هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي التيميّ البكري الحنبليّ، الواعظ، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصدّيق، واشتهر بابن الجوزي نسبة إلى شرعة الجوز، إحدى محالّ بغداد بالجانب الغربي، وقيل: نسبة إلى جوزة كانت في دار جدّه السابع جعفر بن عبد الله بواسط.
ولد ابن الجوزي ببغداد سنة ٥٠٨ هـ وقيل سنة ٥١٠ هـ، وقيل سنة ٥١٤ هـ. ولما ترعرع حفظ القرآن وقرأه على جماعة بالروايات، ثم طلب العلم على جمع كثير من العلماء.
وقد اشتغل بالوعظ وأوتي حظا عظيما وصيتا بعيدا فيه، فكان يحضر مجالسه الملوك والوزراء والأئمة الكبار. وكان مجلسه لا ينقص عن ألوف كثيرة حتى قيل في بعض مجالسه: إنه حزر الجمع بمائة ألف.
_________________
(١) انظر عنه في: التكملة لوفيات النقلة ١/ ٣٩٤، ٣٩٥ رقم ٦٠٨، ومشيخة النعّال ١٤٠- ١٤٢، ورحلة ابن جبير ١٩٦- ٢٠٠، والتقييد لابن نقطة ٣٤٣، ٣٤٤ رقم ٤٢٢، ومرآة الزمان ج ٨ ق ٢/ ٤٨١- ٥٠٢، ووفيات الأعيان ٣/ ١٤٠- ١٤٢ رقم ٣٧٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٢، ١٣٤٨، وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٩٩- ٤٣٣، والوافي بالوفيات ١٨/ ١٨٦- ١٩٤ رقم ٢٣، وتاريخ الإسلام للذهبي (٥٩١- ٦٠٠) ص ص ٢٨٧- ٣٠٥ رقم ٣٧١، وسير أعلام النبلاء له ٢١/ ٣٦٥- ٣٨٤ رقم ١٩٢، وشذرات الذهب ٤/ ٣٢٩- ٣٣١، ومعجم المؤلفين ٥/ ١٥٧، ١٥٨، ومعجم طبقات الحفاظ والمفسرين ١٠٩ رقم ١٠٦٣.
[ ١ / ٧ ]
قال الشيخ موفق الدين المقدسي: «كان ابن الجوزي إمام عصره في الوعظ، وصنّف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، وكان يدرّس الفقه ويصنّف فيه، وكان حافظا للحديث وصنّف فيه..» .
وقال ابن رجب: نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتدّ نكيرهم عليه في ذلك.. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطلقا على الأحاديث والآثار فلم يكن يحلّ شبه المتكلمين وبيان فسادها.
وكان ابن الجوزي معظّما لأبي الوفاء بن عقيل متابعا لأكثر ما يجده من كلامه، وإن كان قد ردّ عليه في بعض المسائل. وكان ابن عقيل بارعا في الكلام، ولم يكن تامّ الخبرة بالحديث والآثار.
فلهذا يضطرب تأويله في هذا الباب وتتلوّن فيه آراؤه. وأبو الفرج تابع له في هذا التلوّن.
وتصانيف ابن الجوزي كثيرة جدة بلغت، فيما قيل، خمسين ومائتين كتاب، وقد نقل ابن رجب عن ابن القطيعي أن ابن الجوزي ناوله كتابا بخطه سرد فيه تصانيفه.
قال ابن الجوزي: أول ما صنّفت وألّفت ولي من العمر ثلاث عشرة سنة.
ومن تصانيفه في التفسير: المغني- تذكرة الأريب في معرفة الغريب- نزهة العيون النواظر في الوجوه والنظائر- عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ- زاد المسير في علم التفسير وهو الكتاب الذي نقدّم له.
وفي التوحيد وعلم الكلام: دفع شبه التشبه- منهاج الوصول إلى علم الأصول.
وفي علم الحديث: جامع المسانيد- غرر الأثر- الموضوعات- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية.
كما صنف في الفقه وفي التاريخ والوعظ وعلم الرجال «١» .
توفي ابن الجوزي ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من شهر رمضان سنة ٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م، وله من العمر سبع وثمانون سنة. وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد بن حنبل. وكان يوما مشهودا حتى قيل: إنه أفطر جماعة من كثرة الزحام وشدة الحر. وكان قد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:
يا كثير العفو يا من كثرت ذنوبي لديه
جاءك المذنب يرجو الصّفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه
_________________
(١) وضع عبد الحميد العلوجي كتابا بعنوان «مؤلفات ابن الجوزي» طبع في بغداد سنة ١٩٦٥. كما نشرت ناجية عبد الله إبراهيم رسالة بعنوان «ابن الجوزي- فهرست كتبه» في مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد ٣١، ١٩٨٠.
[ ١ / ٨ ]
أقبل المسلمون على كتاب ربهم وكلام خالقهم دراسة وحفظا وعملا، وألّفوا في علومه كتبا ومؤلفات عديدة في التفسير والقراءات واستنباط الأحكام والإعجاز والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والغريب والمبهمات والفضائل والقصص وغير ذلك.
ومن أهم كتب التفسير للقرآن الكريم كتاب «زاد المسير في علم التفسير» لابن الجوزي الذي عمد إلى كتب الذين سبقوه في التفسير فأشبعها دراسة واستفاد من الثغرات التي كانت في تفاسيرهم، ووضع تفسيره هذا مخلّصا إياه من التطويل المملّ ومن الاختصار المخلّ. وقال في مقدمة كتابه:
( أني نظرت في جملة من كتب التفسير فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، والمتوسط منها قليل الفوائد، عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل وشرح غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ب «زاد المسير في علم التفسير») .
فجاء كتابه وسطا بين التفاسير الطويلة والمختصرة الشديدة الاختصار، مع تميّزه بجملة من الخصائص، إضافة إلى أسلوب ابن الجوزي السّلس المتين والسهل الممتنع. ومن هذه الخصائص أنه تحدّث عمن نزلت بعض الآيات فيهم، وذكر القراءات المشهورة والشاذة أحيانا، وتوقف عند الآيات المنسوخة والتي اختلف العلماء حولها أمنسوخة هي أم لا؟ وأورد أقوال العلماء بهذا الصدد، بالإضافة إلى ردّه كل قول إلى مصدره معتمدا على علماء اللغة مثل: ابن قتيبة وأبي عبيدة والخليل بن أحمد الفراهيدي وعلى النحاة مثل: الفرّاء والزجّاج والأخفش والكسائي ومحمد بن القاسم النحوي وعلى القرّاء مثل: الجحدري وعاصم وغيرهم.