الملكوت وبسر المتابعة وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت الى عالم الجبروت والعظموت وهو غيب الغيب ويشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال فيكون في خلافة الحق عالما للغيب والشهادة كما ان الله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ اى الغيب المخصوص به وهو غيب الغيب أَحَدًا يعنى من الملائكة إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعنى من الإنسان فهذا هو السر المكنون المركوز في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلم منه والملائكة لا يعلمونه كما قال تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ومنها ان الملائكة لما نظروا الى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم ونظروا الى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته فقالوا أَتَجْعَلُ فِيها يعنى في الأرض خَلِيفَةً مع انه يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ يعنى نحن لهذه الأوصاف أحق بالخلافة منه كما قال بنوا إسرائيل حين بعث الله لهم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ فاجابهم الله تعالى بان استحقاق الملك ليس بالمال انما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم فقال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ فكذلك هنا أجابهم الله تعالى بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ اجمالا ثم فصله بقوله إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وبقوله وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وبقوله ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ليعلموا ان استعداد ملك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعات ولكنه مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فلما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا انهم ولو كانوا اهل الطاعة والخدمة فانه اهل العقل والمنة واين اهل الخدمة من اهل المنة فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا ان الحق تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجودا لهم ليعلموا ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفي قوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ اشارة اخرى الى انه كما يدل على ان لآدم فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك له رذائل وأوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة لانهم لا يعلمون منه اوصافا مذمومة هي من نتائج قالبه مشتركة مع الحيوانات مودعة في ملكوته غير أوصاف مذمومة تكون من نتائج النفس الامارة عند تتابع نظر الروح الى النفس حالة عدم استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والحسد واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات فيه انتهى ما في التأويلات وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال وهب بن منبه لما أراد الله ان يخلق آدم اوحى الى الأرض اى افهمها وألهمها انى جاعل منك خليفة فمنهم من يطيعنى فادخله الجنة ومنهم من يعصينى فادخله النار فقالت الأرض منى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة وبعث إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة من زواياها الأربع من اسودها وأبيضها وأحمرها وأطيبها واخبثها وسهلها وصعبها وجبلها فلما أتاها جبريل ليقبض منها قالت الأرض بالله الذي أرسلك لا تأخذ منى شيأ فان منافع التقرب الى السلطان كثيرة ولكن فيه خطر عظيم كما قيل
بدريا در منافع بيشمارست اگر خواهى سلامت در كنارست
[ ١ / ٩٨ ]
فرجع جبريل ﵇ الى مكانه ولم يأخذ منها شيأ فقال يا رب حلفتنى الأرض باسمك العظيم فكرهت ان اقدم عليها فارسل الله ميكائيل ﵇ فلما انتهى إليها قالت الأرض له كما قالت لجبريل فرجع ميكائيل فقال كما قال جبريل فارسل الله اسرافيل ﵇ وجاء ولم يأخذ منها شيأ وقال مثل ما قال جبريل وميكائيل فارسل الله ملك الموت فلما انتهى قالت الأرض أعوذ بعزة الله الذي أرسلك ان تقبض منى اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا فقال ملك الموت وانا أعوذ بعزته ان اعصى له امرا فقبض قبضة من وجه الأرض مقدار أربعين ذراعا من زواياها الأربع فلذلك يأتى بنوه اخيافا اى مختلفين على حسب اختلاف ألوان الأرض وأوصافها فمنهم الأبيض والأسود والأحمر واللين والغليظ فصار كل ذرة من تلك القبضة اصل بدن للانسان فاذا مات يدفن في الموضع الذي أخذت منه ثم صعد الى
السماء فقال الله له أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك فقال رأيت أمرك أوجب من قولها فقال أنت تصلح لقبض أرواح ولده قال فى روضة العلماء فشكت الأرض الى الله تعالى وقالت يا رب نقص منى قال الله على ان أرد إليك احسن وأطيب مما كان فمن ثمه يحنط الميت بالمسك والغالية انتهى فامر الله تعالى عزرائيل فوضع ما أخذ من الأرض في وادي نعمان بين مكة والطائف بعد ما جعل نصف تلك القبضة في النار ونصفها فى الجنة فتركها الى ما شاء الله ثم أخرجها ثم أمطر عليها من سحاب الكرم فجعلها طينا لازبا وصور منه جسد آدم واختلفوا في خلقة آدم ﵇ فقيل خلق في سماء الدنيا وقيل في جنة من جنات الأرض بغربيتها كالجنة التي يخرج منها النيل وغيره من الأنهار واكثر المفسرين انه خلق في جنة عدن ومنها اخرج كما في كشف الكنوز وفي الحديث القدسي (خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا) يعنى أربعين يوما كل يوم منه الف عام من أعوام الدنيا فتركه أربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا وهو الطين المصوت من غاية يبسه كالفخار فامطر عليه مطر الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم أمطر عليه مطر السرور سنة واحدة فلذلك كثرت الهموم في بنى آدم ولكن يصير عاقبتها الى الفرح كما قيل ان لكل بداية نهاية وان مع العسر يسرا
ان مع العسر چويسرش قفاست شاد برانم كه كلام خداست
وكانت الملائكة يمرون عليه ويتعجبون من حسن صورته وطول قامته لان طوله كان خمسمائة ذراع الله اعلم بأى ذراع وكان رأسه يمس السماء ولم يكونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها فمر به إبليس فرآه ثم قال لامر ما خلقت ثم ضربه بيده فاذا هو أجوف فدخل فيه وخرج من دبره وقال لاصحابه الذين معه من الملائكة هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك ثم قال لهم أرأيتم ان فضل هذا عليكم ما أنتم فاعلون قالوا نطيع ربنا فقال إبليس في نفسه والله لا أطيعه ان فضل على ولئن فضلت عليه لأهلكنه عاقبت كرك زاده كرك شود وجمع بزاقه في فمه وألقاه عليه فوقع بزاق اللعين على موضع سرة آدم ﵇ فامر الله جبريل فقور بزاق اللعين من بطن آدم فحفرة السرة من تقوير جبريل وخلق الله من تلك القوارة كلبا وللكلب ثلاث خصال فانسه بآدم لكونه من طينه وطول سهره في الليالى من أثر مس جبريل ﵇ وعضه الإنسان وغيره وأذاه من غير خيانة من اثر بزاق اللعين وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة
[ ١ / ٩٩ ]
وسمى بآدم لكونه من أديم الأرض لانه مؤلف من انواع ترابها ولما أراد الله ان ينفخ فيه الروح امره ان يدخل فيه فقال الروح موضع بعيد القعر مظلم المدخل فقال له ثانيا ادخل فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال ادخل كرها اى بلا رضى واخرج كرها ولذا لا يخرج الروح من البدن الا كرها فلما نفخه فيه مار في رأس آدم وجبينه واذنيه ولسانه ثم مار في جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك الله ولذا خلقتك يا آدم فلما انتهى الى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثب فقال تعالى وخلق الإنسان عجولا فصار بشرا لحما ودما وعظاما وعصبا وأحشاء ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده في كل يوم وهو في ذلك منتطق متوج وجعل في جسده تسعة أبواب سبعة فى رأسه أذنين يسمع بهما وعينين يبصر بهما ومنخرين يجد بهما كل رائحة وفما فيه لسان يتكلم به وحنك يجد به طعم كل شىء وبابين في جسده وهما قبله ودبره يخرج منهما ثقل طعامه وشرابه وجعل عقله في دماغه وشرهه في كليتيه وغضبه في كبده وشجاعته في قلبه ورغبته في رئته وضحكه فى طحاله وفرحه وحزنه في وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم فلما سواه ونفخ فيه من روحه علمه اسماء الأشياء كلها اى ألهمه فوقع فى قلبه فجرى على لسانه بما في قلبه بتسمية الأشياء من عنده فعلمه جميع اسماء المسميات بكل اللغات بان أراه
الأجناس التي خلقها وعلمه ان هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية وعلمه اسماء الملائكة واسماء ذريته كلهم واسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شىء واسماء المدن والقرى واسماء الطير والشجر وما يكون وكل نسمة يخلقها الى يوم القيامة واسماء المطعومات والمشروبات وكل نعيم فى الجنة واسماء كل شىء حتى القصعة والقصيعة وحتى الجنة والمحلب قال في كشف الكنوز اتفق جم غفير من اهل العلم على ان الأسماء كلها توقيفية من الله تعالى بمعنى ان الله تعالى خلق لآدم علما ضروريا بمعرفة الألفاظ والمعاني وان هذه الألفاظ موضوعة لتلك المعاني وفي الخبر لما خلق الله آدم بث فيه اسرار الاحرف ولم يبث في أحد من الملائكة فخرجت الاحرف على لسان آدم بفنون اللغات فجعلها الله صورا له ومثلت له بانواع الاشكال وفي الخبر علمه سبعمائة الف لغة فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات الا العربية فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات فكان من معجزاته تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها أولاده الى يوم القيامة من العربية والفارسية والرومية والسريانية واليونانية والعبرانية والزنجية وغيرها قال بعض المفسرين علم الله آدم ألف حرفة من المكاسب ثم قال قل لاولادك ان أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين واحكام الشرائع وكان آدم حراثا اى زراعا ونوح نجارا وإدريس خياطا وصالح تاجرا وداود زرادا وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة وكان اكثر عمله صلى الله تعالى عليه وسلم في البيت الخياطة وفي الحديث (عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل) كذا في روضة الأخيار وقال العلماء الأسماء في قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ
[ ١ / ١٠٠ ]