ويرد الباقي خائبين خاسرين وانما فضلت صلاة الجماعة على الفذ بسبع وعشرين لان الجماعة مأخوذة من الجمع والجمع اقله ثلاثة وصلاة الإنسان وحده بعشر حسنات وعشر حسات فيها واحدة اصل والتسع تضعيف بفضل الله تعالى فاذا اجتمعت التضعيفات كانت سبعا وعشرين قال القرطبي في تفسيره وتجب على من أدمن التخلف عن الجماعة من غير عذر العقوبة قال ابو سليمان الداراني أقمت عشرين سنة لم احتلم فدخلت مكة فاحدثت بها حدثا فما أصبحت الا احتلمت وكان الحدث ان فاتته صلاة العشاء بجماعة وفي الحديث (ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد فرضا أحب اليه من الصلاة ولو كان شىء أحب اليه من الصلاة لتعبد به ملائكته فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد) وينبغى للمصلى ان يبالغ في الحضور فكان السلف لو شغلهم ذكر مال يتصدقون به تكفيرا فالاصل عمل الباطن قال تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى اى من حب الدنيا او كثرة الهموم ولا ينظر الله تعالى الى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه فلا بد من دفع الخواطر: قال في المثنوى أول اى جان دفع شر موش كن وانكه اندر جمع كندم كوش كن بشنو از اخبار آن صدر صدور لا صلاة تم الا بالحضور قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى في وصاياه للعارف الهدائى قدس الله سر هما إذا شرعت فى الصلاة لا تتفكر في غير اظهار العبودية وتتميمها فانه إذا تم العبودية يحصل المقصود واما في غير الصلاة فليكن فكرك وملاحظتك نفى نفسك واثبات وحدانيته تعالى فانه المقصود لتوحيد ولا شىء أفضل من التوحيد ولذلك كان أول التكاليف فبعد قبول العبد التوحيد كلف بالصلاة ثم كلف بالصوم لان فيهما إصلاح الطبيعة وبعدهما بالزكاة وفيها إصلاح النفس بازالة شحها ثم بالحج وفيه نفع للطبيعة من جهة وللنفس من جهة بذل المال وقدم الثلاث الاول لعمومها للاغنياء والفقراء واما الأخيران فالفقراء سالمون منهما ثم قال إذا كان بيت الأغنياء من الجواهر يكون بيت الفقراء من النور حتى يتمنوا ان يكونوا فقراء: قال في المثنوى
مكرها در كسب دنيا بار دست مكرها در ترك دنيا واردست
چيست دنيا از خدا غافل شدن نى قماش ونقره فرزند وزن
كوزه سر بسته اندر آب زفت از دل پر باد فوق آب رفت
باد درويشى چودر باطن بود بر سر آب جهان ساكن بود
وفي التأويلات النجمية وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع وَآتُوا الزَّكاةَ اى بالغوا في تزكية النفس عن الحرص على الأمور الدنيوية والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية الأعمال السيئة وترك مطالبة ما سوى الله فانه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ اى اقتدوا في الانكسار ونفى الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الموجود أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ الخطاب لليهود والأمر القول لمن دونك افعل والمراد بالناس سفلتهم بِالْبِرِّ اى الاعتراف بالنبي واتباع الادلة وهو التوسع في الخير من البر الذي هو الفضاء الواسع والهمزة تقرير مع توبيخ
[ ١ / ١٢٢ ]
وتعجيب وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وتتركونها من البر كالمنسيات لان اصل السهو والنسيان الترك الا ان السهو يكون لما علمه الإنسان ولما لم يعلمه والنسيان لما عزب بعد حضوره كانوا يقولون لفقرائهم الذين لا مطمع لهم فيهم بالسر آمنوا بمحمد فانه حق وكانوا يقولون للاغنياء نرى فيه بعض علامات نبى آخر الزمان دون بعض فانتظروا الاستيفاء لما ينالون منهم ويؤخرون امور أنفسهم فلا يتبعونه في الحال مع عزيمتهم ان يتبعوه يوما وكذا حال من تمادى فى العصيان وهو يقول أتوب عند الكبر والشيب وربما يفجأه الموت فيبقى في حسرة الفوت:
قال الحافظ
ديدى آن قهقهه كبك خرامان حافظ كه ز سر پنجه شاهين قضا غافل بود
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ اى والحال انكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته صلى الله تعالى عليه وسلم الآمرة بالايمان به أَفَلا تَعْقِلُونَ اى ليس لكم عقل تعرفون به انه قبيح منكم عدم إصلاح أنفسكم والاشتغال بغيركم والعقل في الأصل المنع والإمساك ومنه العقال الذي يشد به وظيف البعير الى ذراعيه لحبسه عن الحراك سمى به النور الروحاني الذي به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية لانه يحبس عن تعاطى ما يقبح ويعقل على ما يحسن ومحله الدماغ لان الدماغ محل الحس وعند البعض محله القلب لان القلب معدن الحياة ومادة الحواس وعند البعض هو نور في بدن الآدمي ثم هذا التوبيخ ليس على امر الناس بالبر بل لشرك العمل به فمدار الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة وهي جملة تنسون أنفسكم دون ما عطفت هي عليه وهي أتأمرون الناس بالبر ولا يستقيم قول من لا يجوز الأمر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية بل يجب العمل به ويجب الأمر به وقد قال ﵇ (مروا بالمعروف وان لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وان لم تنتهوا عنه) وهذا لانه إذا امر به مع انه لا يعمل به فقد ترك واجبا وإذا لم يأمر به قد ترك واجبين فالامر بالحسن حسن وان لم يعمل به ولكن قلما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه ومن امر بخير فليكن أشد الناس مسارعة اليه ومن نهى عن شىء فليكن أشد الناس انتهاء عنه وهذه الآية كما ترى ناعية على من يعظ غيره ولا يعظ نفسه سوء صنيعه وعدم تأثره وان فعله فعل الجاهل بالشرع او الأحمق الخالي عن العقل والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم بالحق وتقيم غيرها لا منع الفاسق من الوعظ فان الإخلال بأحد الامرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر- يروى- انه كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوى التصرف في القلوب وكان كثيرا ما يموت من اهل مجلسه واحدا واثنان من شدة تأثير وعظه وكان في بلده عجوز لها ابن صالح رقيق القلب سريع الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس الواعظ فحضره يوما على حين غفلة منها فوقع من امر الله تعالى ما وقع ثم ان العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت أتهدى الأنام ولا تهتدى الا ان ذلك لا ينفع فياحجر الشحذ حتى متى تسن الحديد ولا تقطع
[ ١ / ١٢٣ ]