وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)
قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ. في القائل لهم قولان: أحدهما: أنه موسى بعد مضيّ الأربعين سنة. والثاني: أنه يوشع بن نون بعد موت موسى.
والقرية: مأخوذة من الجمع، ومنه: قريت الماء في الحوض. والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء. وفي المراد بهذه القرية قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسّدّيّ والرّبيع، وروي عن ابن عباس أنها أريحا. قال السدي: وأريحا: هي أرض بيت المقدس.
والثاني: أنها قرية من أداني قرى الشام، قاله وهب «٣» .
قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ، قال ابن عباس: وهو أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى:
_________________
(١) قال ابن كثير ﵀ في «تفسيره» ١/ ٩٥: والظاهر والله أعلم أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد. فالمنّ المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركّب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده. والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري عن سعيد بن زيد ﵁، قال النبي ﷺ: (الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين) . []
(٢) البيت للهذليّ هو خالد بن زهير. قال القرطبي ﵀ ١/ ٤٤٧: قال ابن عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين. وقد غلط الهذليّ فقال: وقاسمهما بالله جهدًا لأنتم ألذ من السلوى إِذا ما نشورها ظنّ أن السلوى العسل. قلت: ما ادّعاه من الإجماع لا يصح وقد قال المؤرّج (وهو مؤرج بن عمر الدّوسي من أصحاب الخليل بن أحمد) أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل، واستدل ببيت الهذليّ، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة، سمّي به لأنه يسلى به. وقال الجوهري: والسلوى العسل، وذكر بيت الهذليّ ولم يذكر غلطا. والسّلوانة (بالضم): خرزة كانوا يقولون إذا صبّ عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا قال: شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو واسم ذلك الماء السلوان. وقال بعضهم: السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمّونه المفرّح، يقال سليت وسلوت، لغتان. وهو في سلوة من العيش. أي في رغد، عن أبي زيد.
(٣) قال ابن كثير ﵀ في «تفسيره» ١/ ٩٨: يقول الله تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر بصحبة موسى ﵇، فأمروا بدخول الأرض المقدسة، التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل وقتال من فيها من العماليق الكفرة فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا فرماهم الله في التيه عقوبة لهم كما ذكره الله تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس.
[ ١ / ٦٨ ]
باب حطة، وقوله: سُجَّدًا، أي: ركعًا. قال وهب: أمروا بالسجود شكرا لله ﷿ إذ ردهم إليها. قوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ قرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة (حطةً) بالنصب. وفي معنى «حطة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: استغفروا، قاله ابن عباس ووهب. قال ابن قتيبة: وهي كلمة أُمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار، من: حططت، أي: حط عنا ذنوبنا. والثاني: أن معناها: قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم، ذكره الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن معناها: لا إله إلا الله، قاله عكرمة. قال ابن جرير الطبري: فيكون المعنى: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول «لا إِله إِلا الله» .
ولماذا أمروا بدخول القرية؟ فيه قولان: أحدهما: أن ذلك لذنوب ركبوها فقيل: (ادخلوا القرية) (وادخلوا الباب سجدًا نغفر لكم خطاياكم)، قاله وهب. والثاني: أنهم ملوا المن والسلوى، فقيل:
اهْبِطُوا مِصْرًا، فكان أول ما لقيهم أريحا، فأمروا بدخولها.
قوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي:
(نغفر لكم) بالنون مع كسر الفاء. وقرأ نافع وأبان عن عاصم «يغفر» بياء مضمومة وفتح الفاء. وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة مع فتح الفاء.