الولاية في الاصطلاح الفقهي
تعريف الولاية في اللغة:
_________________
(١) الموطأ. الإمام مالك بن أنس أبو عَبْد الله الأصبحي. (٩٣ - ١٧٩) . تحقيق: مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي. دار إحياء التراث العربي. مصر. (د. ت) .: ٢ /٥٣٥. مجمع الزوائد: ٤ /٢٨٥ وقال: رواه الطبراني في الروض الداني (المعجم الصغير) . سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني أبو القَاسِم. (٢٦٠ - ٣٦٠) . تحقيق: مُحَمَّد شكور محمود الحاج أمرير. المكتب الإسلامي، دار عمار. بيروت، عمان. ط٢. ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م. عن مُحَمَّد بن عبد الصمد بن أبي الجراح لم يتكلم فيه أحد وبقية رجاله ثقات.
(٢) صحيح ابن حبان: ٩ / ٣٧٤. المستدرك على الصحيحين: ٢ /٢٠٠ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. كلاهما دون لفظ (بالدف) . وهو بهذه الزيادة في البحر الزخار المعروف بمسند البزار. أحمد بن عمرو بن عَبْد الخالق البزار أبو بكر. (٢١٥ - ٢٩٢) . تحقيق: د. محفوظ الرَّحْمَن زين الله. مؤسسة عُلُوْم القُرْآن - مَكْتَبَة العُلُوْم والحكم. بيروت - المدينة. ط١. ١٤٠٩ هـ.: ٦ /١٧١ وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن الزبير إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
(٣) المبسوط (السرخسي): ٥/٣١.
[ ٣٦٧ ]
في أسماء الله تعالى: الولي الناصر. قيل: الوِلاية بالكسر السلطان والوَلاية الوِلاية النَصرة. قيل: هم عليّ وَِلاية، أي: مجتمعون في النّصرة، قال سيبويه: الوَلاية بالفتح المصدر، والوِلاية بالكسر الاسم مثل الأمارة لأنه اسم لما توليه وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا. الوَليّ: ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته، وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح دونه «١» .
تعريف الولاية في الاصطلاح الشرعي:
" تنفيذ القول على الغير " «٢» .
وقبل الخوض في أحكام الولاية علينا أن نبين:
أسباب الولاية وهي القرابة. الملك. الولاء. الإمامة. الوصية «٣» مع اختلاف في بعضها وليس هنا مقام تفصيله.
أنواع الولاية "ولاية الإجبار. ولاية الندب والاستحباب. ولاية الشركة" (٤) .
شروط الولي " العقل. البلوغ. الحرية. اتحاد الدين. العدالة. الذكورة. الرشد) «٥» .
الولاية على تزويج البالغة العاقلة
تعريف البلوغُ:
البلوغُ والبلاغُ الانتهاء إلى أقصى المقْصِد والمنُتهى مكانًا كان، أو زَمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدرة «٦» .
_________________
(١) لِسَان العَرَب: مَادة (ولي) ٥ /٤٠٧.
(٢) حاشية الطحاوي: ٢/٦.
(٣) بدائع الصنائع: ٢/٢٣٧. المفصل في أحكام المرأة: ٦/٣٤١ – ٣٤٢.
(٤) بدائع الصنائع: ٢/٢٤١ - ٢٤٧. شرح فتح القدير. كمال الدِّيْن مُحَمَّد بن عَبْد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام. ت ٦٨١ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٢/٣٩٣.
(٥) المغني (ابن قدامة): ٧/٢١. بدائع الصنائع: ٢/٢٣٩. مغني المحتاج: ٣/١٥٤.
(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٨.
[ ٣٦٨ ]
وعلامات البلوغ في الأنثى هي الحيض. الاحتلام «١» . وأدنى سن لظهور علامات بلوغ الأنثى من العمر تسع سنوات. وقال الشافعية: استكمال تسع سنين قمرية. بالنسبة للذكر أدنى سن لاحتلام الذكر أثنتا عشرة سنة «٢» .
فسنستعرض أقوال الفقهاء في مسألة تزويج الأب ابنته البالغة، وهل يستأمرها؟ مع أدلتهم باختصار وبما يفي بغرض التفسير التحليلي فقط، فقد استدل قسم من العلماء بقوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ﴾ على أن النكاح للولي ولاحظ للمرأة فيه، لأن صالح مدين تولاه وبه قال فقهاء الأمصار وخالف في ذلك الحنفية. واستدل الأمام مالك على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير إستئمار، وبقول مالك قال الشافعي وكثير من العلماء، وخالف بذلك أبو حنيفة «٣» .
سنتعرف على آراء العلماء في هذه المسالة مع الأدلة وبشكل مختصر:
أولًا - مذهب الحنفية:
_________________
(١) المبسوط (السرخسي): ٩/١٨٤. بدائع الصنائع: ٧/١٧١.
(٢) المبسوط (السرخسي): ٩/١٨٤. مغني المحتاج: ٢/١٦٧.
(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٨٧.
[ ٣٦٩ ]
قالوا: لا يجوز للولي أيًا كان، أو غيره إجبار البالغة العاقلة البكر على النكاح، لأن علة ولاية الإجبار في النكاح هي الصغر، وقد زالت ببلوغها «١»، ومن حقها أن تزِّوج نفسها بنفسها دون الحاجة إلى إذن الوليّ، ولا إلى أن يتولى عقد نكاحها نيابة عنها. ولكن للولي حق الاعتراض على زواجها بغير كفء، أو بأقل من مهر المثل إذا كان هذا الولي من عصباتها «٢» .
أدلة الحنفية:
١. من القرآن:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ «٣» .
وجوه الدلالة
أـ إضافة عقد النكاح إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ .
ب - إضافة المراجعة إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ «٤» .
٢. من السنة:
_________________
(١) الهِداية شرح بداية المُبتدي. برهان الدِّيْن عَلِيّ بن أَبِي بكر بن عَبْد الجليل المَرْغِيْنَاني الفَرْغَاني أبو الحسين. (٥١١ - ٥٩٣) . المكتبة الإسلامية. بيروت (د. ت) .: ١/١٩٦. حاشية الطحاوي على الدر المختار: ٢/٢٦.
(٢) حاشية الطحاوي على الدر المختار: ٢/٢٦. المبسوط (السرخسي): ٥/١٠ - ١١.
(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٣٠.
(٤) أحكام القُرْآن. أحمد بن عَلِيّ الرَّازِي الجَصَّاص أبو بكر. (٣٠٥ - ٣٧٠) . تحقيق: مُحَمَّد الصادق قمحاوي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ١٤٠٥ هـ.: ١ /٤٠٠.
[ ٣٧٠ ]
روت خنساء بنت خذام الأنصارية: «أنها أتت رسول الله فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخيّرها النبي (- ﷺ -) بين فسخ النكاح وبين بقائه وعدم
فسخه» «١» «٢» .
من المعقول أن البالغة العاقلة البكر في تزويج نفسها بنفسها إنما تتصرف في خالص حقها، وهي من أهل التصرف لكونها بالغة عاقلة، ولهذا كان لها التصرف في مالها فكذا التصرف بزواجها «٣» .
٣. الإجماع:
اتفق الفقهاء جميعًا على جواز قيام الرجل بعقد النكاح لنفسه إذا كان جائز التصرف بماله، والمرأة البالغة العاقلة لما كانت جائزة التصرف بمالها وجب جواز عقد نكاحها بنفسها «٤» .
ثانيًا - مذهب الشافعية والمالكية:
قال الشافعي: لا تزوج المرأة نفسها، أي لا تملك مباشرة عقد النكاح بحال لا بأذن من وليّها ولا من غيره. سواء كانت هي الموجبة في عقد النكاح، أو القابلة له. وإن الذي يباشر عقد النكاح لها هو وليها وليست هي «٥» .
وللأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فله أن يزوجها بدون حاجة إلى إذنها ولا توقف على هذا الإذن «٦» .
الأدلة:
١. من القرآن:
_________________
(١) صَحِيْح البُخَارِي: باب إذا زوج ابنته وهي كارهة ٥ /١٩٧٤ رقم (٤٨٤٥) .
(٢) الهداية: ١/١٩٦.
(٣) أحكام القرآن (الجَصَّاص): ١/٤٠٢.
(٤) أحكام القرآن (الجَصَّاص): ١ /٤٠٢.
(٥) الأم: ٥/١٢ - ١٣. نهاية المحتاج: ٦/ ٢٢٤. مغني المحتاج: ٣/١٧٤. بدية المُجتهِد ونهاية المقتصد. مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن رشد القرطبي بن الإِمَام مُحَمَّد بن أحمد بن رُشْد القُرْطُبي. الملقب بابن رُشْد الحَفيد أَبِي الوليد. ت ٥٩٥ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٢/٥.
(٦) الأم: ٥/١٩. مغني المحتاج: ٣/١٤٩. نهاية المحتاج: ٦/٢٢٤.
[ ٣٧١ ]
قال تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ «١» دليل على اعتبار الوليّ في عقد النكاح، وأنه هو الذي يتولى عقد لموليّته. ولو كان الحقُّ لها في عقد النكاح لنفسها لما كان لعضله معنى.
٢. من السنة النبوية:
قوله (- ﷺ -): «لا نكاح إلا بولي» «٢» .
وقوله (- ﷺ -): «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها
باطلْ» «٣» .
قوله (- ﷺ -): «الثيب أحق بنفسها من وليِّها، والبكر يزوجها
أبوها» «٤» .
٣. المعقول:
لا يليق بمحاسن العادات دخول المرأة في أمر النكاح ولا اشتراكها مع الرجل في إنشاء عقد النكاح.
وقال الشافعي: يستحب للولي المجبر (الأب) أن يستأذن ابنته البالغة العاقلة البكر في تزويجها قبل أن يعقد لها عقد النكاح تطييبًا لخاطرها «٥» .
ثالثًا. الحنابلة:
فهم مع الشافعية والأحناف في مسألة أن المرأة البالغة البكر لا تملك تزويج نفسها، أما في مسالة هل للأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فيزوجها جبرًا دون توقف على إذنها.
قال أبن قدامة الحنبلي عن أحمد روايتان:
الرواية الأولى: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة.
_________________
(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٣٢.
(٢) صَحِيْح البُخَارِي: باب من قال لا نكاح إلا بولي ٥/١٩٧٠. صحيح ابن حبان: ٩ /٣٨٦ من حديث عائشة ﵂.
(٣) صحيح ابن حبان: ٩/ ٣٨٤. المستدرك على الصحيحين: ٢ /١٨٢ من حديث عائشة ﵂. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٤) صحيح مسلم: باب استئذان الثيب في النكاح ٢/ ١٠٣٧ رقم (١٤٢١) من حديث ابْن عَبَّاس ﵄.
(٥) ينظر المفصل في أحكام المرأة: ٦/ ٣٤٤.
[ ٣٧٢ ]
الرواية الثانية: ليس له ذلك واختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي، والنوري «١» .
والدليل على الرواية الأخيرة ما روي عن ابن عباس: «أن جارية بكرًا أتت النبي (- ﷺ -) فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخَّيرها النبي (- ﷺ -») «٢»، ولأنها جائزة التصرف في مالها فلم يجز إجبارها على الزواج كالثيب والرجل.