﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ * وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ «١» .
المناسبة
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٥٧ -٦١.
[ ٤٩٥ ]
قال البقاعي: " ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى (- ﵇ -)، ثُمَّ كفرهم به، وبما هو أعظم منه، وختم بِأَنَّهُ أعلم بأهل الخير وأهل الشرّ إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء، قال دليلًا لأنهم إنما يتبعون أهوائهم عاطفًا على قولهم: ﴿لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ «١»، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ «٢»، كان الرد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ " «٣» . ومناسبة هذه الآيات على موقعها أنها جاءت لبيان حال قريش في كفرهم برسول الله (- ﷺ -)، وكيف أن الله بين تفاهة حججهم بعد تعداد نعمه عليهم.
ثُمَّ دعتهم الآيات إلى الاعتبار بإهلاك الله للأمم السابقة لأنهم تنكروا لنعم الله، وبطروا بها، فنلاحظ كيف أن الآيات جاءت متناسقة متناسبة فيما بينها، ولتعطي القارئ صورة لعناد قريش، ثُمَّ تربطه بما جرى للأمم السابقة لغرض العبرة والعظة، ولكي يستمر الاتعاض بها في كلّ زمان ومكان من خلال نبذها للدنيا، وتذكير الإنسان بأن ما عند الله خير وأبقى «٤» .
أسباب النزول
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٨.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.
(٣) نظم الدرر: ٥ /٥٠٢.
(٤) ينظر مُحَمَّد والقوى المضادة. مُحَمَّد أحمد خلف الله. الطبعة الثالثة. القاهرة. ١٩٨٢ م: ص ٤٢ –١٤٣.
[ ٤٩٦ ]
نقل الطبري عن ابن عباس ﵄ أن الحارث بن نوفل الذي قال ﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ . وقال أيضًا: قد علمنا أنك رسول الله، ولكن نخاف أن نتخطف من أرضنا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ «١» .
ونقل الزمخشري " عن الزجاج إجماع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمد أو صدقوه، تفلحوا وترشدوا، فقال النبي (- ﷺ -): يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال: فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول: لا اله ألا الله أشهد لك بها عند الله، قال: يا ابن أخي قد علمت أنك لصادق، ولكن أكره أن يقال: خرع عند الموت، ولولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف.
قالت قريش - وقيل: إن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف - نحن نعلم أنك على الحق، ولكن نخاف أن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة راس - أي: قليلون - يتخطفونا من أرضنا " «٢» .
وجاء في بيان نزول قول تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾
والتي اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟
قال مجاهد: نزلت في النبي (- ﷺ -) وفي أبي جهل بن هشام.
_________________
(١) جامع البيان: ١٠ /٨٩. لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٣٧. أسباب النزول (السيوطي): ص ٣٠٦.
(٢) جامع البيان: ٢١ /١٣٩. الكَشَّاف: ٣ /١٨٥.
[ ٤٩٧ ]
وعن مجاهد أنها نزلت في حمزة، وعلي بن أبي طالب، وأبي جهل «١» .
وقيل: نزلت في عمار، وفي الوليد بن المغيرة «٢» .
والذي أرجحه جمعًا بين الروايات أنها نزلت في رسول الله (- ﷺ -) ومن معه - رضوان الله عليهم - وفي قريش ومن معهم من الكافرين أخذًا لظاهر المعنى وتوجيههًا للقراءات المختلفة فيه.
تحليل الألفاظ
١. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾:
" الخَطْفُ: الإِسْتِلابُ، وقيل: الخَطْفُ الأَخْذُ في سُرْعةٍ واسْتِلابٍ. خَطِفَه، بالكسر، يَخْطَفُه خَطْفًا، بالفتح، وهي اللغة الجيّدة، وفيه لغة أُخرى حكاها الأَخفش: خَطَفَ، بالفتح، يَخْطِفُ بالكسر، وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف: اجّتَذَبه بسُرْعة " «٣» .
وقال الراغب الأصفهاني: " الخطف والاختطاف: الاختلاس بالسرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطِف، وخَطَف يَخْطَف، وقرئ بهما جميعًا " «٤» .
٢. ﴿نُمَكِّنْ﴾:
المَكْنُ والمَكِنُ: بيضُ الضَّبَّةِ والجَرَادة ونحوهما واحدته مَكْنةٌ. ومَكِنة، بكسر الكاف. وقد مَكِنَتِ الضَّبَّةُ وهي مَكُونٌ وأَمْكَنتْ وهي مُمْكِنٌ إِذا جمعت البيض في جوفها، والمكنة التمكن، تقول العرب: إِن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان أَي تَمكُّنٍ. قال ابن بري: لا يصح أَن يقال في المَكِنة إِنه المكان إلا على التَّوَسُّع لأن المكنّة إنما هي بمعنى التمكن.
_________________
(١) جامع البيان: ١٠ /٩١ –٩٢.
(٢) مجمع البيان: ٧ /٢٦١.
(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (خطف) ٩ /٥٧.
(٤) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٥٢.
[ ٤٩٨ ]
والطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّبِ والتَّبِعَةِ بمعنى التَّتُّبع. يقال: إِنَّ فلانًا لذو مَكِنةٍ من السلطان، فسمي موضع الطير مَكِنةً لتَمكُّنه، والمَكانةُ المَنْزلة عند الملك. وقال أبو منصور: المكان والمكانة واحد. قال ابن سيده: تَمَكَّنَ من الشيء واستمكن: ظفر «١» .
٣. ﴿يُجْبَى﴾:
جَبَى الخراجَ والماء والحوضَ يَجْبَاهُ ويَجْبِيه: جَمَعَه. جَبَيْتُ الماء في الحوض وجَبَوْته والجابي: الذي يجمع الماء للإبل. والجِباوةً اسم الماء المجموع، والجبا بالفتح الحوض الذي يجبى فيه الماء «٢» .
قال الراغب الأصفهاني: جبيت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جابية، وجمعها جواب. ومنه استعير: جبيت الخراج جباية على طريق الاصطفاء «٣» .
٤. ﴿بَطِرَتْ﴾:
البَطَرُ: النشاط، وقيل: التبختر، وقيل: قلة احتمال النِّعمة، وقيل: الدَّهَشُ والحَيْرَةُ. وقيل: البَطَرُ الطُّغيان في النِّعْمَة. وقيل: هو كراهة الشيء من غير أَن يستحق الكراهية. بَطِرَ بَطَرًا، فهو بَطِرٌ. والبَطَرُ: الأَشَر، وهو شدّة المَرَح. وبَطِرَ النِّعْمَةَ بَطَرًا، فهو بَطِرٌ: لم يشكرها «٤» .
وقال الراغب الأصفهاني: " البطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها " «٥» .
٥. ﴿مُهْلِكَ﴾:
الهَلْكُ: الهلاك. هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكًا وهَلْكًا وهَلاكًا: مات. واستعمل أبو حنيفة الهلكة في جفوف النبات «٦» .
_________________
(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (مكن) ١٣ /٤١٢ –٤١٣.
(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (جبي) ١٤ /١٢٩ –١٣١.
(٣) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٨٥.
(٤) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (بطر) ٤ /٦٨ –٦٩.
(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٨.
(٦) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (هلك) ١٠ /٥٠٣.
[ ٤٩٩ ]
وقال الراغب الأصفهاني: " الهلاك على أربعة أوجه:
افتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ «١» .
وهلاك الشيء باستحالة وفساد، كقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ «٢» .
والثالث: الموت، كقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ «٣» .
بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ «٤»، ويقال للعذاب والخوف والفقر: الهلاك «٥» .
٦. ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾:
الحُضُورُ: نقيض المَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُورًا وحِضارَةً؛ وقال الجوهري: حَضْرَةُ الرجل قُرْبهُ وفِناؤه. وقال الأَزهري: الحَضْرَةُ قُرْبُ الشيء، تقول: كنتُ بِحَضْرَةِ الدار، أي: بقربه «٦» .
القراءات القرآنية
١. ﴿الْهُدَى﴾:
قرأها بالإمالة حمزة، والكسائي، وورش «٧» .
٢. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾:
قرأ المنقري: (نُتَخَطَّفُ) برفع الفاء «٨» .
٣. ﴿يُجْبَى﴾:
قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر: (تُجْبَى) بتاء التأنيث، وقرأ الباقون بالياء، وحجة من قرأ بتاء التأنيث (الثمرات)، وحجة من قرأ بالياء أنه فرق بين المؤنث وفعله بـ (إليه) لأنه تأنيث غير حقيقي، ولأن معنى الثمرات الرزق، فحمل على المعنى فَذُكِّر «٩» .
٤. ﴿ثَمَرَاتُ﴾:
_________________
(١) سُوْرَة الحَاقَّة: الآية ٢٩.
(٢) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٠٥.
(٣) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ١٧٦.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.
(٥) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٤٢- ٥٤٣.
(٦) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (حضر) ٤ /١٩٦ –١٩٧.
(٧) غيث النفع: ص ٣١٧.
(٨) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٩.
(٩) الحجة في علل القراءات: ٥ /٤٢٤. الكشف عن وجوه القراءات: ٢ /١٧٥.
[ ٥٠٠ ]
قرأ الجمهور (ثَمَرَاتُ) بفتحتين، وقرأ أبان بن تغلب بضمتين: (ثُمُرات)، وهي قراءة شاذة «١» .
٥. ﴿فِي أُمِّهَا﴾:
قرأ حمزة، والكسائي: (امِّها) وصلًا للإتباع «٢» .
٦. ﴿تَعْقِلُونَ﴾:
قرأ أبو عمرو (يعقلون) بالياء إعراضًا عن خطابهم، وخطاب لغيرهم كأنه قال: انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم أفلا يعقلون يا مُحَمَّد (- ﷺ -) .
وقرأ الجمهور بالتاء على خطابهم وتوبيخهم في كونهم أهملوا العقل في العاقبة، ونسب هذه القراءة أبو علي في الحجة إلى أبي عمرو وحده «٣» .
٧. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾:
قرأ طلحة: (أمَن وَعَدْنَاه) بحذف الفاء «٤» .
٨. ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:
وقريء: (مَتَاعًا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) انتصب الحياة الدنيا على الظرف «٥» .
٩. ﴿ثُمَّ هُوَ﴾:
بسكون الهاء (هْوَ) كما قرأها الكسائي، وأبو جعفر وصلًا «٦» .
القضايا البلاغية
_________________
(١) الكَشَّاف: ٣ /١٨٥. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٦.
(٢) النشر في القراءات العشر: ٢ /٢٤٨. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣. غيث النفع: ص ٣١٧.
(٣) التيسير في القراءات السبع: ص ١٧٢. السبعة في القراءات: ص ٤٩٥. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣.
(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧/١٢٧.
(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٧.
(٦) التيسير في القراءات السبع: ص ٣١٧. السبعة في القراءات: ص ٥٤٨. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٣.
[ ٢ / ١ ]
١. الإسناد المجازي «١» (مجاز عقلي) في قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، لأن المراد أهل الحرم. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها بدليل قوله تعالى بعد:
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا﴾، أي: لقد زهوا بها حينًا من الدهر وغرتهم الأماني وأبطرتهم النعمة وكان ديدنهم ديدن المترفين الرافلين في حلل السعادة، فما عتموا أن فنوا وطوتهم الأيام وبقيت آثارهم شواخص «٢» .
المعنى العام الآيات
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾
" أي: نستلب من أرضنا يعني أرض مكة والحرم، وقيل: إنما قاله الحارث بن نوفل بن عبد مناف فإنه قال للنبي (- ﷺ -): إنا لنعلم أن قولك الحق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك أن يتخطفنا العرب من أرضنا، ولا طاقة لنا بالعرب «٣»، فقال ﷾: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ .
قال الماوردي: " فيه وجهان:
أحدهما - إنه جعله آمنًا بما طبع النفوس عليه من السكون إليه حتَّى لا ينفر منه الغزال والذئب والحمام والحدأة.
الثاني - إنه جعله آمنًا بالأمر الوارد من جهته بأمان من دخله ولاذ به، قاله يحيى بن سلام، يقول: كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني وأمنتم بي " «٤» .
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
_________________
(١) الإسناد المجازي: هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل، ينظر الإيضاح للقزويني: ١٦.
(٢) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٢٥٦ –٢٥٧.
(٣) مجمع البيان: ٧ /٢٦٠.
(٤) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٤.
[ ٢ / ٢ ]
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ " هو استفهام إنكار، وهذا الإنكار يقتضي توبيخًا على هذا الحال التي نزلوا لأجلها منزلة من ينفي أن الله مكن لهم حرمًا " «١» .
﴿يُجْبَى﴾ أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه
﴿إِلَيْهِ﴾، أي: خاصة دون غيره من جزيرة العرب «٢» .
﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ " أي يجمع إليه ثمرات كلّ أرض وبلد " «٣»، وقال ابن عاشور: " عام في كلّ ذي ثمرة، وهو عموم عرفي، أي: ثمر كلّ شيء من الأشياء المثمرة المعروفة " «٤» .
﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا، والعندية مجاز في التكريم والبركة أي: رزقًا قدرناه لهم إكرامًا، فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص «٥» .
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قال النسفي:" متعلق بـ (من لدنا)، أي: قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله. و(أكثرهم) جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذ أمنوا به " «٦» .
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾
قال القرطبي: " بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار" «٧» .
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾
قال الرازي: " في هذا الاستثناء وجوه:
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٩.
(٢) ينظر نظم الدرر: ٥ /٥٠٤.
(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٦.
(٤) التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٩.
(٥) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٩.
(٦) مَدَارِك التَّنْزِيل: ٣ /٢٤١.
(٧) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٦.
[ ٢ / ٣ ]
أحدهما - قال ابن عباس ﵄: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يومًا أو ساعة.
ثانيًا - يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقى أثرها في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلًا فتهلكه كما أهلكت من قبله " «١» . ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ " لهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم، وسائر ما يتصرف فيه، والشيء إذا لم يبق له مالك معين. قيل: إنه ميراث الله هو الباقي بعد خلقه " «٢» .
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ قال أبو السعود: " بيان للعناية الربانية إثر بيان إهلاك القرى المذكورة، أي: وما صحّ، وما استقام، بل يستحال في سنته المبنية على الحكم البالغة، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار، بل كانت عادته أن لا يهلكها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ " «٣» .
﴿فِي أُمِّهَا﴾ قال الماوردي فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما - أوائلها، قاله الحسن.
الثاني - في معظم القرى من سائر الدنيا، حكاه ابن عيسى.
الثالث - إن أم القرى مكة، قاله قتادة " «٤» .
وقال الخازن: " في أكبرها وأعظمها رسولًا ينذرهم، وخصّ الأم ببعثه الرسول لأنه يبعث إلى الأشراف وهم سكان المدن. وقيل: حتَّى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولًا يعني مُحَمَّد (- ﷺ -) لأنه خاتم الأنبياء " «٥» .
والذي أرجحه أن المقصود هو أم القرى بدلاله السياق.
_________________
(١) مفاتيح الغيب: ١٣ /٦.
(٢) تفسير المراغي: ٢٠ /٧٦.
(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٢٠.
(٤) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٥.
(٥) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ / ٣٤٧.
[ ٢ / ٤ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، أي: بتكذيب الرسل والعتو في الكفر " «١» .
وقال عطاء: " يريد بظلمهم أهلكتهم وظلمهم شركهم " «٢» .
وجاء في المحرر الوجيز " إن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، والظلم هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد. وبالجملة وضع الباطل موضع الحق " «٣» .
والذي أراه أن المعنى الخاص بالظلم يشمل كفرهم بالله تعالى على ما يتضح من سياق النص.
ويثور هنا سؤالان أوردها الرازي ﵀:
السؤال الأول: لماذا ما أهلك الله الكفار قبل بعثة مُحَمَّد (- ﷺ -) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى، والتكذيب بمحمد (- ﷺ -)؟
السؤال الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث مُحَمَّد (- ﷺ -) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد (- ﷺ -)؟
فأجاب عن السؤال الأول بقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ .
وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة.
وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون، وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنًا «٤» .
_________________
(١) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٢١.
(٢) الوسيط: ٣ /٤٠٤.
(٣) المحرر الوجيز: ١٢ /١٧٨.
(٤) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣ /٦.
[ ٢ / ٥ ]
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾
أجاب الله جل وعلا عن شبهتهم التي قالوا فيها تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا، فبين الله تعالى خطأهم في ذلك، لأن ما عند الله خير وأبقى وذلك لوجهين كما ذكر الرازي:
أحدهما - إن المنافع هناك أعظم.
وثانيها - إنها خالصة عن الشوائب، ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل الضار فيها أكثر.
وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدمًا، فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر، فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستيفاء منافع الدنيا، ونبه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجًا عن حد العقل «١» .
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾
قال المراغي في تفسير هذه الآية "أي: أفمن وعدناه من خلقنا على طاعته إيانا بالجنة وجزيل نعيمها مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر فآمن بما وعدناه وأطاعنا، فاستحق أن نجزله وعدنا فهو لاقيه حتمًا وصائر إليه، كمن متعناه الحياة الدنيا ونسي العمل بما واعدنا به أهل الطاعة، وآثر لذة عاجلة على لذة آجلة لا تنفذ، ثم هو يوم القيامة إذا ورد على الله من المحضرين لعذابه واليم عقابه " «٢» .
وأرى أن المقصود بذاك الوعد بمغفرة الله تعالى ورضوانه بإقراره في دار القرار والمستقر الجنة يوم القيامة، وهو ما يوضحه المعنى العام للآيات.
ما يستفاد من النصّ
_________________
(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٣ /٧.
(٢) تفسير المراغي: ٢٠ /٧٩.
[ ٢ / ٦ ]
١. دل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ على أنهم لا ينكرون أنه الهدى، فإن أهل الجزيرة العربية بما اشتهروا به من فصاحة اللغة وحسن البيان أدركوا بفطرتهم أن الذي جاء به مُحَمَّد (- ﷺ -) ليس من كلام البشر، ولا هو من سجع الكهان، ولا هو من السحر، ولكن ما منعهم من الإيمان به هو العصبية القبلية، والخشية من ذهاب السلطة الدينية والسياسية والإدارية عن مكة المكرمة.
فقد جاء فيما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعه قرا عليه الرسول (- ﷺ -) سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ «١»، فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، وذلك خوفًا مما تتضمنه الآية من تهديد. ثم عاد عتبة إلى أصحابه فقالوا: ما ورائك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي إني سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فو الله ليكون لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم «٢» .
_________________
(١) سُوْرَة فُصِّلَتِ: الآية ١٣.
(٢) الطبقات الكبرى. مُحَمَّد بن سَعَد بن مَنِيْع الزُّهْرِي البصري (كاتب الواقدي) أبو عَبْد الله. (١٦٨ - ٢٣٠) . قَدَّمَ لَهُ: د. إحسان عباس. دار صار بيروت ١٩٦٨ م.: ٥ /٤٣١. سيرة ابن هشام: ٢ /١٣١. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث. أحمد بن الحسين البيهقي. (٣٨٤ - ٤٥٨) . تحقيق: أحمد عصام الكاتب. دار الآفاق الجديدة. بيروت. ط١. ١٤٠١ هـ.: ١ /٢٦٧. تفسير القرآن العظيم: ٤/ ٩٢. فقه السيرة: ص ٨٨.
[ ٢ / ٧ ]
٢. دلت الآيات على أن الأمن والخوف من الله، فالله جل وعلا وحده الحافظ، والنافع والضار، والمحي والمميت، والمعز والمذل، وأنه لو اجتمعت كل قوى الأرض على أن تضر إنسانًا أو مجتمعًا دخل في حمى الله لا تستطيع، ولا أن تنصر من خذله الله، فالخوف الحقيقي هو في البعد عن هوى الله، والأمن لا يكون إلا في حمى الله.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ «١» .
فلو عادت الدول العربية والإسلامية إلى كتابها وتمعنت به لأنقذها من حيرتها أمام القوة الغاشمة (أمريكا) وتفردها بمصائر الشعوب، فقد انهار من انهار من المسلمين أمام قوة أمريكا، وقدم التنازلات تلو الأخرى لإرضائها، ولم يجرأ على مخالفتها، فعلى المسلمين أن يعلموا أن الأمن من الله لا من أمريكا والخوف من الله لا من أمريكا.
٣. ودلت كذلك هذه الآيات على أن البطر والظلم من أسباب هلاك الأمم والشعوب قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ .
٤. ودلت هذه الآيات كذلك على أن الأمم لا تستمر حضاريًا إن عتت باقتصادها ببطران المعيشة، وتغيير نعم الله ﷾، لأن ذلك مشعر ببوار هذه الأمم إلى يوم القيامة.
_________________
(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٣٨.
[ ٢ / ٨ ]