من الواضح للعيان أن السمة الغالبة على سورة القصص هي نظام الجملة الطويلة، المؤدية للبيان في تفخيم اللفظ وتعظيم المعنى، وذلك أن اختلاف سياق قصة نبي الله موسى (- ﵇ -) فيها، يختلف كل الاختلاف عن قصة النبي الكريم نفسه في باقي مواضعها من القرآن الكريم.
وقد علل ذلك الدكتور راجي رفاعي بقوله: " وقصة نبي الله موسى (- ﵇ -) في سورة القصص تأخذ بعدًا شموليًا مؤديًا لذاتية حقيقة القصة في إطالة مقصودة بذاتها، لتشمل فيما تشمله من أشياء:
أولًا: زيادة التبيين للسياق الذي تسير فيه القصة بأسلوب جديد.
ثانيًا: الإكثار من ذكر الجزئيّات القصصية التي لم تعرف من قبل.
ثالثًا: إعادة الرواية الحقيقية التي حرفت في التوراة المنحولة " «١» .
ونحن نوافق هذا الباحث فيما ذهب إليه، ونزيد عليه في توجيه المعنى الذي هو:
(الأخذ بسياق النص نحو إبراز تأويلاته المؤدية إلى معناه) «٢» . بأن نحاول بناء مخطط بياني بخطوط عريضة لذاتية سورة القصص، فهذا المخطط سوف يشمل «٣»:
علو فرعون في الأرض.
استضعاف بني إسرائيل.
ولادة موسى (- ﵇ -) والتقاط آل فرعون له.
قصة إرضاع موسى (- ﵇ -) .
حادثة قتل موسى (- ﵇ -) لعدوه.
هم موسى (- ﵇ -) بالبطش بالعدو الآخر.
خروج موسى من المدينة بعد التآمر عليه.
وصول موسى (- ﵇ -) إلى مدين وسقيه الماء للمرأتين.
زواج موسى (- ﵇ -) من بنت شعيب (- ﵇ -) .
_________________
(١) موسى (- ﵇ -) في الكتاب والسنة. د. راجي رفاعي. الطبعة الأولى. دار النشر الأكاديمية. القاهرة. ١٩٩٢ م: ص٢٣٨. وراجع قصص الأنبياء في المرويات الإسلامية. دراسة مقارنة. فهيمة مُحَمَّد علي. الطبعة الأولى. . دار الشرق. القاهرة. ١٩٩٤ م: ص ٢٩٩. إذ تؤيد مؤلفته ما نقلناه بقولها: " إن في سُوْرَة الْقَصَصِ انسجامًا في إعطاء تشخيص كلي لصورة موسى ﵊ ".
(٢) التحليل التطبيقي للنصوص. حكيمة محسن. الطبعة الثانية. مكتبة الفكر. بيروت، لبنان. ١٩٨٨ م: ص ٣٣٧.
(٣) استنادًا إلى السورة نفسها.
[ ٥٣ ]
ونلاحظ ههنا أن اسم الأب لم يذكر صراحة في سورة القصص ولا في سواها، غير أن الآثار الصحيحة وردت بذلك «١» .
قضاء سيدنا موسى (- ﵇ -) الأجل.
قصة إرسال موسى (- ﵇ -) وكلام الله تعالى له.
إرسال هارون مع موسى (- ﵇ -) .
أمر فرعون لهامان ببناء الصرح.
إغراق جنود فرعون معه.
المنة على موسى (- ﵇ -) .
تذكير رسول الله (- ﷺ -) بما جرى، وذكر كفر قومه.
صفات المؤمنين.
شروط إهلاك القرى.
آلاء الله ﷿ يوم القيامة.
صفات الله ﷿.
ذكر قصة قارون.
تذكير رسول الله (- ﷺ -) بما لله من قوة.
والملاحظ على هذا المخطط الذي يختصر لنا مقاصد سورة القصص أنه يشمل أمورًا يرتبط بعضها ببعض، ويأخذ بعضها برقبة بعض.
_________________
(١) ينظر قصص الأنبياء في المرويات الإسلامية: ٢٩٩، وراجع قصص الأنبياء. الحَافِظ عماد الدِّيْن إسماعيل بن عمر بن كَثِير القُرَشي الدَّمَشْقي أبو الفِداء. ت ٧٧٤ هـ. الطبعة الثانية. تحقيق وتعليق: مُحَمَّد عَلِيّ الصابوني. دار القُرْآن الكَرِيْم. مصر. ١٩٨١م: ص٢٢٤. قصص الأنبياء. عبد الوهاب النجار. مكتبة النهضة العربية. الطبعة الثالثة. مصر. (د. ت): ص١٦٩، وهو يشكك في ذلك.
[ ٥٤ ]
ومن قبل تنبه القدماء لذلك، فقال ابن جماعة المقدسي: " وقد تضمنت سورة القصص جماع قصة موسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ، وجاءت القصة في موضعها ناصعة كالشمس في رابعة السماء، ثم بعد ذلك أثنى الله ﷻ على نفسه وعدد على رسوله (- ﷺ -) نعمه حتَّى انتهاء السورة " «١» .
ويزيد هذا النص المهم وضوحًا ما ذكره بعض الباحثين المحدثين، إذ قال: " والمتتبع لما احتجنته سورة القصص يجد جانبًا من جوانب إبراز النص المكرر بصيغة لا تشعر بتكراره، ولم يأت ذلك إلا في كلام الله تعالى، فقصة نبي الله موسى (- ﷺ -) متفرقة في عدة آيات، إلا أن صيغتها الإلهية في سورة القصص تجعلها من الروعة بمكان، ثم إن وجه الإعجاز يظهر بعد ذلك في المقارنة القرآنية بين فرعون وجنوده وقريش وأظن ظنًا يقرب من اليقين أن خواتيم سورة القصص التي احتوت على قصة قارون، هي إشارة لقريش وعظماء أغنياء رجالها بأنهم إن لم يسلموا ويؤمنوا ويتقوا، فإنهم سيواجهون الخسف - مصير قارون - وفي ذلك ما يدلنا على الرابط المعنوي لأوائل السور بنهاياتها، وما فيها من إشارات" «٢» .
_________________
(١) رسالة في فضائل السّور. مُحَمَّد بن إبراهيم بن سَعَد الله بن جماعة. (٦٣٩ - ٧٢٧) . تحقيق: مُحَمَّد رشاد. الطبعة الأولى. دار الحديث. مصر. ١٤٠٨ هـ. رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية. غانم قدوري الحمد. الطبعة الأولى. اللجنة الوطنية للاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري. مؤسسة المطبوعات العربية. ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م: ص ٤٧-٤٨.
(٢) الوحدة الموضوعية في الَقُرْآن الكَرِيم. سليم سليمان. الطبعة الثانية. الدار التونسية للنشر. تونس. ١٩٨٨ م: ص٣٩١.
[ ٥٥ ]
ونحن إِذَا اتجهنا ناحية التوجيه المعنوي لذاتية السورة في محاولتنا لإبراز مكامن التحليل البحثي لهذه السورة نجد أن آيات سورة القصص تأخذ طريقًا مبينًا في الإيضاح فقوله تعالى: ﴿َلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «١» قد سبك في صياغته اللفظية بجملة غير مسبوقة، في التعبير القرآني ﴿وَصَّلْنَا﴾، واقتران هذا الإيصال والتوصيل بالتذكير بالفعل المضارع يرينا وجهًا من وجوه آفاق النص القرآني، ويمكن فهم هذا الوجه بأن جملة ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ مقترنة بما بعدها لا بما قبلها، فينتج عن ذلك أن نخرج بالمعنى العام: إنا نواصل إرسال رسلنا بكلماتنا للناس كافة لأجل ان يتذكروا الإيمان «٢» .
وهو بعض ما تنبه له قدماء المفسرين «٣»، فإذا ما أخذنا آية أخرى وحاولنا تحليلها تحليلًا موضوعيًا فإننا سنأخذ على سبيل المثال لا الحصر في ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ «٤» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥١.
(٢) ينظر الإِتقَان فِي علُوم القُرْآن: ١ /١٧٧.
(٣) جامع البَيَان عَنْ تَأوِيل آي القُرْآن المعروف بتفسير الطَّبَري. أبو جعفر مُحَمَّد بن جَرِير الطَّبَري. ت ٣١٠ هـ. حققه وخرج أحاديثه: محمود مُحَمَّد شاكر. راجع أحاديثه: أحمد مُحَمَّد شاكر. دار المعارف بمصر ج ٨ سنة ١٩٧١. ج ١١ سنة ١٩٥٧ م: ٨ /١٩٩. وقارن مَفَاتِيح الغَيْب: ١٢/ ٢٦٢.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٧.
[ ٥٦ ]
فإن سياق المعنى في الآية هو خطاب أهل مكة من الكفار والمشركين لرسول الله (- ﷺ -)، والملاحظ أن الصيغة التي أتت بها بعض ألفاظها تحمل إعجازًا محسوسًا في حد ذاتها فقوله تعالى: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ يكاد أن يشخص حالهم بين الخوف والاستهزاء، وهو ماتنبه له بعض المفسرين المعاصرين فقال: " وقوله تعالى: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ مشعر في جوهره ومضمونه أنهم - أي الكفار من قريش - مزجوا رفضهم الانكاري بمحاولة إبراز ما في دواخل أنفسهم من خوف من أنهم إِذَا ما اسلموا اخرجتهم العرب من الحرم - هكذا تصوروا وزعموا - فمنّ الله عليهم بتمكين الحرم، ووصف أكثرهم بعدم العلم " «١» .
فتوجيه المعنى واضح هنا كلّ الوضوح في سياقه من سُوْرَة الْقَصَصِ، ونحن في توجيهنا للمعنى العام نلاحظ أن هنالك تواصلًا بين قصة موسى (- ﵇ -) وهذه الآية، فبنو اسرائيل بعد أن أنجاهم الله تعالى من فرعون وجنوده جادلوا رسولهم ورفضوا دخول الارض المقدسة. والسياق التعبيري القرآني يشعر في بعض معانيه بأن حال هؤلاء كحال هؤلاء «٢»، أي: إن بني إسرائيل كادوا يتخطفون في رفضهم دخول الأرض المقدسة، وهو أمر إلهي.
_________________
(١) تفسير آيات الجدل في القرآن الكريم. حسن رفاعي. الطبعة الأولى. القاهرة. ١٩٩٤ م.: ص٤٩٧.
(٢) ينظر التفسير الحديث. مُحَمَّد عزة دروزة. الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان. ١٩٨٤ م: ٧/١١٨.
[ ٥٧ ]
ونجد من هذا التوجيه للمعنى في داخل السورة أن قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ «١»، يتوجه نحو تقرير موضوع جديد في النفوس بواسطة ابراز مآل رسول الله (- ﷺ -)، وهي آية طالما آثارت عند المفسرين نقاشات لإبراز المعاني الأولى، والمعاني الثانية، لا بل والمعنى الكامن في سياق النص، فقال ابن قتيبة: " معاد الرجل بلده، لانه يتصرف في البلاد، ثُمَّ يعود إليه. وفي الآية تقديم وتاخير، والمعنى أن الذي فرض عليك القرآن، أي: جعلك نبيًا، ينزل عليك القرآن، وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبيًا يوحى اليك الكتاب، لرادك إلى مكة ظاهرًا
قاهرًا " «٢» .
وهو تأويل معنوي يشعر بإحساس ابن قتيبة بتحليل المضمون بدلالة الفظ، بينما يقرر مفسر من المحدثين في توجيهه للمعنى أنه: " اختلفت الآراء في هذا المعاد الذي تقرره الآية الكريمة، فقال قوم: أي إلى وطنك مكة.
وقال قوم: أي إلى يوم القيامة.
وعزز الرأي الاول ما تلاها من قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ «٣»، فإن السياق مشعر بالرأي الاول " «٤» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.
(٢) تَأوِيل مُشْكِل القُرْآن. ابن قتيبة أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مسلم. ت ٢٧٦. الطبعة الثالثة. تحقيق: أحمد صقر. المكتبة العلمية. المدينة المنورة. ١٩٨١ م.: ص ٤٢٥.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.
(٤) مكامن العرفان في تفسير الَقُرْآن. الشيخ حازم عَبْد الله. الطبعة الأولى. الدار الإسلامية، بيروت، لبنان. ١٩٩٥ م: ٤ / ٢٦٦-٢٦٧.
[ ٥٨ ]
وهكذا يستبين لنا أن آفاق النص المفتوح توجه المعاني في تأويله، ومثل ذلك قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «١»، وهي آية صيغت صياغة جميلة ذات دلالة على ما يرضي الله عزوجل، غير أن كلمة ﴿الْفَرِحِينَ﴾ تفتح أبوابًا لتفسيرها وتأويلها بين كونها على الحقيقة، أو على المجاز. فقال مجاهد: " يعني المبذخين الأشرين البطرين الذين لايشكرون الله فيما أعطاهم " «٢»، فأول الفرحين بمن هذه صفتهم، ولا ريب في أن توجيه هذا التأويل يتطلب أن يكون قد تم نقله من المعنى الحقيقي الذي هو كل فرح ضمن سياق الفرح الانساني. الى المعنى المجازي، الذي هو: الفرح، كل من أوتي نعمة فكفرها وجحدها وفرح بكفره وجحوده في الدنيا، أو بمعنى آخر هو أن مجازية معنى (الفرح) انتقلت إلى حال من نهي عن الفرح بما أوتي في الدنيا، ولم يحبه الله ﷾.
فيتوجه المعنى في ذلك إلى سياق جديد مجازي، وهو ما تنبه عليه بعض الدارسين للنص القرآني، فقال: " الفرح مفهوم مجازي حقيقته السرور، ومجازه الحب الدنيوي، والأطمئنان لها، وفي سورة القصص جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٣» .
وفسرت كلمة ﴿الْفَرِحِينَ﴾ بمعنىالكفار، فنقلت إلى المجاز، ولا ريب أن نقل الكلمة من الحقيقة إلى المجاز لا يتم الا بقرينة صارفة " «٤» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.
(٢) تفسير مجاهد. مجاهد بن جبر المخزومي التابعي أبو الحجاج. (٢١ - ١٠٤) . تحقيق: عَبْد الرَّحْمَن الطاهر مُحَمَّد السورتي. المنشورات العلمية. بيروت. (د. ت): ص٤٩٠.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.
(٤) الألفاظ الَقُرْآنية بين الحقيقة والمجاز. دراسة نقدية. عَبْد الله إمام عَبْد الله. الطبعة الأولى. مطبعة الرحمة. القاهرة. ١٩٩١ م: ص ٣٢٢ –٣٢٣.
[ ٥٩ ]
ونحن نعتقد أن الأسلوب القرآني في سورة القصص من أولها إلى أخرها جاء في شكل من أشكال التعبير الإنسيابي الذي فتح المعنى الكامن في سياق الألفاظ؛ ليتوجه تأويل قدماء المفسرين ومحدثيهم، فالمعنى في سورة القصص يجري في شكل يأخذ بمجامع القلوب.
وقد تنبه دارسو الأسلوب القرآني على حقيقة ذلك، وقرروا أن نص آيات سورة القصص في أسلوبه يحمل من أوجه الإعجاز ما يفتح المعاني لتنساب انسيابًا وفق البناء اللغوي المعنوي «١» .
وقد وجدنا أثناء التحليل الشمولي لسورة القصص أن في ضمن آياتها معاني لا تتأتى من مجرد القراءة الأولى ولا الثانية، بل تحتاج إلى قراءات وقراءات ليتفتح للعقل من إعادة استقرائها استنباط إشارات النص وهو أمر يمس توجيه المعنى يحبث يكون متواصلًا ومترابطًا معه، ولا بأس باستعراض نموذج سوى ما قدمناه في استعراضنا للنماذج الأخرى المنتقاة من سورة القصص، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ «٢» .
فإن سياق الآية في توجيهها المعنوي يختلف عن آيات أخرى جاءت بالمعنى نفسه في مواضع أخرى من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ «٣»، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ «٤» .
_________________
(١) ينظر دراسات في أساليب القرآن الكريم. مُحَمَّد عبد الخالق عظيمة. الطبعة الثالثة. مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة. ١٩٨٦ م: ٥ / ٣٥١.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦٨.
(٣) سُوْرَة النَّحْلِ: الآية ٨.
(٤) سُوْرَة الرَّعْدِ: الآية ١٦. سُوْرَة الزُّمَرِ: الآية ٦٢.
[ ٦٠ ]
فإن قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ دال على شمولية الخلق وفق المشيئة الإلهية التي لا اختيار معها، والنصف الثاني من الاية: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ دال في معناه المستنبط على أن لا خيار لمخلوق في خلق مع خلق الله «١» .
وقد دل العلم الحديث على إعجاز هذه الآية إعجازًا سبق القرن العشرين الميلادي بخمسة عشر قرنًا، ونجد ذلك في النص الآتي الذي يحلل فيه أحد الباحثين هذه الآية:
" وفي القرآن الكريم آيه تفتح معانيها الظاهرة والباطنة (المعاني الكامنة) أعين المؤمنين والكافرين في الإعجاز الذي تُؤَوَّل وتؤُول إليه وهي: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، أي: في الخلق والاختيار فيه، فقد دلت البحوث العلمية الأكاديمية أن لا إمكانية مطلقًا رغم كل التطور العلمي والتقني لاختيار خارجي في التكاثر والحمل والإنجاب، بعد أن أثبت العلم الحديث استحالة إيجاد خلق جديد من لا شيء سوى الانتخاب العلمي، وبهذا فإن الجملة وردت في آية قصيرة سبقت كل علوم الغرب الحديثة " «٢» . ونحن إنما نقلنا هذا النص استئناسًا به في تحليلنا لعملية توجيه المعنى في سورة القصص.