهُ وَلَكِن لما ظَهرت بَرَاءَته فِي غيبته كَمَا قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ﴾ أَي لم أخنه فِي حَال مغيبه عني وَإِن كنت فِي حَال شهودته راودته فَحِينَئِذٍ ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ أستخلصه لنَفْسي فَلَمَّا كَلمه قَالَ إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين﴾ وَقد قَالَ كثير من الْمُفَسّرين إِن هَذَا من كَلَام يُوسُف وَمِنْهُم من لم يذكر إِلَّا هَذَا القَوْل وَهُوَ قَول فِي غَايَة الْفساد وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ بل الْأَدِلَّة تدل على نقيضه وَقد بسط الْكَلَام على هَذِه الْأُمُور فِي غير هَذَا الْموضع
[ ٢ / ٢٧٣ ]