روى عكرمة عن ابن عباس قال: أُنزلَ القرآنُ جملة واحدة من اللّوح المحفوظ في ليلة القدر إلى بيت العزّة، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة «١» . وقال الشعبي: فرّق الله تنزيل القرآن، فكان بين أوله وآخره عشرون سنة. وقال الحسن: ذكر لنا أنه كان بين أوّله وآخره ثماني عشرة سنة، أنزل عليه بمكة ثماني سنين، وبالمدينة عشر سنين.
فصل: واختلفوا في أول ما نزل من القرآن:
(٢) فأثبت المنقول أنّ أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٢»، رواه عروة عن عائشة وبه قال
_________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣ ومسلم ١٦٠ وأحمد ٦/ ٢٣٢- ٢٣٣. والطيالسي ١٤٦٧ وابن حبان ٣٣ والبيهقي في «الدلائل» ٢/ ١٣٥- ١٣٦ من حديث عائشة أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ! قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ! قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: «زملوني زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي» فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى- ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجي هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي. واللفظ للبخاري.
(٢) موقوف حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله.
(٣) العلق: ١.
[ ١ / ١٢ ]
قتادة وأبو صالح. وروي عن جابر بن عبد الله: أن أوّل ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
والصحيح أنه لما نزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ رجع فتدثّر فنزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
(٣) يدل عليه ما أخرج في «الصحيحين» من حديث جابر قال: سمعت النبيّ ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت:
زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»، ومعنى جثثت: فرقت. يقال: رجل مجؤوث ومجثوث. وقد صحّفه بعض الرواة فقال: جبنت، من الجبن، والصحيح الأول.
وروي عن الحسن وعكرمة: أن أوّل ما نزل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
فصل: واختلفوا في آخر ما نزل:
(٤) فروى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، قال: آخر آية أنزلت على النبيّ ﷺ، آية الرّبا «١» .
(٥) وفي أفراد مسلم عنه: آخر سورة نزلت جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٢» .
(٦) وروى الضّحّاك عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلت: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ «٣»، وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي صالح.
(٧) وروى أبو إسحاق عن البراء قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «٤»، وآخر سورة نزلت «براءة» .
(٨) وروي عن أبيّ بن كعب: أن آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «٥»، إلى آخر السورة.
_________________
(١) أخرجه البخاري ٣٢٣٨ و٤٩٢٥ ومسلم ١٦١ والترمذي ٣٣٢٥ وابن حبان ٣٤، وسيأتي في سورة المدثر. صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٤٤ عن ابن عباس، ويأتي. يأتي في سورة النصر. يأتي ذكر الحديث عند الآية ٢٨١ من سورة البقرة. صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٥٤ عن البراء. حسن. أخرجه أحمد ٥/ ١١٧ من طريق شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس عن أبي بن كعب به. وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، ويوسف هو ابن مهران لين الحديث، وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ويذاكر، وقال أحمد: لا يعرف. نقله الذهبي في «الميزان» ٤/ ٤٧٤. وقال الحافظ في «التقريب»: يوسف بن مهران، ليس هو يوسف بن ماهك، ذاك ثقة، وهذا لم يرو عنه إلّا ابن جدعان، وهو لين الحديث. وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٣٨ من وجه آخر عن شعبة عن يونس بن عبيد وعلي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران به. وقال: حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين! ووافقه الذهبي!. وليس كما قالا، فقد ظن الحاكم أن الذي في الإسناد هو يوسف بن ماهك، فذاك روى له الشيخان، وقد فرّق بينهما ابن حجر كما تقدم، وكذا الذهبي في «الميزان» ٤/ ٤٧٤. فالإسناد لين، لكن توبع، فقد أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» ص ٣٨ من وجه آخر وفيه أبو جعفر الرازي وهو ضعيف الحديث، لكن يصلح للمتابعة. فالحديث حسن من جهة الإسناد. - ويأتي الكلام على الجمع بين هذه الأحاديث إن شاء الله، والله أعلم.
(٢) وهي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
(٣) سورة النصر: ١.
(٤) البقرة: ٢٨١.
(٥) النساء: ١٧٦.
(٦) التوبة: ١٣٨.
[ ١ / ١٣ ]
فصل: لما رأيت جمهور كتب المفسّرين لا يكاد الكتاب منها يفي بالمقصود كشفه حتى ينظر للآية الواحدة في كتب، فربّ تفسير أخلّ فيه بعلم النّاسخ والمنسوخ، أو ببعضه، فإن وجد فيه لم يوجد أسباب النزول، أو أكثرها، فإن وجد لم يوجد بيان المكيّ من المدنيّ، وإن وجد ذلك لم توجد الإشارة إلى حكم الآية، فإن وجد لم يوجد جواب إشكال يقع في الآية، إلى غير ذلك من الفنون المطلوبة.
وقد أدرجت في هذا الكتاب من هذه الفنون المذكورة مع ما لم أذكره مما لا يستغني التفسير عنه ما أرجو به وقوع الغناء بهذا الكتاب عن أكثر ما يجانسه.
وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الإشارة، ولم أغادر من الأقوال التي أحطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره، فهو لا يخلو من أمرين: إِما أن يكون قد سبق، وإِما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير. وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التفاسير، فأخذ منها الأصحّ والأحسن والأصون، فنظمه في عبارة الاختصار. وهذا حين شروعنا فيما ابتدأنا له، والله الموفّق.