أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً أي على رشاد. وقال ابن عباس: على نور واستقامة. قال ابن قتيبة: الْمُفْلِحُونَ: الفائزون ببقاء الأبد. وأصل الفلاح: البقاء. ويشهد لهذا قول لبيد:
نحل بلادًا كلُّها حُلَّ قبلنا ونرجو الفلاح بعد عادٍ وحمير
يريد: البقاء، وقال الزجاج: المفلح: الفائز بما فيه غاية صلاح حاله. قال ابن الأنباري: ومنه:
حيَّ على الفلاح، معناه: هلموا إِلى سبيل الفوز ودخول الجنة.
[سورة البقرة (٢): آية ٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في نزولها أربعة أقوال: أحدها: أنها نزلت في قادة الأحزاب، قاله أبو العالية. والثاني: أنها نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك. والثالث: أنها نزلت في طائفة من اليهود، ومنهم حيي بن أخطب، قاله ابن السائب. والرابع: أنها نزلت في مشركي العرب، كأبي جهل وأبي طالب وأبي لهب وغيرهم ممن لم يسلم «٣»، قاله مقاتل.
فأما تفسيرها، فالكفر في اللغة: التغطية. تقول: كفرت الشيء إذا غطيته، فسمي الكافر كافرًا، لأنه يغطي الحق. قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ، أي: متعادل عندهم الانذار وتركه، والانذار: إِعلام مع تخويف، وتناذر بنو فلان هذا الأمر: إذا خوّفه بعضهم بعضا.
_________________
(١) أثر ابن عباس لم أقف عليه، ولا يصح، فإنه من رواية الضّحّاك، وهو لم يلق ابن عباس، والراوي عن الضحاك هو جويبر بن سعيد، ذاك المتروك، وهو إن لم يذكره المصنف، فهو المتعين، لأنه يروي عن الضحّاك عن ابن عباس تفسيرا كاملا، ولا يصح. وأما أثر مقاتل، فهو واه أيضا، فهو مرسل، ومع إرساله مقاتل إن كان ابن سليمان فهو كذاب، وإن كان ابن حيان، فقد روى مناكير، والراجح عند الإطلاق ابن سليمان. والصحيح عموم الآية، والله أعلم.
(٢) ضعيف. أخرجه الطبري ٢٩٢ من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وإسناده ضعيف، لضعف أبي صالح، واسمه باذان، ويقال باذام.
(٣) قال ابن كثير ﵀ في «تفسيره» ١/ ٤٥: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إِلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول وهو الأظهر ويفسر ببقية الآيات التي في معناها والله أعلم.
[ ١ / ٢٩ ]
قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم خلاف مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص.