الصلاة واهل الحقيقة بالسلام يدخلون في ادامة الصلاة كقوله الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ فقوم يقيمون الصلاة والصلاة تحفظهم كما قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ فهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بما لهم في الغيب معد بقوله (اعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فعلموا ان ما هو المعد لهم لا تدركه الابصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب الا وجودهم فاشتاقوا الى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم فآنسوا من جانب طور صلاتهم نارا لان صلاتهم بمثابة الطور لهم للمناجاة فلما أتاها نودى ان بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين فجعلوا ما رزقهم الله من أوصاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقونه عليها ويقيمون الصلاة حتى نودوا انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ومن لم يكن له نار تحرق في نار جهنم الصلاة حطب وجوده ووجود كل من يعبد من دون الله فلا بدله من الحرقة بنار جهنم الآخرة فالفرق بين النارين ان نار الصلاة تحرق لب وجودهم الذي هم به محجوبون عن الله تعالى ويبقى جلد وجودهم وهو الصورة والحجاب من لب الوجود لا من جلده وهذا سر عظيم لا يطلع عليه الا أولوا الألباب المحترقة ونار جهنم تحرق جلودهم ويبقى لب وجودهم لا جرم لا ترفع الحجب عنهم كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لان اللب باق والجلد وان احترق بقي اللب كما قال تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها فمن أنفق لب الوجود وما تبدى منه له الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة الى الله فينفق الله عليه وجود نار الصلاة كما قال لحبيبه ﵇ (أنفق عليك) فبقى بنار الصلاة بلا انانية الوجود فتكون صلاته دائمة بنور نار الصلاة يؤمن بما انزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمنى اهل الكتاب وما قبله الى قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ نزلت في مؤمنى العرب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ هو القرآن باسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن انزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر او لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما في قوله تعالى إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مع ان الجن ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ولا كان الجمع إذ ذاك نازلا وفي الكواشي لان القرآن شىء واحد في الحكم ولان المؤمن ببعضه مؤمن بكله انتهى ثم معنى ما انزل إليك هو القرآن الذي يتلى والوحى الذي لا يتلى فالمتلو هو هذه الصور والآيات وغير المتلو ما بين النبي ﵇ من اعداد الركعات ونصب الزكوات وحدود الجنايات قال تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى والانزال في هذا لآية بمعنى الوحى ويكون بمعنى الاعلاء وهو النقل من الأسفل الى الأعلى وان حمل على الانزال الذي هو من العلو الى السفل فمعناه إنزال جبريل لتبليغه كما قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ يعنى ان الانزال نقل الشيء من أعلى الى أسفل وهو انما يلحق المعاني بتوسط لحقوقه الذوات الحاملة لها فنزول ما عدا الصحف من الكتب الإلهية الى الرسل ﵈ والله اعلم بان يتلقاها الملك من جنابه ﷿ تلقيا روحانيا او يحفظها من اللوح
[ ١ / ٤٠ ]
المحفوظ فينزل بها الى الرسل فيلقيها عليهم وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة والايمان بالكل جملة فرض عين وبالقرآن تفصيلا من حيث انا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية فان في وجوبه على الكل عينا حرجا بينا واخلالا بامر المعاش قال في التيسير الايمان بكل الكتب مع تنافى أحكامها على وجهين أحدهما التصديق ان كلها من عند الله والثاني الايمان بما لم ينسخ من أحكامها وَبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي يقابل الاول وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ وهي من الصفات الغالبة وكذا الدنيا والآخرة بفتح الخاء الذي يلى الاول وسميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا هُمْ يُوقِنُونَ الإيقان إتقان العلم بالشيء بنفي الشك والشبهة عنه نظرا واستدلالا
ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا وكذا العلوم الضرورية اى يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان اهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمهم ان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى وان النار لم تمسهم الا أياما معدودات واختلافهم فى ان نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا او لا وهل هو دائم او لا فقال فرقة منهم يجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا وقال آخرون ان ذلك انما احتيج اليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل واهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون الا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور وبناء يوقنون على الضمير تعريض بمن عداهم من اهل الكتاب وبما كانوا عليه من اثبات امر الآخرة على خلاف حقيقته فان اعتقادهم في امور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول الى مرتبة اليقين فدل التقديم على التخصيص بان ايقان من آمن بما انزل إليك وما انزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز الى ما أثبته الكفار بالإقرار من اهل الكتاب قال ابو الليث ﵀ في تفسيره اليقين على ثلاثة أوجه يقين عيان ويقين خبر ويقين دلالة فاما يقين العيان فهو انه إذا رأى شيأ زال الشك عنه في ذلك الشيء واما يقين الدلالة فهوان يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين ان هناك نارا وان لم يرها واما يقين الخبر فهو ان الرجل يعلم باليقين ان في الدنيا مدينة يقال لها بغداد وان لم ينته إليها فههنا يقين خبر ويقين دلالة لان الآخرة حق ولان الخبر يصير معاينة عند الرؤية انتهى كلامه ويقال علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الإخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها والعلم اليقين هو العلم الحاصل بالإدراك الباطني بالفكر الصائب والاستدلال وهذا للعلماء الذين يوقنون بالغيب ولا تزيد هذه المرتبة العلمية الا بمناسبة الأرواح القدسية فاذا يكون العلم عينا ولا مرتبة للعين الا اليقين الحاصل من مشاهدة المعلوم ولا تزيد هذه المرتبة الا بزوال حجاب الاثنينية فاذا يكون العين حقا وزيادة هذه المرتبة اى حق اليقين عدم ورود الحجاب بعده وعينه للاولياء وحقه للانبياء وهذه الدرجات والمراتب لا تحصل الا بالمجاهدة مثل دوام الوضوء وقلة الاكل والذكر او السكوت بالفكر في ملكوت السموات والأرض
[ ١ / ٤١ ]