لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه إِذا صَار غَرِيبا يجوز تَركه وَالْعِيَاذ بِاللَّه بل الْأَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ آل عمرَان ٣ ٨٥ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ آل عمرَان ٣ ١٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ آل عمرَان ٣ ١٠٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ الْبَقَرَة ٢ ١٣٠ ١٣٢
وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا فِي مَوضِع آخر وَبينا أَن الانبياء كلهم كَانَ دينهم الاسلام الصَّحِيح حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ان الله نظر إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الْكتاب الحَدِيث
وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه أذا صَار غَرِيبا أَن المتمسك بِهِ يكون فِي شَرّ بل هُوَ أسعد النَّاس كَمَا قَالَ فِي تَمام الحَدِيث فطوبى للغرباء وطوبى من الطّيب قَالَ تَعَالَى ﴿طُوبَى لَهُم وَحسن مآب﴾
[ ٣ / ١١٤ ]
الرَّعْد ١٣ ٢٩ فَإِنَّهُ يكون من جنفى السَّابِقين الْأَوَّلين الَّذين اتَّبعُوهُ لما كَانَ غَرِيبا وهم أسعد النَّاس أما فِي الْآخِرَة فهم أَعلَى النَّاس دَرَجَة بعد الانبياء ﵈
وَأما فِي الدُّنْيَا فقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ الانفال ٨ ٦٤ أَي ان الله حَسبك وَحسب متبعك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن وليي الله الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين﴾ الْأَعْرَاف ٧ ١٩٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ الزمر ٣٩ ٣٦ وَقَالَ ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ الطَّلَاق ٦٥ ٢ ٣ فالمسلم المتبع للرسول الله تَعَالَى حَسبه وكافيه وَهُوَ وليه حَيْثُ كَانَ وَمَتى كَانَ
وَلِهَذَا يُوجد الْمُسلمُونَ المتمسكون بالاسلام فِي بِلَاد الْكفْر لَهُم السَّعَادَة كلما كَانُوا أتم تمسكا بالاسلام فَإِن دخل عَلَيْهِم شَرّ كَانَ بِذُنُوبِهِمْ حَتَّى ان الْمُشْركين وَأهل الْكتاب إِذا رَأَوْا الْمُسلم الْقَائِم بالاسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من الْأَعْمَال الَّتِي يستعملون بهَا المنتسبين إِلَى ظَاهر الاسلام من غير عمل بحقيقته لم يكرم
وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الاسلام وَفِي كل وَقت
فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يحصل للنَّاس فِي الدُّنْيَا شَرّ وَللَّه على عباده نعم لَكِن الشَّرّ الَّذِي يُصِيب الْمُسلم أقل وَالنعَم الَّتِي تصل إِلَيْهِ أَكثر فَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الاسلام وان ابتلوا بأذى الْكفَّار وَالْخُرُوج من الديار فَالَّذِي حصل للْكفَّار الْهَلَاك كَانَ أعظم بِكَثِير وَالَّذِي كَانَ يحصل للْكفَّار من عز أَو مَال كَانَ يحصل للْمُسلمين أَكثر مِنْهُ حَتَّى من الاجانب
فَرَسُول الله ﷺ مَعَ مَا كَانَ الْمُشْركُونَ يسعون فِي أَذَاهُ بِكُل طرق كَانَ الله يدْفع عَنهُ ويعزه ويمنعه وينصره من حَيْثُ كَانَ أعز قُرَيْش مَا مِنْهُم الا من كَانَ يحصل لَهُ من يُؤْذِيه ويهينه من لَا يُمكنهُ دَفعه إِذْ لكل كَبِير كَبِير يناظره ويناويه ويعاديه وَهَذِه حَال من
[ ٣ / ١١٥ ]