كما في تفسير القرطبي وقال في التأويلات النجمية وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عن شهوات النفس ومتابعة هواها وَالصَّلاةِ اى دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب وَإِنَّها اى الاستعانة بهما لَكَبِيرَةٌ امر عظيم وشأن صعب إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وهم الذين تجلى الحق لاسرارهم فخشعت له أنفسهم كما قال ﵊ (إذا تجلى الله لشئ خضع له) وقال وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا فالتجلى يورث الالفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يوقنون بنور التجلي أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ انهم يشاهدون جمال الحق وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ بجذبات الحق التي كل جذبة منها توازى عمل الثقلين يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا اشكروا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ بها عَلَيْكُمْ بانزال المن والسلوى وتظليل الغمام وتفجير الماء من الحجر وغيرها وذكر النعم على الآباء الزام الشكر على الأبناء فانهم يشرفون بشرفهم ولذلك خاطبهم فقال تعالى فضلتكم ولم يقل فضلت آبائكم لان في فضل آبائهم فضلهم وَاذكروا أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من عطف الخاص على العام للتشريف اى فضلت آباءكم على عالمى زمانهم بما منحتهم من العلم والايمان والعمل الصالح وجعلتهم أنبياء وملوكا مقسطين وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى ﵇ وبعده قبل ان يغيروا وهذا كما قال في حق مريم وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ اى نساء زمانك فان خديجة وعائشة وفاطمة أفضل منها فلم يكن لهم فضل على امة محمد ﷺ قال تعالى في حقهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ كما في التيسير فالاستغراق في العالمين عرفى لا حقيقى قال بعضهم من آمن من اهل الكتاب بمحمد ﷺ كانت له فضيلة على غيره وكان له أجران اجر إيمانه بنبيه واجر اتباعه لمحمد ﷺ وقد روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (ثلاثة يعطيهم الله الاجر مرتين من اشترى جارية فاحسن تأديبها فاعتقها وتزوجها وعبد أطاع سيده وأطاع الله ورجل من اهل الكتاب أدرك النبي ﷺ فآمن به) قال القشيري اشهد الله بنى إسرائيل فضل أنفسهم فقال فضلتكم على العالمين واشهد محمدا ﷺ فضل ربه فقال قل بفضل الله وبرحمته وشتان بين من مشهوده فضل نفسه وبين من مشهوده فضل ربه وشهوده فضل نفسه قد يورث الاعجاب وشهوده فضل ربه يورث الإيجاب ثم ان اليهود كانوا يقولون نحن من أولاد ابراهيم خليل الرحمن ومن أولاد اسحق ذبيح الله والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا فرد الله عليهم فانزل هذه الآية وقال وَاتَّقُوا اى واخشوا يا بنى إسرائيل يَوْمًا يوم القيامة اى حساب يوم او عذاب يوم فهو من ذكر المحل وارادة الحال لا تَجْزِي اى لا تقتضى فيه ولا تؤدى ولا تغنى فالعائد محذوف والجملة صفة يوم نَفْسٌ مؤمنة عَنْ نَفْسٍ كافرة شَيْئًا ما من الحقوق التي لزمت عليها وهو نصب على المفعول به وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والاقناط الكلى قال تعالى لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ وكيف تنفع وقد قال يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الآية: قال في المثنوى
چون يفر المرء آيد من أخيه يهرب المولود يوما من أبيه
زان شود هر دوست آن ساعت عدو كه بت تو بود واز ره مانع او
[ ١ / ١٢٦ ]
وهذا في حق الكفار فاما المؤمن فقد استثناه فقال يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ اى خال عن الشرك وَلا يُقْبَلُ مِنْها اى من النفس الاولى المؤمنة شَفاعَةٌ ان شفعت للنفس الثانية الكافرة عند الله لتخليصها من عذابه والشفاعة مصدر الشافع والشفيع وهو طالب قضاء حاجة غيره مأخوذ من الشفع لانه يشفع نفسه بمن يشفع له في طلب مراده ولا شفاعة في حق الكافر بخلاف المؤمن قال النبي ﵇ (شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي) فمن كذب بها لم ينلها والآيات الواردة في نفى الشفاعة خاصة بالكفار وَلا يُؤْخَذُ مِنْها اى من المشفوع لها وهي النفس الثانية العاصية عَدْلٌ اى فداء من مال او رجل مكانها او توبة تنجو بها من النار والعدل بالفتح مثل الشيء من خلاف جنسه وبالكسر مثله من جنسه وسمى به الفدية لانها تساويه وتماثله وتجرى مجراه وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ اى يمنعون من عذاب الله تعالى ومن أيدي المعذبين فلا نافع ولا شافع ولا دافع لهم والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة والتذكير لكونها عبارة عن العباد والأناسي والنصرة هاهنا أخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر ثم هذه الآية في غاية البلاغة فانها جمعت ذكر الوجوه التي بها يتخلص المرء من النكبة التي أصابته في الدنيا وهي اربع ينوب عنه غيره في تحمل ما عليه او يفتدى بمال فيخلص منها او يشفع له شافع فيوهب له او ينصره ناصر فيمنعه فقطعها الله عنهم جميعا وعن عكرمة انه قال ان الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول يا بنى انى اب لك في الدنيا وقد احتجت الى مثقال حبة من حسناتك لعلى أنجو بها مما ترى فيقول له ولده انى أتخوف مثل الذي تخوفت أنت فلا أطيق ان أعطيك شيأ ثم يتعلق بزوجته فيقول لها فلانة انى زوج لك في الدنيا فتثنى عليه خيرا فيقول لها انى اطلب منك حسنة واحدة تهبينها لى لعلى أنجو مما ترين فتقول لا أطيق ذلك انى تخوفت مثل الذي تخوفت منه فيقول الله وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى يعنى من أثقلته الذنوب لا يحمل أحد من ذنبه شيأ: قال السعدي
برفتند هر كس درود آنچهـ كشت نماند بجز نام نيكو وزشت
بر آن خورد سعدى كه بيخى نشاند كسى برد خرمن كه تخمى فشاند
وفي التأويلات النجمية يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا فاسمعهم خطابه في السر فذكروا نعمته التي أنعم بها عليهم وهي استعداد قبول رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فآمنوا بمحمد ﵇ من خاصية قبول ذلك الرشاش كما قال ﵇ (فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل) وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ اى بهذه النعمة اى فضلتكم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور من العالمين وَاتَّقُوا يَوْمًا اى عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله كما قال واتقوا النار إلخ ويخوف الخاص بصفاته كقوله إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ وقوله لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ويخوف خاص الخاص بذاته
[ ١ / ١٢٧ ]