اى ان يصرفوكم عن التوحيد مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ يا معشر المؤمنين كُفَّارًا اى مرتدين حال من ضمير المخاطبين في يردونكم ويحتمل ان يكون مفعولا ثانيا ليردونكم على تضمينه معنى يصيرونكم حَسَدًا علة لقوله ود كانه قبل ود كثير ذلك من أجل الحسد مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يجوز ان يتعلق بود على معنى انهم تمنوا ارتدادكم من عند أنفسهم وقبل شهوتهم واهوائهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم لانهم ودوا ذلك فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ويجوز ان يتعلق بحسدا اى حسدا منبعثا من اصل نفوسهم بالغا أقصى مراتبه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ اى من بعد ما ظهر لهم ان محمدا رسول الله وقوله حق ودينه حق بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة فَاعْفُوا العفو ترك عقوبة المذنب يقال عفت الريح المنزل درسته وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى ومن ترك المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث انه ترك المكافاة والمجازاة وذلك لا يستلزم الصفح ولذا قال تعالى وَاصْفَحُوا فانه قد يعفو الإنسان ولا يصفح والصفح ترك التقريع باللسان والاستقصاء في اللوم يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما الرضى بما فعلوا لان ذلك كفر والله تعالى لا يأمر به بل المراد بهما ترك المقاتلة والاعراض عن الجواب عن مساوى كلامهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ اى يحكم الله بحكمه الذي هو الاذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم او قتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير- روى- ان الصحابة ﵃ استأذنوا رسول الله ﷺ في ان يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بانفسهم ودعوا المسلمين الى الكفر فنزلت الآية بترك القتال والاعراض عن المكافاة الى ان يجيئ الاذن من الله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الانتقام منهم وينتقم إذا جاء أوانه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ الى الله تعالى بالعبادة والبر فالمراد الأمر بملازمة طاعة الله تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ فان الخير يتناول اعمال البر كلها الا انه تعالى خص من بينها اقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر تنبيها على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند الله تعالى فان الصلاة قربة بدنية ليكون عمل كل عضو شكرا لما أنعم الله عليه فى ذلك والزكاة قربة مالية ليكون شكرا للاغنياء الذين فضلهم الله في الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سعتهم في صنوف الأعمال وما تقدموا شرطية اى أي شىء من الخيرات صلاة او صدقة او غيرهما تقدموه وتسلفوه لمصلحة أنفسكم تَجِدُوهُ اى ثوابه وجزاءه لاعينه لان عين تلك الأعمال لا تبقى ولان وجدان عينها لا يرغب فيه عِنْدَ اللَّهِ اى محفوظا عنده فى الآخرة فتجدوا الثمرة واللقمة فيها مثل أحد ولفظ التقديم اشارة الى ان المقصود الأصلي والحكمة الكلية في جميع ما أنعم الله تعالى به على المكلفين في الدنيا ان يقدموه الى معادهم ويدخروه ليومهم الآجل كما جاء في الحديث (ان العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم) إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ اى عالم لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال والعمل غير مقيد بالخير او الشر فهو عام شامل للترغيب والترهيب فالترغيب من حيث انه يدل
[ ١ / ٢٠٤ ]
على انه تعالى يجازى على القليل من الخير كما يجازى على الكثير والترهيب من حيث انه يجارى على القليل والكثير من الشر ايضا فلا يضيع عنده عمل عامل وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه انه مر ببقيع الغرقد فقال السلام عليكم اهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد احسن القائل
قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس الى الخلود سبيل
قال السعدي
تو غافل در انديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد پايمال
غبار هوا چشم عقلت بدوخت سموم هوا كشت عمرت بسوخت
بكن سرمه غفلت از چشم پاك كه فردا شوى سرمه در چشم خاك
اعلم ان الإنسان إذا مات انقطع عمله الا ان يبقى بعده واحد من الأولاد الاربعة التي لا ينقطع أجرها الاول ما يتولد من مال الإنسان كبناء المساجد والجسور والرباط والأوقاف وغير ذلك من الخيرات: كما قال السعدي في البستان
از ان كس كه خيرى بماند روان دمادم رسد رحمتش بر روان
نمرد آنكه ماند پس از وى بجاى پل ومسجد وخان ومهمان سراى
هر آن كو نماند از پسش يادگار درخت وجودش نياورد بار
وگر رفت وآثار خيرش نماند نشايد پس مرگ الحمد خواند
والى هذا أشار ﵇ بقوله (من صدقة جارية) فى حديث (إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث) والثاني ما يتولد من العقل الراجح كالعلم المنتفع به واليه الاشارة بقوله ﵇ (او علم ينتفع به) قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر انه عام متناول ما خلفه من تصنيف او تعليم في العلوم الشرعية وما يحتاج اليه في تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لان ما لا ينتفع به لا يثمر اجرا كما ان كتم ما ينتفع به لا يثمر اجرا بل اثما وعذابا كما ورد في الحديث (من كتم علما بعلمه الجم يوم القيامة بلجام من النار) قال الامام السخاوي يشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها والثالث ما يتولد من النفس كالبنين والبنات واليه الاشارة بقوله ﵇ (او ولد صالح يدعو له) قيد ﵊ بالصالح لان الاجر لا يحصل من غيره واما الوزر فلا يلحق بالأب من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيله الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولد على الدعاء لابيه لا لانه قيد لان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لابيه أم لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أم لم يدع وكذلك الام فان قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله ﵇ (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها الى يوم القيامة) وقوله ﵇ (من مات يختم على عمله الا المرابط في سبيل الله فانه ينمو له عمله الى يوم القيامة) قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذي قدمه في حياته
[ ١ / ٢٠٥ ]