قَالُوا وَقد سَمَّاهُ الله أَيْضا فِي هَذَا الْكتاب خَالِقًا حَيْثُ قَالَ ﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني﴾ سُورَة الْمَائِدَة ١١٠
فَأَشَارَ بالخالق إِلَى كلمة الله المتحدة فِي الناسوت الْمَأْخُوذَة من مَرْيَم أَنه كَذَا قَالَ على لِسَان دَاوُد النَّبِي
بِكَلِمَة الله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَيْسَ خَالق إِلَّا الله وكلمته وروحه
وَهَذَا مِمَّا يُوَافق رَأينَا واعتقادنا فِي السَّيِّد الْمَسِيح لذكره لِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ وتخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فتنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله أَي بِإِذن اللاهوت الْكَلِمَة المتحدة فِي الناسوت
وَالْجَوَاب إِن جَمِيع مَا يحتجون بِهِ من هَذِه الْآيَات وَغَيرهَا فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم وَهَكَذَا شَأْن جَمِيع أهل الضلال إِذا احْتَجُّوا بِشَيْء من كتب الله وَكَلَام أنبيائه كَانَ فِي نفس مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا يدل على فَسَاد قَوْلهم وَذَلِكَ لِعَظَمَة كتب الله الْمنزلَة وَمَا نطق بِهِ أنبياؤه فَإِنَّهُ جعل ذَلِك هدى وبيانا لِلْخلقِ وشفاء لما فِي الصُّدُور فَلَا بُد أَن يكون فِي كَلَام الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه أَجْمَعِينَ من الْهدى وَالْبَيَان مَا يفرق الله بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والصدق وَالْكذب لَكِن النَّاس يُؤْتونَ من قبل أنفسهم لَا من قبل أَنْبيَاء الله تَعَالَى
إِمَّا من كَونهم لم يتدبروا القَوْل الَّذِي قالته الْأَنْبِيَاء حق التدبر حَتَّى يفقهوه ويفهموه
وَإِمَّا من جِهَة أَخذهم بِبَعْض الْحق دون بعض مثل أَن يُؤمنُوا بِبَعْض مَا أنزل الله دون بعض فيضلون من جِهَة مَا لم يُؤمنُوا بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن النَّصَارَى ﴿وَمن الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخذنَا ميثاقهم فنسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ فأغرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾
وَإِمَّا من جِهَة نسبتهم إِلَى الْأَنْبِيَاء مَا لم يقولوه من أَقْوَال كذبت عَلَيْهِم وَمن جِهَة تَرْجَمَة
[ ٢ / ٩٨ ]
أَقْوَالهم بِغَيْر مَا تستحقه من التَّرْجَمَة وتفسيرها بِغَيْر مَا تستحقه من التَّفْسِير الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُ يجب أَن يُفَسر كَلَام الْمُتَكَلّم بِبَعْض ببع وَيُؤْخَذ كَلَامه هَا هُنَا وَهَا هُنَا وتعرف مَا عَادَته يُعينهُ ويريده بذلك اللَّفْظ إِذا تكلم بِهِ وتعرف الْمعَانِي الَّتِي عرف أَنه أرادها فِي مَوضِع آخر فَإِذا عرف عرفه وعادته فِي مَعَانِيه وَأَلْفَاظه كَانَ هَذَا مِمَّا يستعان بِهِ على معرفَة مُرَاده
وَأما إِذا اسْتعْمل لَفظه فِي معنى لم تجر عَادَته بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَترك اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الَّذِي جرت عَادَته بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَحمل كَلَامه على خلاف الْمَعْنى الَّذِي قد عرف أَنه يُريدهُ بذلك اللَّفْظ يَجْعَل كَلَامه متناقضا وَيتْرك كَلَامه على مَا يُنَاسب سَائِر كَلَامه كَانَ ذَلِك تحريفا لكَلَامه عَن مَوْضِعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عَلَيْهِ
فَهَذَا أصل من ضل فِي تَأْوِيل كَلَام الْأَنْبِيَاء على غير مُرَادهم فَإِذا عرف هَذَا فَيَقُول